وتبرز عمليات الاغتيال الأخيرة في غزة بوصفها أحد وجوه هذا التصعيد، إذ أعلنت إسرائيل اغتيال نائل أبو عبيد، قائد لواء رفح في كتائب القسام، الجناح المسلح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بعد أيام من إعلانها اغتيال قائد لواء خان يونس وقيادات أخرى.
قصص مقترحة
ويأتي ذلك في وقت تتدهور فيه الأوضاع الإنسانية في القطاع، بينما تتحدث إسرائيل عن مواصلة عملياتها العسكرية، كما تعتزم إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إرسال أسلحة إلى إسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، بينها 40 ألف قنبلة تزن كل واحدة منها ألفي رطل.
أعباء متراكمة
يرى المحلل السياسي إياد القرا أن استمرار الاغتيالات، بالتزامن مع عجز الوسطاء والولايات المتحدة ومجلس الأمن عن وقف الانتهاكات، قد يدفع الفصائل الفلسطينية إلى الوصول إلى ما وصفه بـ”الخيار الأخير”، مع انسداد مسارات التعامل مع الوضع القائم.
ويقول القرا إن استمرار قتل قيادات المقاومة، رغم التزام الفصائل باتفاق وقف إطلاق النار، يضعها أمام معادلة صعبة ومتراكمة، خصوصا أن فصائل المقاومة بغزة ملتزمة بالاتفاق بينما تستمر إسرائيل في استهداف قياداتها وعناصرها.
ويحذر من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع نحو مواجهة جديدة، حتى مع إدراك مخاطر العودة إلى الحرب الوحشية، موضحا أن وقف إطلاق النار بات، من وجهة نظره، أقرب إلى “حرب إبادة صامتة” تتفاقم معها معاناة سكان القطاع.
ويشير القرا إلى أن الضغوط على الفصائل لا تتعلق بالعمليات العسكرية وحدها، بل تمتد إلى مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني، بعدما وافقت خلال أشهر التفاوض على مقترحات متعددة، بينها اللجنة الإدارية ومراحل الانسحاب الإسرائيلي وقوات الاستقرار الدولية.
لكن هذه التفاهمات، بحسب القرا، لم تُنفذ على الأرض، بما في ذلك ترتيبات اللجنة الإدارية التي جرى التفاوض بشأنها على مدى شهرين، ومراحل الانسحاب الإسرائيلي، فضلا عن ترتيبات قوات الاستقرار الدولية التي لم تر النور.
وعلى المستوى الإنساني، يلفت القرا إلى تدهور الخدمات الصحية والبنية التحتية والبلديات، فضلا عن صعوبة بدء عام دراسي جديد في ظل محدودية الإمكانيات. ويرى أن هذه الأوضاع تخلق حالة إنهاك متراكمة يصعب تجاهلها.
ويربط المحلل السياسي بين هذه الأوضاع والانتخابات الإسرائيلية المقبلة، قائلا إن نتنياهو وحكومته يراهنان على مزيد من التضييق على الفلسطينيين، بما في ذلك إغلاق المعابر، في ظل قناعة بأن الدم الفلسطيني يحضر في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية.
منطق القوة
أما الخبير في الشؤون الإسرائيلية نهاد أبو غوش، فيرى أن التصعيد يمثل أحد الخيارات المطروحة أمام نتنياهو إذا شعر بأن خسارته الانتخابية أصبحت مؤكدة، موضحا أن الذهاب إلى حرب، ولو محدودة، قد يُستخدم لتأجيل الانتخابات أو إلغائها.
لكن أبو غوش يشير إلى أن نتائج الانتخابات، وفقا للاستطلاعات التي يستند إليها، ليست محسومة، مع وجود حالة من التعادل وعجز الكتلتين الرئيسيتين عن تشكيل حكومة مريحة، خصوصا في ظل عدم الاعتماد المتوقع على القوائم العربية.
ويرجح أبو غوش احتمال تجدد الأزمة السياسية التي عرفتها إسرائيل عام 2019، بما قد يؤدي إلى انتخابات متكررة خلال العام المقبل أو العامين التاليين، كما يطرح احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية تستبعد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش والقوائم العربية.
ويضيف أن مثل هذه الحكومة قد تقوم على قواسم مشتركة بين أطرافها، وأن سياساتها تجاه الفلسطينيين والعرب قد لا تختلف كثيرا عن السياسات التي يتبناها نتنياهو، بما يُبقي الملف الأمني والتصعيد حاضرين في المشهد السياسي.
ومن زاوية أوسع، يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات أن نتنياهو، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اتجه إلى خلق بيئة سياسية وأمنية غير مستقرة، ليس مع الفلسطينيين فقط، وإنما على مستوى المنطقة، ضمن أهداف إسرائيلية تتجاوز الحساب الانتخابي المباشر.
ويحدد بشارات هدفا أساسيا لهذا المسار يتمثل في إعادة ترميم منظومة الردع الإسرائيلية التي اهتزت بعد السابع من أكتوبر، موضحا أن إسرائيل تراهن على فائض القوة العسكرية لإعادة بناء هذه المعادلة، وتتحرك في اتجاهات متعددة لتحقيق ذلك.
ويرى بشارات أن الحساب السياسي الداخلي حاضر كذلك في هذا السلوك، إذ يسعى نتنياهو إلى تقديم العمليات العسكرية باعتبارها إنجازات شخصية، مستثمرا مقدرات الدولة في إطار أهدافه السياسية، وهو ما يجعل التصعيد جزءا من المعادلة الداخلية.
أما الهدف الأوسع، بحسب بشارات، فيرتبط بمكانة إسرائيل المستقبلية في الشرق الأوسط، إذ تسعى المنظومة الإسرائيلية إلى استعادة دور محوري أمنيا وعسكريا وسياسيا، عبر تكريس القوة باعتبارها الأداة التي تحدد مكانة إسرائيل الجيوسياسية.



