وبين خيام النازحين المتلاصقة التي لا تفصل بينها سوى ممرات ضيقة، تنتشر حفر امتصاصية مفتوحة أو مغطاة بوسائل بدائية، في حين تنبعث من بعضها روائح الصرف الصحي، وتحيط بالأخرى تربة رخوة يخشى سكانها انهيارها في أي لحظة.
قصص مقترحة
وتحوّل التخلص من المياه العادمة إلى مهمة يومية محفوفة بالمخاطر، يضطر إليها النازحون بعدما ألحقت الحرب أضرارا واسعة بشبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة، تاركة آلاف الأسر أمام حلول بدائية للتعامل مع تلك المياه.
أساليب بدائية
ومن متنزه ومعلم سياحي غربي مدينة غزة، تحولت منطقة “الجندي المجهول” إلى مقر للخيام تؤوي النازح سعيد نعيم (60 عاما) ومئات الأسر، التي اضطرت إلى حفر أكثر من حفرة امتصاصية، بعدما امتلأت الحفر السابقة، في ظل غياب خدمات منتظمة لشفط المياه العادمة.
يقول نعيم للجزيرة نت “نضطر إلى البحث عن حلول بدائية، رغم أنها تشكل خطرا مباشرا على الأطفال الذين يتحركون في محيط الخيام والحُفر”، ويضيف “ذات مرة هبطت الأرض بأحد أفراد عائلتي، ولولا وجودي بالقرب منه لسقط داخل الحفرة”.
ولا تختلف معاناة النازح من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، محمود بردع، كثيرا، إذ تحولت الحفرة بجانب خيمته إلى مصدر دائم للقلق، في ظل المخاوف من امتلائها وتهديد التربة.
ويؤكد للجزيرة نت أن الخطر يستمر بعد الانتهاء من الحفر، إذ تصبح التربة المحيطة بها أكثر عرضة للانهيار مع تسرب المياه العادمة وتشبعها، لافتا إلى أن النازحين يحاولون إبعاد الحفر الجديدة عن القديمة، لكن ذلك لا يمنع انهيارها في بعض الحالات.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على الروائح الكريهة وانتشار الأوساخ حول الخيام، بحسب بردع، بل تمتد إلى مخاطر صحية، خصوصا على الأطفال، ويضيف أن “مناعة الأطفال ضعيفة أصلا، وحتى الكبار أصبحوا يعانون من آثارها”.
تهديد الخزان الجوفي
وبينما يواجه النازحون الخطر على سطح الأرض، تتسرب كميات من مياه الصرف الصحي إلى باطنها، بما يثير مخاوف من تأثيرها على الخزان الجوفي الذي يمثل مصدرا مهما للمياه العذبة في قطاع غزة.
ويقول مدير عام مصادر المياه في سلطة المياه وجودة البيئة بغزة، منذر سالم، إن القطاع يشهد ضغطا متزايدا على الخزان الجوفي نتيجة الكميات الكبيرة من المياه العادمة التي تتسرب إليه، لا سيما عبر الحفر الامتصاصية.
وأوضح أن نحو مليوني مواطن يعتمدون على مصادر المياه المتاحة، في حين تقدر الدراسات التي أجرتها جهات متخصصة، بينها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف”، معدل استهلاك الفرد من المياه في الظروف الحالية بنحو 20 إلى 30 لترا يوميا.
ويشير سالم، في حديث للجزيرة نت، إلى أن نحو 80% من المياه التي تصل إلى المواطنين تتحول في النهاية إلى مياه صرف صحي، وهو ما يزيد حجم المشكلة في ظل الأضرار التي لحقت بشبكات المجاري والبنية التحتية خلال الحرب.

ووفق المسؤول الفلسطيني، تسلك المياه العادمة مسارين رئيسيين:
- الأول: عبر ما تبقى من شبكات الصرف الصحي، حيث تضخ كميات كبيرة منها باتجاه البحر، وتُقدر وفق دراسات مختلفة بنحو 50 إلى 60 ألف متر مكعب يوميا من دون معالجة، وهو ما يمثل مصدرا للتلوث البيئي والبحري.
- الثاني: يتمثل في المناطق التي لا تتوفر فيها شبكات صرف صحي، إذ تعتمد الأسر على الحفر الامتصاصية التي تسمح بتسرب المياه غير المعالجة إلى طبقات التربة ومنها إلى الخزان الجوفي.
ويقدّر سالم عدد النازحين في الخيام خارج مناطق سكناهم بنحو مليون شخص، أي ما بين 200 ألف و250 ألف أسرة، جميعها تعتمد على الحفر الامتصاصية للتخلص من مياه الصرف الصحي.
ويبين أن الحفرة الواحدة تمتلئ خلال شهرين إلى 4 أشهر من الاستخدام تبعا لطبيعة التربة والموقع الجغرافي،وهذا يعني حاجة الأسرة إلى عدة حفر خلال العام.
وبتقديره، فإن مجموع الحفر الجديدة أو المعاد استخدامها منذ بداية الحرب تجاوز مليون حفرة، الأمر الذي يزيد مخاطر تسرب الملوثات إلى الخزان الجوفي.
ويحذر من أن المناطق التي شهدت موجات نزوح كثيفة، لا سيما التي اعتُبرت آمنة خلال الحرب، قد تكون من بين المناطق الأكثر تعرضا للتلوث نتيجة الانتشار الواسع للحفر الامتصاصية وغياب شبكات الصرف الصحي.

أمراض تستفحل
ولا يمكن تحديد حجم الضرر الذي لحق بالخزان الجوفي بصورة دقيقة دون فحوصات مخبرية، وفق سالم، الذي يوضح أن قياس التلوث يعتمد بصورة أساسية على مؤشرات كيميائية وبكتيرية.
ومن أبرز المؤشرات الكيميائية تركيز أيونات النترات، بينما تشمل المؤشرات البكتيرية البكتيريا البرازية، إذ يمكن لارتفاع مستوياتها فوق المعدلات الطبيعية أن يشير إلى تلوث المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي، حسب تقدير سالم.
وفي السياق، يرى الخبير البيئي سعيد العكلوك، في حديث للجزيرة نت، أن مخاطر الحفر الامتصاصية لا تتوقف عند تسرب الملوثات إلى المياه الجوفية، بل قد تنعكس بصورة مباشرة على صحة المواطنين.
ويعزو العكلوك انتشار الحفر الامتصاصية إلى انهيار جزء كبير من البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي وتدمير محطات المعالجة والضخ، وهو ما دفع السكان للبحث عن وسائل بديلة للتخلص من المياه العادمة.
كما أن خطورة الحفر الامتصاصية ترتبط -بحسب العكلوك- بمواقع انتشارها، خصوصا في المناطق الساحلية، حيث يكون الخزان الجوفي أقرب إلى سطح الأرض مقارنة بالمناطق الشرقية من القطاع.
ويقول إن تسرب مياه الصرف الصحي الخام عبر هذه الحفر يحمل معه ملوثات تدفع الفيروسات والبكتيريا والطفيليات والفطريات إلى طبقات المياه الجوفية، بما يرفع احتمالية تعرض الإنسان لهذه الملوثات.
ويضيف أن المخاطر تتضاعف في المخيمات والمناطق الساحلية التي يعتمد سكانها على آبار خاصة لسحب المياه الجوفية بالقرب من أماكن تسرب المياه العادمة، في ظل عدم توافر أنظمة تعقيم ومعالجة كافية للعديد من هذه الآبار.
ووفق العكلوك، أظهرت فحوصات أجريت لعينات من المياه ارتفاعا في مستويات التلوث في عدد من الآبار، ووصلت نتيجة التلوث في بعض العينات إلى مستويات مرتفعة جدا، بما يشير إلى تأثرها بمياه الصرف الصحي.

حلول مؤقتة وقاتلة
ولا يقتصر الخطر، بحسبه، على شرب المياه الملوثة، إذ يستخدم السكان مياه الآبار في الغسيل والاستحمام، وهو ما قد يتيح انتقال بعض الكائنات الدقيقة الممرضة إلى الإنسان.
وينبه العكلوك إلى زيادة ملحوظة في حالات الإسهال، إلى جانب انتشار الأمراض الجلدية والتهابات مرتبطة بالبكتيريا والفطريات، محذرا من أن استمرار الاعتماد على الحفر الامتصاصية في ظل غياب شبكات الصرف الصحي ومحطات المعالجة يمثل تهديدا طويل الأمد لمصادر المياه الجوفية والصحة العامة، خاصة في المناطق التي يقترب فيها منسوب المياه الجوفية من سطح الأرض.



