ففي مقابلة أجراها ألتمان مع قناة يوتيوب “شيكي بينت آند سترايب” (Cheeky Pint & Stripe) نُشرت في 30 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قال رئيس أوبن إيه آي “من السيئ للغاية أن يحتفظ الجميع بكميات كبيرة من الإمدادات المحدودة من ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) داخل حواسيبهم في حين أنها لا تُستخدم إلا 5% من الوقت”.
ووفق تقرير لموقع “إنغادجيت” التقني الأمريكي، فإن أوبن إيه آي بمفردها تستحوذ على نحو 40% من إجمالي الذواكر المنتجة في العالم من كبرى الشركات العاملة في هذا القطاع، دون النظر إلى بقية شركات الذكاء الاصطناعي.
وبين الحقيقة وإثارة الجدل، تقع تصريحات ألتمان، فماذا كان يقصد بها؟
جزء من الصورة الكاملة
استمرت مقابلة ألتمان على قناة يوتيوب نحو ساعة تقريبا، تطرق خلالها إلى العديد من الجوانب المختلفة بشأن الذكاء الاصطناعي والنماذج والأمن السيبراني وغيرها.
لكن تصريحات ألتمان عن الذواكر اجتُزئت من سياقها، إذ كان يتحدث عن تشغيل النماذج محليا عبر حواسيب المستخدمين دون الاعتماد على الخدمات السحابية التي توفرها شركته “أوبن إيه آي” والشركات المنافسة.
وأوضح في بداية حديثه عن هذه النقطة أنه يتحدث منطلقا من التوزيع العالمي للموارد المحدودة، وتتسق تصريحاته مع نموذج عمل شركته “أوبن إيه آي”، فرغم أنها تملك نماذج مفتوحة المصدر يمكن استخدامها محليا، فإن معظم أرباح الشركة وإيراداتها تأتي من بيع الاشتراكات الشهرية لاستخدام النماذج المغلقة التي تستضيفها الشركة في خوادمها.
ويشير تقرير منفصل من شبكة “سي إن بي سي” الأمريكية إلى أن “أوبن إيه آي” في الوقت الحالي لا تملك مراكز بيانات خاصة بها، وتعتمد بدلا من ذلك على التعاون مع الشركات التي توفر هذه المراكز، فضلا عن عقود الشراكات الحصرية التي كانت تملكها مع شركات مثل مايكروسوفت.
وتتجه “أوبن إيه آي” خلال السنوات المقبلة إلى بناء مراكز البيانات الخاصة بها وفق التقرير، إذ تُعَد الشركة طرفا محوريا في مبادرة ستارغيت التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في بداية فترته الرئاسية لبناء المزيد من مراكز البيانات.
التهديد ليس من اللاعبين أو الحواسيب المعتادة
ولا يشعر ألتمان -ومن خلفه أوبن إيه آي- بأي تهديد من المستخدمين الذين يملكون حواسيب محمولة أو مكتبية مخصصة للأعمال والألعاب مهما كان حجم الذواكر الموجودة في هذه الحواسيب، إذ لا يتعارض هذا مع نموذج عمل الشركة بشكل واسع، بحسب ما أورده تقرير موقع “تومز هاردوير” التقني الأمريكي.
ويعود السبب في ذلك إلى أن هؤلاء المستخدمين يحتاجون إلى الاشتراك في خدمات أوبن إيه آي من أجل تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة والاستفادة من قدراتها.

ويستند جزء مما يقوله ألتمان إلى فكرة مفادها أن عمليات التوسع في مراكز البيانات لن تتباطأ، مشيرا إلى أن استخدام الذواكر في مراكز البيانات التي تعمل على مدار الساعة وتخدم عددا كبيرا من المستخدمين أكثر جدوى من ترك الذواكر في الحواسيب الشخصية التي لن تفيد إلا مالكها.
ولا تقلل وجهة النظر هذه من الأزمة التي تسببت فيها تصريحات ألتمان، إذ يجب على الشركات الموازنة بين تقديم الذواكر للمستهلكين الذين يحتاجون إليها لترقية حواسيبهم أو تشغيل منتجاتهم الخاصة، واستخدامها في مراكز البيانات الخاصة بنماذج الذكاء الاصطناعي.
هل من المجدي استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي المحلية؟
يشكل السؤال المتعلق بجدوى استخدام النماذج المحلية بدلا من النماذج السحابية أحد أكبر النقاشات الدائرة في المنتديات التقنية وعبر منصات التواصل الاجتماعي، فمن جانب يرى البعض أن النماذج السحابية توفر قوة أكبر وتكلفة أقل من التشغيل المحلي.
ويرى الجانب الآخر أن تشغيل النماذج المحلية يمنح المستخدمين حرية اختيار النموذج الذي يرغبون فيه وتدريبه والاستفادة منه دون القيود التي تضعها الشركات على نماذجها، فضلا عن حمايتهم من زيادة أسعار خدمات الاشتراك السحابية في نماذج الذكاء الاصطناعي.
ولكن تشغيل النماذج محليا باختلاف قدراتها يتطلب امتلاك حاسوب ذي مواصفات خاصة ترتكز بشكل أساسي على الذواكر العشوائية والبطاقات الرسومية، وحتى مع امتلاك حواسيب قوية قد لا يكون هذا كافيا لتشغيل النماذج بالكفاءة ذاتها.
لذلك، فإن نوعية الاستخدام وكثافته والمقدرة المالية للمستخدم هي النقاط المحورية التي يجب الاختيار بناء عليها بين تشغيل النماذج السحابية والنماذج المحلية.
وفي كل الأحوال، تشير تصريحات ألتمان إلى أن أزمة الذواكر قد تتفاقم، فإذا كان الرئيس التنفيذي لإحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي ينظر إلى كميات الذواكر المحدودة الموجودة في حواسيب المستخدمين بأنها تشكل تهديدا على نموذج عمل شركته وتوسعها، فإن هذا يُعَد دليلا واضحا على استمرار الأزمة وقيود الإنتاج العالمية.
ويتسق هذا الأمر مع تقارير سابقة أشارت إلى استمرار أزمة الذواكر حتى عام 2028 بناء على تصريحات كبرى الشركات العاملة في إنتاج الذواكر العشوائية، وقد تسببت الأزمة في انتقال العديد من المستخدمين إلى الأجيال القديمة من الذواكر العشوائية المتوفرة بدلا من الاعتماد على الأجيال الأحدث كما كان يحدث في السابق.


