لم يكن الاكتشاف مجرد حجر آخر يُضاف إلى مئات الشواهد المنتشرة في المقبرة التاريخية، بل كبسولة زمنية توثق اسم نقاش إسلامي جديد انضم إلى القائمة الموثقة بالموقع (الأستاذ أسد، ويوسف بن ميران، وعمر بن عباس)، وتفتح نافذة معرفية على شبكات انتقال أرباب الحرف والحرفيين عبر حواضر المشرق الإسلامي خلال العصر السلجوقي وما بعده.
قصص مقترحة
رسالة من تبريز
يمنح لقب “التبريزي” المحفور على الشاهد أبعادا أنثروبولوجية وفنية تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية؛ إذ يشير إلى أن النقاش قادم من مدينة “تبريز” (شمال غربي إيران اليوم)، وهي إحدى أعتى الحواضر الفنية والثقافية في العصرين السلجوقي والإيلخاني.
يؤكد هذا المعطى أن مقبرة “غواش”التي تجاور ضريح “حليمة خاتون” الشهير وتعود للقرن الرابع عشرلم تكن نتاج مدرسة محلية مغلقة، بل كانت ملتقى بصريا يستقطب كبار أسطوات النقش والخط من أقاليم متعددة. فالنقاشون لم يكتفوا بنحت الآيات والزخارف الهندسية على أحجار يزيد ارتفاع بعضها على مترين ونصف المتر، بل حرصوا على ترك “توقيعاتهم” بوصفها بيانات فنية توثق هويتهم ومهاراتهم وروح عصرهم.
“متحف الهواء الطلق”
تعد مقبرة “غواش” واحدة من أكبر المقابر التاريخية التركية الإسلامية في الأناضول، حيث تمتد على مساحة تقارب 50 دونما. ويشهد الموقع منذ عام 2022 أعمال تنقيب وترميم مكثفة تحت مظلة مشروع “تراث إلى المستقبل” التابع لوزارة الثقافة والسياحة التركية، وبقيادة الأستاذ المشارك بجامعة “وان يوزنجو ييل” أرجان جاليش.

يعتمد الفريق المكون من 15 متخصصا منهجية المربعات الشبكية (10×10 أمتار)، والنزول التدريجي بعمق يتراوح بين 30 و60 سنتيمترا. وقد أسفرت هذه الخطة حتى الآن عن الكشف عن أكثر من ألف شاهد قبر يمتاز بزخارفه ونقوشه المقرنصة والهندسية.
وعن هذا الاكتشاف، يوضح رئيس الفريق أرجان جاليش أن أهمية الشاهد لا تقف عند حدود المادة الحجرية، بل تكمن في كشف الأسلوب الفني الفردي للتبريزي؛ إذ تعكس الزخارف مهارات الحرفي ومشاعر العصر الذي عاش فيه، مؤكدا أن تباين الخطوط والهندسة الزخرفية بين الشواهد الأربعة المكتشفة يُبرهن على تنوع المدرسة الفنية المعمارية التي أدارت هذا الموقع.

توقيع الحرفي
من جانبه، يصف نائب رئيس الفريق أحمد أرك المقبرة بـ”المتحف المفتوح” الذي يتحول فيه البحث الأكاديمي والتدريب الميداني لطلاب الآثار إلى تجربة حية لاستعادة التاريخ.
إن العثور على اسم “محمد التبريزي” يُثبت أن صانع الجمال في العصر الوسيط لم يكن مجرد حرفي مجهول ينفذ الأوامر، بل كان فنانا يعي قيمة أثره البصري، ويحرص على تخليد اسمه بحفره في الحجر الصلد؛ ليبقى التوقيع حيا بعد قرون طويلة من غياب صاحبه، متحدثا عن رحلة فن عبرت الجبال والحدود لتستقر في أقصى شرق الأناضول.



