ولم يكن هذا الانسحاب مجرد لفتة عابرة، بل موقفا يعكس اتساع رقعة العزلة الدولية المفروضة على حكومة نتنياهو، وتصاعد الاستياء العالمي من التداعيات المدمرة للعمليات العسكرية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية.
قصص مقترحة
وقد حظي هذا الموقف باهتمام صحف أمريكية، مثل وول ستريت جورنال وبوليتيكو وواشنطن بوست. فقد ذكرت وول ستريت جورنال في تقرير لاثنين من مراسليها أن كلمة نتنياهو جاءت في وقت يواجه فيه انتخابات تشريعية تحتدم فيها المنافسة، وتدهورا في علاقته مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ووفق الصحيفة، فإن انسحاب الوفود يُعَدّ تكرارا لمشهد مشابه حدث داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة العام المنصرم بمجرد أن بدأ نتنياهو إلقاء خطابه.
على أن الانسحاب لم يكن مجرد فِعل عابر، فقد جاء في توقيت يفترض أن يكون من أكثر لحظات الحضور الدبلوماسي أهمية لرئيس حكومة يخاطب ممثلي دول العالم.
وفي مواجهة هذا المشهد، حاول نتنياهو أن يجعل من الانسحاب نفسه جزءا من خطابه، واصفا الذين غادروا القاعة بأنهم “جبناء أخلاقيا”، ورافضا في الوقت ذاته وبشكل قاطع الاتهامات الموجهة لبلاده بأن تكتيكاتها العسكرية ترقى إلى الإبادة الجماعية، بحسب وول ستريت جورنال.
واستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي المناسبة لتذكير الحاضرين، وهو يلوِّح بجهاز نداء آلي (بيجر)، بالهجوم الذي استهدف عناصر حزب الله في لبنان عبر أجهزة الاتصال المفخخة في عام 2024.
لكن الصورة الأوسع التي ترسمها المصادر التي تناولت زيارة رئيس الوزراء لنيويورك لإلقاء خطابه أمام الجمعية العامة تكشف أن الاحتجاج لم يبدأ داخل قاعة الجمعية العامة ولم ينتهِ عند أبوابها.
احتجاج داخل القاعة.. وآخر في الشوارع
هذا الانسحاب، الذي يعكس حالة الانقسام بين دول العالم بشأن سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، تجاوز أروقة الأمم المتحدة ليصل إلى شوارع مدينة نيويورك التي تحولت إلى مسرح لمظاهرات صاخبة وحاشدة وثّقها موقع بوليتيكو الإخباري الأمريكي في تقريرين.
وقالت شرطة نيويورك إن المحتجين تلقوا تحذيرات قبل عمليات الاعتقال، وإن السبب المباشر كان إغلاق الطريق وتعطيل حركة المرور. ووفق موقع بوليتيكو الإخباري الأمريكي، كان نحو 300 شخص قد شاركوا في أحد الاحتجاجات، غادر نحو 200 منهم قبل بدء الاعتقالات.
لكن الاحتجاجات لم تكن حدثا منفصلا عن المشهد السياسي داخل المدينة. فبحسب الموقع، فقد شاركت فيها منظمات وجماعات وائتلافات حقوقية وسياسية بارزة، من بينها حركة الشباب الفلسطيني وتنظيم الصوت اليهودي من أجل السلام والديمقراطيون الاشتراكيون في أمريكا.
وكان لافتا ما ذكره موقع بوليتيكو في تقريرين أن من بين الموقوفين شخصيات سياسية بارزة ومرشحين لعضوية الكونغرس وأعضاء في مجلس المدينة ممن تربطهم علاقات وثيقة بعمدة نيويورك زهران ممداني، مثل المرشحة الديمقراطية لعضوية الكونغرس دارياليزا أفيلا شيفالييه وعضوي مجلس المدينة تشي أوسي وأليكسا أفيليس.
ولعل المفارقة اللافتة ما أشار إليه موقع بوليتيكو من أن عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني -الذي يُعد أحد أبرز منتقدي نتنياهو- آثر الابتعاد عن ساحات المظاهرة المباشرة، مبررا ذلك بأن مسؤوليته خلال أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة تتمثل في إدارة الشؤون المحلية وضمان الأمن العام وسلامة حركة المرور للمواطنين.
غير أن اسم ممداني كان حاضرا بقوة على لسان نتنياهو الذي لم يفوت فرصة مهاجمته ووصفه بأنه “عمدة نيويورك المعادي للسامية”، واتهامه بأنه على صلة بحركات المقاومة، وذلك على خلفية توترات سابقة وثقتها واشنطن بوست وشملت دراسة محتملة من بلدية نيويورك لإمكانية تنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو عن المحكمة الجنائية الدولية.
وطبقا لما أورده موقع بوليتيكو، فإن ممداني تراجع لاحقا عن تعهده باعتقال نتنياهو بموجب مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، قائلا إن السلطات المحلية لا تملك الصلاحية القانونية لتنفيذ مثل هذا الاعتقال، لكنه اتهم نتنياهو بمحاولة تبييض جرائم الإبادة الجماعية.
وتنطوي قراءة هذا المشهد برمته على دلالات سياسية عميقة تؤكد عليها الصحف الأمريكية الكبرى، إذ تشير تحليلات وول ستريت جورنال إلى أن بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطا سياسية متزامنة، ويحاول تعزيز موقعه داخليا عبر التشديد على شراكته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، رغم التوترات المتزايدة بينهما بشأن حرب إيران وخطط السلام المتعثرة في قطاع غزة وملف عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
محللون إسرائيليون: نتنياهو يأمل في تعزيز حظوظه في استطلاعات الرأي، من خلال تقديم نفسه بوصفه شخصية لا غنى عنها، وأنه الوحيد القادر على حماية إسرائيل والدفاع عنها
عزلة دولية تتجاوز مشهد الانسحاب
في تقريرها التحليلي، ترى وول ستريت جورنال أن مشهد مغادرة الوفود يأتي في سياق انتقادات دولية أوسع نطاقا تواجهها حكومة نتنياهو.
ونقلت الصحيفة عن محللين إستراتيجيين بارزين تقديراتهم العميقة، من بينهم أفيشاي بن ساسون غوردين رئيس مجال أبحاث العلاقات الإسرائيلية الأمريكية وكبير الباحثين في معهد دراسات الأمن التابع لجامعة تل أبيب، وجوناثان بانيكوف الباحث في المجلس الأطلسي والنائب السابق لمسؤول الاستخبارات الوطنية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، وياكوف كاتس الباحث في معهد سياسة الشعب اليهودي.
وتعكس تقديرات هؤلاء حجم الضغوط السياسية التي يواجهها نتنياهو، إذ يرى محللون نقلت عنهم الصحيفة أنه يأمل في تعزيز حظوظه في استطلاعات الرأي من خلال تقديم نفسه بوصفه شخصية لا غنى عنها، قادرة على الدفاع عن إسرائيل التي تواجه ضغوطا وصراعات، في خطاب بالإنجليزية يُبث خلال وقت الذروة داخل إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن ياكوف كاتس قوله إن إسرائيل أصبحت “أكثر عزلة اليوم على الساحة الدولية مما كانت عليه على الأرجح في أي وقت منذ قيام الدولة عام 1948”.
وبدوره، قال بانيكوف إن “هَمّ نتنياهو الأكبر هو محاولة إقناع الجمهور الإسرائيلي المتشكك، مرة أخرى، بأنه وحده القادر على حماية دولة إسرائيل”.

انتقادات غير مسبوقة لإسرائيل
وعلى الصعيد الداخلي، توضح الصحيفة أن نتنياهو يحاول تسخير هذا الخطاب الأممي لتحقيق مكاسب انتخابية عشية الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، محاولا إقناع جمهور الناخبين المتشكك في قيادته بأنه الزعيم الأوحد القادر على حماية أمن إسرائيل ومواجهة التهديدات الخارجية، وسط استطلاعات تشير إلى صعوبة تأمينه أغلبية حاكمة، في حين يتهمه خصومه بإضعاف تحالف إسرائيل مع الولايات المتحدة وعلاقاتها مع قوى كبرى أخرى.
وفي السياق الإقليمي الأوسع -وكما ورد في تغطيات وول ستريت جورنال وبوليتيكو- لم يقتصر النقد الموجه لسياسات الحكومة الإسرائيلية على الدول الغربية أو منظمات المجتمع المدني، بل امتد ليشمل قادة إقليميين بارزين استخدموا المنبر الأممي لتوجيه انتقادات أشد لسياسات تل أبيب.
فقد أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بحسب ما نقلته “وول ستريت جورنال” في خطابه أن شعور الحكومة الإسرائيلية بالحصانة والإفلات من العقاب قد بلغ مستويات مرعبة.
ومن جانبه، شدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في كلمة مسجلة بثها عبر الفيديو بعد أن رفضت الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول للعام الثاني على التوالي على أن السياسات الإسرائيلية تدمر بشكل ممنهج آفاق حل الدولتين وتهدد وجود الشعب الفلسطيني.
وأكد عباس أن الأمن المستدام لا يمكن أن يقوم على أنقاض الاحتلال وإنكار الحقوق المشروعة للشعوب.
أما نتنياهو فقد امتد هجومه خلال خطابه -طبقا لبوليتيكو- ليشمل أطرافا إقليمية ودولية أخرى -من بينها تركيا وقطر اللتان اتهمهما بنشر الأكاذيب المعادية للسامية- إضافة إلى دول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا بسبب قيادتها توجها لفرض عقوبات تجارية على منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في وقت حاول فيه نتنياهو التقليل من شأن ظاهرة عنف المستوطنين وتأثيرها على المدنيين الفلسطينيين رغم الإدانات الدولية الواسعة لتلك الممارسات بحسب ما رصده الموقع الإخباري.
مجمل القول إن خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة كان انعكاسا لصراع متعدد الجبهات تواجهه حكومته، يتمثل في انتخابات تشريعية متقاربة في الداخل، وتوترات مع واشنطن، وعزلة دولية متزايدة، ومواجهة سياسية ورمزية مع ممداني في قلب نيويورك.
المصدر: بوليتيكو + واشنطن بوست + وول ستريت جورنال



