ويكشف هذا التباين عن خلاف أوسع بشأن طبيعة الأزمة التونسية نفسها: هل قضية التآمر ملف قضائي مستقل، أم أنها جزء من صراع سياسي بين السلطة ومعارضيها؟، وهل يؤدي تثبيت الأحكام إلى مزيد من الانسداد، أم يدفع الأطراف إلى البحث عن مخرج سياسي، في ظل مبادرة أطلقتها 3 منظمات وطنية للحوار؟
هذه الأسئلة كانت محور النقاش برنامج “ما وراء الخبر”. فقد اعتبر القيادي في الحزب الجمهوري المعارض أحمد فرحات الحمودي أن توقيت الحسم يعزز، في رأيه، الشكوك بشأن سلامة المسار القضائي، ويرى أن السلطة تستخدم القضية لصرف الأنظار عن أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.
في المقابل، يرى الكاتب والمحلل السياسي صهيب المزريقي أن الطابع الاستعجالي للجلسة لا يعني بالضرورة وجود خلفية سياسية، مشيرا إلى أن المحامين تقدموا بطلب استعجال، وأن محكمة التعقيب قامت بدورها القانوني في فحص الطعون.
أما الصحفي صبري الزغيدي، فيضع القضية ضمن مناخ سياسي يقول إنه يشهد تضييقا على الصحفيين والنقابيين والمعارضين، معتبرا أن عدم اطلاع الرأي العام على تفاصيل الملفات يثير تساؤلات بشأن طبيعة الاتهامات.
توقيت مثير للجدل
وكان انعقاد جلسة محكمة التعقيب قبل انتهاء العطلة القضائية من أكثر النقاط إثارة للجدل. ويرى الحمودي أن التعجيل بالبت في القضية بعد أكثر من 3 سنوات من التحقيق يعزز الشكوك بشأن سلامة المسار القضائي، ويربط ذلك بما يصفه بأزمة سياسية عميقة في تونس.
أما المزريقي فيقدم قراءة مختلفة، إذ يقول إن الاستعجال جاء بناء على طلب تقدم به المحامون، وإن المحكمة نظرت في الطعون وفق اختصاصها، موضحا أن بعض الطعون رُفضت شكلا وأخرى أصلا. ويؤكد المزريقي أن النصوص القانونية المتعلقة بالتآمر موجودة في المجلة الجزائية منذ عقود، وبالتالي فإن تطبيقها، من وجهة نظره، لا يرتبط حصرا بالمرحلة السياسية التي بدأت بعد 25 يوليو/تموز 2021.
القضاء في قلب الصراع
ولا ينفصل الجدل حول القضية عن سؤال استقلال القضاء، الذي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في تونس منذ الإجراءات السياسية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد عام 2021. ويقول الحمودي إن هناك “شكوكا كبرى” بشأن استقلال القضاء، ويربطها بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء وبزيادة نفوذ السلطة التنفيذية، معتبرا أن استقلال القضاء شرط أساسي لحماية الحقوق والحريات.
أما الزغيدي، فيربط قضية التآمر بمناخ أوسع من التضييق على حرية الصحافة والنشاط النقابي والسياسي. ويقول إن الرأي العام لا يعرف تفاصيل كافية عن الملفات، متسائلا عن طبيعة الوقائع التي تقف وراء اتهامات التآمر. ويعتبر الزغيدي أن غياب هذه التفاصيل يفتح المجال، بحسب رأيه، أمام تفسير القضية باعتبارها “تصفية حسابات سياسية”.
أزمة تتجاوز المحكمة
وبالتوازي مع القضية، تواجه تونس أزمات اقتصادية واجتماعية متعددة. ويقر المزريقي بوجود أزمة “مركبة”، لكنه يرى أن جذورها تعود إلى عقود، مستشهدا بتدهور شبكات الكهرباء والمياه وعدم تنفيذ إصلاحات هيكلية متعاقبة.
أما الحمودي والزغيدي، فيحمّلان السلطة الحالية مسؤولية أساسية عن تفاقم الأوضاع، ويريان أن التركيز على الملفات السياسية والقضائية يأتي على حساب معالجة الأزمات المعيشية. وفي خضم هذا المشهد، أعلنت ثلاثة من أبرز مكونات المجتمع المدني التونسي، وهي الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إنشاء إطار تنسيقي تحت شعار “تونس أولا والشعب فوق كل اعتبار”، والدعوة إلى فتح مسار للحوار المجتمعي.
ويرى المزريقي أن المبادرة ما زالت عامة ولم تقدم، وفق تقييمه، حلولا تفصيلية للأزمة، بينما يعتبر الزغيدي أنها تمثل بداية لعمل مشترك مفتوح أمام قوى مدنية وسياسية أخرى.
نهاية المسار القضائي
وكانت محكمة التعقيب رفضت جميع الطعون المقدمة في قضية “التآمر على أمن الدولة 1″، لتثبت بذلك الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف بحق المتهمين وتغلق المسار القضائي العادي للقضية. وكان الملف قد بدأ في فبراير/شباط 2023، وشمل أكثر من 40 متهما من شخصيات وقيادات معارضة من توجهات مختلفة. وتراوحت الأحكام الصادرة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بين 5 سنوات و45 سنة سجنا، فيما قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى في حق 3 متهمين.
وتتعلق الاتهامات، وفق ما أُعلن خلال الحلقة، بالتآمر على أمن الدولة داخليا وخارجيا، وتشكيل منظمة مرتبطة بجرائم إرهابية، ومحاولة تغيير هيئة الدولة. لكنّ أسَر المتهمين وهيئة الدفاع لم تعتبر القرار نهاية للمعركة، إذ أعلنت الأسر مواصلة تحركاتها إلى حين الإفراج عن ذويها، بينما قال ممثل هيئة الدفاع أنس الكدوسي إن الملف شهد، بحسب رأيه، خروقات قانونية وإجرائية منذ توقيف المتهمين.



