وفي وقت سابق كشف مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس ربيع ناصر العفاش لـ “سوريا الآن”، عن تراجع إجمالي التخزين الأعظمي في سدود القنيطرة من 83.38 مليون متر مكعب إلى حوالي 18 مليون متر مكعب في الموسم الحالي، أي بنسبة تُقدر بحوالي 22%، معللا ذلك التراجع “نتيجة توالي سنوات الجفاف”.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
عرقلة الوصول إلى السدود
ورغم حضور العامل المناخي في تراجع الموارد المائية في القنيطرة، كما يقر بها خبراء المياه، فإنهم يشيرون أيضا إلى العامل الإسرائيلي كسبب رئيسي في تراجع كميات المياه الواردة إلى السيول والسدود في المحافظة.
ويقول الدكتور عرسان عرسان -الاستشاري في الهندسة المائية- إن “الأطماع الإسرائيلية في مياه الجولان ليست وليدة اليوم”، مشيرا إلى وجود دراسات وتصريحات تؤكد الأطماع الإسرائيلية في مياه الجولان سبقت حرب يونيو/حزيران 1967.
ووضعت إسرائيل يدها على مصادر المياه بالجولان، بموجب أمر عسكري في مارس/آذار 1968، إذ قامت ببناء 40 مجمعا مائيا وبركة اصطناعية تخزن بها نحو 100 مليون متر مكعب من مياه الأمطار والينابيع، وتستخدم لري المزروعات التابعة للمستوطنات، وحفرت 7 آبار تستعملها لسحب المياه الجوفية، إذ يوفر الجولان لإسرائيل ما نسبته 30% من استهلاكها السنوي للمياه.
لفت عرسان في تصريح لـ”سوريا الآن” إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية الحالية على مياه الجولان تحمل أكثر من جانب، مشيرا إلى أن دوريات الاحتلال ونقاطه المتقدمة، تمنع الكوادر الفنية السورية من الوصول إلى السدود والمجاري المائية الرئيسية في القنيطرة بهدف مراقبتها وصيانتها الدورية.
وأقامت القوات الإسرائيلية تسع قواعد ونقاط عسكرية في جنوب غرب سوريا، منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، تمتد من قمة جبل الشيخ وصولا إلى حوض اليرموك، وتتوزع على: قمة جبل الشيخ، التلول الحمر بين بلدتي حضر وبيت جن، قرص النفل قرب حضر، جباتا الخشب، الحميدية، القنيطرة المهدمة، العدنانية (المطلة على سد المنطرة)، تل أحمر غربي (مطلة على كودنة)، نيوز عربي (حوض اليرموك – درعا).
وقال الدكتور عرسان إن وصول الموظفين إلى تلك السدود دون معداتهم الهندسية وأدوات القياس والمراقبة غير كافٍ حاليا، مشيرا إلى أن الأمر ينسحب على جميع السدود حتى تلك الواقعة داخل الحدود الإدارية لدرعا بعد وصول دوريات الاحتلال إلى سد تسيل في وادي اليرموك.
وتضم محافظة القنيطرة 7 سدود هي:
- سد المنطرة، وهو أكبرها، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه أكثر من 40 مليون متر مكعب.
- سد كودنا، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه حوالي 30 مليون متر مكعب.
- سد الرقاد، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه حوالي 9.2 ملايين متر مكعب.
- سد بريقة، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه مليون متر مكعب.
- سد رويحينة، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه نحو 1.1 مليون متر مكعب.
- سد الهجة، ويبلغ مقدار التجمع المائي فيه 850 ألف متر مكعب.
فيما يضم ريف درعا الغربي سدود: تسيل وعابدين وسحم الجولان المرتبطة بالمياه الواردة من واديي العلان والرقاد في القنيطرة.
جبهة مائية
بدوره يرى الاستشاري في إدارة الموارد الطبيعية الدكتور موفق الشيخ علي، أن المعطيات المتوفرة تشير إلى محاولة سلطات الاحتلال الإسرائيلي رسم جبهة مائية بطول يصل إلى 74 كيلومترا على طول خط فض الاشتباك لعام 1974.
ووقعت سوريا وإسرائيل اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 عقب حرب 6 أكتوبر/تشرين الأول 1973، بهدف الفصل بين القوات المتحاربة من الجانبين وفك الاشتباك بينهما.
وتضمنت الاتفاقية ترتيبات لفصل القوات، وحددت خطين رئيسيين، عُرفا بـ”ألفا” و”برافو”، ويفصلان بين المواقع العسكرية السورية والإسرائيلية.
كما أنشئت منطقة عازلة بين الخطين، وتخضع لإشراف قوة من الأمم المتحدة تعرف بـ”الأندوف”.
وقال الشيخ علي في تصريح لـ”سوريا الآن”، إنه من الصعب تقدير كميات المياه الضائعة على سوريا جراء التوغلات الإسرائيلية والتدخل في مصادر المياه خلال هذه الفترة القصيرة، لكنه لفت إلى أن خطوط التحرك الإسرائيلي واضحة على طول خطوط مائية توازي خطوط الحرب من منابع نهر الأعوج في بيت جن على سفوح جبل الشيخ وحتى وادي الرقاد في ريف القنيطرة وصولا إلى ريف درعا الغربي.
وينبع نهر الأعوج من سفوح جبل الشيخ جنوبي غربي سوريا في قرية بيت جن، ويمر بمزرعة بيت جن ويصل إلى بلدة خان الشيح ليصل إلى الغوطة الغربية ويمتد طوله على مدى 70 كيلومترا.
سحب المياه الجوفية
بدوره أكد الدكتور يوسف مرعي، أستاذ الهندسة المائية في جامعة دمشق، أن التوغلات في محيط السدود المائية في الجولان وضمن حرمها لا ينفصل عن سياسة عدوانية قامت بها سلطات الاحتلال تجاه مصادر مياه الجولان على مدى سنوات طويلة.
وأوضح في تصريح لـ”سوريا الآن”، أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قامت بإنشاء عدد كبير من السدود والمجمعات المائية داخل الجولان المحتل بالتوازي مع حفر الآبار الجوفية، لافتا إلى أن تلك الآبار امتصت كميات كبيرة من مياه الجولان لضخها في المشاريع الزراعية الاستيطانية في الجولان المحتل.
وأكد مرعي أن “الحوض المائي واحد على طرفي الشريط الفاصل، بحيث قام الإسرائيليون بسحب تلك المياه ما أدى لاستنزاف تلك الكميات في الجانب السوري المقابل”، لافتا إلى أن المفارقة تكمن في أن حكومات نظام البعث كانت تمنع الفلاحين من حفر الآبار في الطرف السوري من الجولان.
وأشار أستاذ هندسة المياه بجامعة دمشق، إلى أن تتبع الابتلاع الإسرائيلي للمياه منذ ديسمبر/كانون الأول 2024 يتطلب دراسات وافية، لكنه يلفت إلى أن المعطيات المتوفرة حاليا تشير إلى أن “الخطط الإسرائيلية تقوم على السيطرة الكاملة على منابع المياه من أعالي جبل الشيخ شمالا حتى وادي اليرموك جنوبا” وهي المياه التي تغذي سدود الجولان وريف درعا الغربي.
مجمعات مائية إسرائيلية
ويزيد الدكتور عرسان إلى الحفر من الجانب الإسرائيلي، وجود مشاريع مائية أقامتها إسرائيل في سنوات سابقة بهدف عرقلة مرور جداول ومسيلات مائية إلى الأراضي السورية، ولفت إلى قيام سلطات الاحتلال بإقامة سد المنصورة غربي مدينة القنيطرة على بعد مئات الأمتار من شريط الفصل، كما أقامت سدا ترابيا في قرية عين الحمرا المحتلة بين الحميدية والحرية في القطاع الشمالي من القنيطرة، إضافة إلى سد حيتل مقابل صيدا الجولان في القطاع الجنوبي من القنيطرة من أجل منع وصول المياه إلى الأراضي السورية في وادي طعيم.
ولفت المتحدث نفسه، إلى أن تلك المجمعات المائية “حرمت سوريا من حوالي 40% من روافد وادي الرقاد”، مشيرا إلى آثار تلك السياسات الممنهجة في الضائقة المائية التي وصلتها القنيطرة حاليا.
ودشنت السلطات الإسرائيلية عددا كبيرا من المجمعات المائية بعضها على بعد مئات الأمتار من شريط الفصل كمجمع المنصورة المائي الذي أسسته عام 2020 بسعة تبلغ مليوني متر مكعب في قرية المنصورة المحتلة، كما أقامت عام 2006 مجمع القنيطرة المائي، على مساحة 200 دونم على بعد أمتار قليلة من خط وقف إطلاق النار غرب المدينة المحررة، بهدف تحويل مياه الأمطار عن الأراضي السورية، وتجميعها لمصلحة المستوطنات. كما أقامت مجمع حيتال المائي في قرية حيتل بسعة 5 ملايين متر مكعب.
عامل ضغط سياسي
ولفت مرعي إلى أن التحرك الإسرائيلي في موضوع المياه يحمل أبعاداً خطيرة باتجاه الضغط على الحكومة السورية في هذا الملف مستقبلا، مشيرا إلى أن وجود خطط سورية قديمة لنقل المياه من سد المنطرة باتجاه إرواء ريف دمشق الغربي في مناطق عرطوز وزاكية والكسوة تخفيفا للضغط على حوض دمشق.

وأضاف الدكتور عرسان أن تلك الخطة كانت تهدف لنقل حوالي 5 ملايين متر مكعب من مياه سد المنطرة لإرواء ريف دمشق الغربي، لافتا إلى أن الأمر يبدو اليوم أكثر صعوبة مع تمدد إسرائيلي واضح للسيطرة على الموارد المائية في القنيطرة.
الجفاف والحفر الجائر
وقال الاستشاري في الهندسة المائية إن السنوات الماضية أثرت بعمق على جريان المياه في السيول والأودية التجميعية للسدود، موضحا أن جريان المياه في وادي الرقاد يبدأ عند حد هطول مطري يقارب 170 مليمترا، وأضاف أن الجريان في العام الماضي لم يبدأ إلا عند معدل 300 مليمتر مرجعا ذلك إلى “جفاف طبقات الأرض العليا”.
ويعدّ وادي الرقاد أحد روافد نهر اليرموك، إذ يبدأ الوادي من تجمع بعض المسيلات الصغيرة قرب قريتي جباتا الخشب وطرنجة ومن ثم يتجه نحو الجنوب ويرفده غربا من جهة مدينة القنيطرة رافد يدعى “أبا الدجاج”، ويستمر في جريانه نحو الجنوب مارا بقرى: كودنة وغدير البستان والمعلقة في ريف القنيطرة الجنوبي، فيرفده وادي الطعيم إلى أن يصب في نهر اليرموك شرقي قرية الدبوسية، وهو واد غزير في فصل الشتاء.

وأوضح عرسان أن الجفاف العام الحالي دفع مربي الثروة الحيوانية لسقاية مواشيهم من مياه الشرب، مشيرا إلى خطورة هذا الأمر على الثروة المائية فعليا في منطقة من المفترض أنها غنية بالمياه.
بدوره لفت الدكتور مرعي إلى أن الاستنزاف الكبير للمياه الجوفية وحفر أعداد كبيرة من الآبار المخالفة غير المرخصة، إضافة للتوسع بالزراعات المروية كالكرمة والزيتون والخضروات وخصوصا في محافظة درعا ضغط بشدة على المياه في المنطقة الجنوبية.
وقال إن المنطقة مرت بـ 6 إلى 7 سنوات جفاف، قبل الموسم الماضي، وهذه السنوات أثرت بعمق على جريان المياه في السيول والأودية التجميعية للسدود.
وفي سبتمبر/أيلول 2025 كشف مدير الموارد المائية في القنيطرة المهندس بسام الشمالي عن خروج كامل سدود محافظة القنيطرة من الخدمة منتصف أغسطس/آب الماضي لأول مرة منذ عقود، بسبب قلة الهاطل المطري في الموسم السابق، مشيرا إلى وصول حجم المياه الحالي في سد المنطرة إلى 400 ألف متر مكعب.



