• Home  
  • حارس البوسفور الأمين.. كيف حولت تركيا المضائق إلى أداة للنفوذ؟ | سياسة
- أخر الأخبار - سياسة

حارس البوسفور الأمين.. كيف حولت تركيا المضائق إلى أداة للنفوذ؟ | سياسة

تظهر في البوسفور سفن بهيئة غير مألوفة خلال الموسم الجاري. إذ غطت بعض أطرافها شباك وهياكل معدنية، وثُبتت على أخرى خزانات مياه وإطارات في محاولات…

تظهر في البوسفور سفن بهيئة غير مألوفة خلال الموسم الجاري. إذ غطت بعض أطرافها شباك وهياكل معدنية، وثُبتت على أخرى خزانات مياه وإطارات في محاولات بدائية للحد من أضرار المسيرات. تصل هذه السفن إلى المضيق بعد عبور البحر الأسود، حيث اقتربت الهجمات الروسية والأوكرانية من طرق التجارة ومرافق تصدير الحبوب، ووصل بعضها إلى المياه التركية متضررا وتحت مرافقة خفر السواحل. بدا البوسفور كما لو أنه يرسم الحد الفاصل بين بحر تتسع فيه مخاطر الحرب وممر تستطيع تركيا داخله فرض قواعد أكثر وضوحا.

وفي 31 أغسطس/آب 2026، وقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام الصحفيين في إسطنبول متحدثا عن الأزمة الأوكرانية، التي امتدت آثارها إلى الأسواق العالمية. وكانت الهجمات الروسية والأوكرانية قد اقتربت أكثر من السفن التجارية ومنشآت تصدير الحبوب في البحر الأسود، وقال فيدان إن دولا متضررة بدأت تطلب من تركيا التدخل. وأعلن أن أنقرة أعدت عملا تتواصل بشأنه مع موسكو وكييف، وأنهما يطمحان إلى ما يشبه اتفاق الحبوب السابق إذا توافرت الشروط اللازمة. تستطيع تركيا إذن تقديم المقترح، أما الاتفاق فيحتاج إلى طرفين يملكان القدرة على قبول الرحلة أو تهديدها.

قصص مقترحة

قبل أربعة أعوام، أخذت هذه القدرة شكلا أوضح على متن سفينة راسية قبالة المدينة نفسها. ففي صباح 3 أغسطس/آب 2022، صعد مفتشون من تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة إلى السفينة التجارية “رازوني”، التي غادرت أوديسا قبل يومين محملة بأكثر من 26 ألف طن من الذرة ووصلت سواحل إسطنبول. وقد فحص الفريق المشترك الحمولة والطاقم، ثم أجيز للسفينة استكمال طريقها. كانت “رازوني” أول سفينة تخرج من ميناء أوكراني ضمن مبادرة حبوب البحر الأسود، ووصفت الأمم المتحدة رحلتها بأنها اختبار عملي لإمكانية تنفيذ الترتيب الذي أُبرِم في إسطنبول.

“رازوني” تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول بعد خضوعها للتفتيش، كأول سفينة تخرج من ميناء أوكراني ضمن مبادرة حبوب البحر الأسود 2022 (الأوروبية)

اجتمع ممثلو موسكو وكييف داخل سفينة واحدة لإنجاز مهمة محددة، فيما استمر القتال بينهما خارجها. وتفسر هذه الصورة جانبا من الموقع الذي اكتسبته تركيا خلال الحرب. فهي تستطيع توفير مكان للتفاوض، والمشاركة في بناء إجراءات تجعل الملاحة ممكنة، لكنها لا تستطيع وحدها منع روسيا أو أوكرانيا من تغيير حساباتهما العسكرية.

تقع إسطنبول عند البوسفور الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، ثم يقود الدردنيل السفن إلى بحر إيجه والمتوسط، ما يعني أن الرحلة تمر من بوابة تركية، أما أمنها قبل بلوغ تلك البوابة فيتوقف على مساحة أوسع بكثير. ولم يكن هذا الموقع مصدر راحة لحكام إسطنبول طوال تاريخه. فقد جعل قرب المضائق من العاصمة العثمانية أمن الدولة مرتبطا بصراع القوى الكبرى عليها، ثم ورثت الجمهورية التركية الناشئة ممرات بقيت أجزاء من سواحلها منزوعة السلاح وتولت لجنة دولية بعض وظائف الإشراف على نظامها. واحتاج الأمر إلى أكثر من قرن من الصراع والتفاوض حتى انتقلت تركيا من حماية موقع تخشى فقدان السيطرة عليه إلى إدارة نظام يمنحها صلاحيات لا تستطيع الأساطيل الروسية أو الغربية تجاهلها.

“انتقلت تركيا من حماية موقع تخشى فقدان السيطرة عليه إلى إدارة نظام يمنحها صلاحيات لا تستطيع الأساطيل الروسية أو الغربية تجاهلها”

نشأ النفوذ الذي تمارسه أنقرة اليوم من اجتماع عناصر لم تكن متاحة لها بالقوة نفسها في الفترات السابقة، إذ وضعتها الجغرافيا على الطريق، ومنحتها اتفاقية مونترو سلطة قانونية محددة على إدارة العبور، ثم أتاحت علاقاتها مع أطراف متعارضة تحويل بعض هذه الصلاحيات إلى مساحة للمساومة والوساطة. وقد وسَّع ذلك قدرتها على التأثير في بيئة البحر الأسود، من دون أن يجعلها صاحبة القرار في الحرب الدائرة داخله. وبين إدارة شروط الوصول والقدرة على فرض النتائج تقع المسافة التي رسمت قوة المضائق وحدودها معا.

تصميم حاص- خريطة البحر الأسود

استعادة السيادة

مع توسُّع الإمبراطورية الروسية جنوبا خلال القرن التاسع عشر وترسُّخ وجودها على سواحل البحر الأسود، ازدادت أهمية الطريق الذي يصل موانئها بالبحر المتوسط. كانت السفن الروسية تستطيع التحرك داخل البحر، لكن خروج أسطولها إلى المياه الأبعد يمر قرب العاصمة العثمانية. وفي المقابل، خشيت بريطانيا وفرنسا وقوى أوروبية أخرى من أن يؤدي حصول روسيا على امتياز دائم في البوسفور والدردنيل إلى تغيير ميزان القوى في شرق المتوسط. ولذا دخلت المضائق في قلب ما عرف بـ”المسألة الشرقية”، وهو الاسم الذي أطلق على تنافس القوى الأوروبية حول مصير أراضي الدولة العثمانية مع تراجع قدرتها على الدفاع عنها.

ظهرت حساسية هذه المعادلة خلال أزمة محمد علي باشا، والي مصر الذي كادت قواته تهدد العاصمة العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. وقد استعان السلطان محمود الثاني بروسيا، وانتهت المساعدة بتوقيع معاهدة “هُنكار إسكَلَه سي” عام 1833، التي تضمَّن ملحقها السري ترتيبا يقضي بأن تغلق الدولة العثمانية الدردنيل أمام السفن الحربية الأجنبية عند تفعيل التزاماتها تجاه روسيا، وهو امتياز أقلق لندن وباريس. وبعد 8 سنوات جاءت اتفاقية لندن للمضائق ووضعت قاعدة الإغلاق في زمن السلم ضمن اتفاق دولي تشارك فيه القوى الكبرى.

“كانت الدولة العثمانية صاحبة الأرض والممر، بينما أصبح تنظيم استخدامهما العسكري مرتبطا بتوازنات تتجاوز قرارها المنفرد”

يكشف الانتقال بين الاتفاقين حقيقة المشكلة بالنسبة للدولة العثمانية. فقد كانت صاحبة الأرض والممر، بينما أصبح تنظيم استخدامهما العسكري مرتبطا بتوازنات تتجاوز قرارها المنفرد. وحتى القاعدة التي توفر لها حماية من أسطول معاد قد تصبح قيدا عندما تحتاج إلى مساعدة بحرية من الخارج. كانت أهمية المضائق تضاعف اهتمام القوى ببقاء الدولة العثمانية، لكنها تمنحها في الوقت نفسه سببا إضافيا للتدخل في شؤونها.

****داخلية**** Fortresses of the Dardanelles, Turkey, 19th century. The Dardanelles is a narrow strait in northwestern Turkey connecting the Aegean Sea to the Sea of Marmara. (Photo by The Print Collector/Print Collector/Getty Images)
حصون الدردنيل في تركيا خلال القرن التاسع عشر، عند الممر الذي يربط بحر إيجه ببحر مرمرة (غيتي)

تغيَّرت القواعد أكثر من مرة مع تغيُّر ميزان القوة. فبعد حرب القرم، التي قاتلت فيها الدولة العثمانية إلى جانب بريطانيا وفرنسا ضد روسيا، جاءت تسوية باريس عام 1856 لتجرد البحر الأسود من الوجود البحري العسكري الروسي والعثماني على نطاق واسع. وبعد 15 عاما، نجحت موسكو في التخلص من قيود التحييد ضمن تسوية لندن لعام 1871.

وفي 1915، انتقلت أهمية المضائق من الوثائق الدبلوماسية إلى ميدان القتال. حين حاولت بريطانيا وفرنسا اختراق الدردنيل والوصول إلى إسطنبول، وفتح طريق بحري إلى حليفهما الروسي في الحرب العالمية الأولى عبر البحر الأسود. أوقفت الألغام والتحصينات الهجوم البحري، ثم انتهت حملة غاليبولي البرية بالفشل والانسحاب. وأظهر القتال أن السيطرة على هذا الشريط المائي الضيق تضمن عزل روسيا بحريا عن حلفائها في المتوسط، وأن أمن العاصمة العثمانية يبدأ من القدرة على منع الأسطول المعادي من اجتيازه.

“اقترحت معاهدة سيفر عام 1920 نظاما واسعا لتدويل المضائق، لكنها سقطت مع حرب الاستقلال التركية”

خرجت الدولة العثمانية من الحرب مهزومة، واقترحت معاهدة سيفر عام 1920 نظاما واسعا لتدويل المضائق، لكنها سقطت مع حرب الاستقلال التركية ولم تصبح الإطار الذي حكم الممر. وجاء النظام الفعلي مع تسوية لوزان عام 1923 التي اعترفت بالدولة التركية الجديدة وحدودها، ووضعت في الوقت نفسه ترتيبا خاصا للمضائق. وهذه النقطة مهمة لأن مونترو ستعيد بعد 13 عاما تعديل النظام الذي أنشأته لوزان، لا النظام الذي اقترحته سيفر.

أبقت اتفاقية المضائق في لوزان السيادة الإقليمية لتركيا، لكنها فرضت نزع السلاح على مناطق محددة على جانبي البوسفور والدردنيل وفي عدد من الجزر. وأنشأت “لجنة المضائق” في إسطنبول برئاسة ممثل تركي وعضوية ممثلي دول أخرى، وكلفتها بمراقبة تطبيق الأحكام الخاصة بمرور السفن الحربية تحت مظلة عصبة الأمم. كان بإمكان تركيا تحريك أسطولها في مياهها، لكنها لم تكن حرة في إقامة التحصينات ونشر القوات التي تريدها في أحد أكثر أقاليمها حساسية.

اعتمد هذا النظام على تصور أن القيود العسكرية المفروضة على تركيا يمكن تعويضها بضمان جماعي ضد أي تهديد. لكن أوروبا الثلاثينيات لم تكُن تشبه أوروبا التي وقعت لوزان. فقد أعادت ألمانيا النازية التسلُّح، وتوسعت إيطاليا الفاشية في المتوسط وهاجمت إثيوبيا، وتراجعت قدرة عصبة الأمم على ردع الدول التي تستخدم القوة. وبالنسبة إلى أنقرة، بقي نزع السلاح التزاما ملموسا، بينما أصبحت الحماية التي يفترض أن تعوضه أقل إقناعا.

(Original Caption) 8/23/1920-Sevres, France: Signing the Turkish Treaty with the Allies- Photo shows Haki Pacha signing. The inkstand being used is the one ordered by the Kaiser in 1914 for his personal use.
توقيع معاهدة سيفر عام 1920 (غيتي)

اختارت تركيا المطالبة بتعديل النظام عبر التفاوض. وفي 20 يوليو/تموز 1936 وقعت اتفاقية مونترو في سويسرا، وسمح البروتوكول الملحق بها لأنقرة بإعادة تسليح منطقة المضائق فورا. وانتقلت وظائف لجنة المضائق إلى الحكومة التركية، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ النهائي في 9 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. واستعادت الدولة بذلك أدوات الدفاع عن الممر والوظيفة التنفيذية التي تراقب قواعد عبوره.

أعادت مونترو لتركيا سلطة واسعة، لكنها لم تمنحها حق التعامل مع المضائق كطريق داخلي تغلقه وتفتحه متى شاءت. فالسفن التجارية تتمتع بحرية المرور وفق الأحكام المقررة، بينما تخضع السفن الحربية لنظام أكثر تعقيدا يُفرِّق بين الدول المطلة على البحر الأسود والدول القادمة من خارجه. وتتلقى أنقرة إخطارات مسبقة بشأن المرور، وتطبق حدودا تتعلق بعدد السفن وحمولتها وأنواعها.

هنا تظهر أهمية التمييز بصورة أوضح في وضع الدول غير المشاطئة، ومنها الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة، إذ إن إجمالي قواتها البحرية الموجودة في البحر الأسود يخضع لسقوف محددة، ولا يمكن لسفنها البقاء فيه أكثر من 21 يوما. كما لا يجوز أن يتجاوز عدد السفن الحربية الأجنبية التي تعبر المضائق معا 9 سفن، بحد إجمالي قدره 15 ألف طن في الحالات التي تشملها القاعدة. وبهذه القيود جعلت الاتفاقية الوصول العسكري إلى البحر الأسود مختلفا عن الإبحار في بحار مفتوحة، وأعطت تركيا موقع الجهة التي تطبق هذه الحدود.

“أعادت مونترو لتركيا سلطة واسعة، لكنها لم تمنحها حق التعامل مع المضائق كطريق داخلي تغلقه وتفتحه متى شاءت”

تغيَّرت بذلك علاقة الدولة بالمكان أكثر مما تغيَّر المكان نفسه. فالمضائق التي دفعت الدولة العثمانية إلى طلب الحماية أو الخضوع لترتيبات تضعها القوى الأخرى، أصبحت محمية بقوات تركية وتُدار وفق اتفاق دولي تتولى أنقرة تنفيذه. ولكن استعادة هذه السلطة لم تُنه الخطر الروسي، وسرعان ما اكتشفت الجمهورية أن حماية النظام الذي استعادته تحتاج أيضا إلى ميزان قوة أوسع.

في 21 يوليو 1936، دخل الجيش التركي إلى المناطق غير العسكرية في منطقة المضائق، تنفيذًا للبروتوكول الملحق باتفاقية مونترو للمضائق.

حارس التوازن

قدَّمت الحرب العالمية الثانية أول اختبار كبير لمونترو. فقد بقيت تركيا خارج القتال معظم سنوات الحرب، واستخدمت أحكام الاتفاقية لتقييد مرور سفن الدول المتحاربة. ولكن التطبيق لم يكن عملية إدارية بسيطة، حيث دار خلاف حول سفن ألمانية وإيطالية قدمت بوصفها سفنا تجارية أو مساعدة، بينما رأى الحلفاء والاتحاد السوفياتي أنها تؤدي وظائف عسكرية.

ووصل الخلاف إلى مجلس العموم البريطاني عام 1944، عندما تحدث وزير الخارجية أنتوني إيدن عن زوارق إنزال ألمانية مرت عبر المضائق في صورة صنادل تجارية، وعن تحرك تركي لمنع استمرار ذلك. وأظهرت الحادثة أن امتلاك القاعدة لا يلغي النزاع على تفسيرها. فالحارس يحتاج إلى معرفة ما تحمله السفينة وما هي وظيفتها، وكل قرار في زمن الحرب قد يثير اعتراض الطرف الذي يرى أن خصمه حصل على منفعة لا تسمح بها الاتفاقية.

وبعد انتهاء الحرب، أصبحت تركيا نفسها هدفا لضغط أشد. ففي مارس/آذار 1945 أبلغ الاتحاد السوفياتي أنقرة أنه لن يجدد معاهدة الصداقة وعدم الاعتداء الموقعة عام 1925. ثم قدمت موسكو في أغسطس/آب 1946 مقترحا يجعل تركيا والاتحاد السوفياتي مسؤولين بصورة مشتركة عن الدفاع عن الممر، بما يعني منح قوة سوفياتية دورا عسكريا في المنطقة التي استعادت أنقرة حق تحصينها قبل عقد واحد.

رفضت الحكومة التركية الاقتراح، واعتبرت أن الدفاع المشترك يؤدي إلى تقاسم السيادة مع قوة أجنبية. وساندت واشنطن موقفا يقوم على بقاء المسؤولية الأساسية عن الدفاع في يد تركيا. لم يكن الخلاف في هذه المرحلة حول عدد السفن التي تستطيع المرور فحسب، بل ووصل إلى السؤال المتعلق بمن يملك القوات التي تحمي المضائق.

وقد أسهم الضغط السوفياتي في تسريع توجه تركيا نحو الغرب، ضمن مجموعة أوسع من الاعتبارات الأمنية والسياسية التي تشكلت مع بداية الحرب الباردة. وقدمت الولايات المتحدة مساعدات لتركيا بعد إعلان الرئيس هاري ترومان سياسته لدعمها واليونان عام 1947، ثم انضمت أنقرة إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 18 فبراير/شباط 1952. وأصبح الدفاع عن الأراضي التركية مرتبطا بتحالف جماعي تقوده الولايات المتحدة، بينما بقي نظام المرور في المضائق محكوما باتفاقية منفصلة.

FRANCE - MARCH 01: Entry Of Greece And Turkey In Nato In Marly In 1952. (Photo by Keystone-France/Gamma-Keystone via Getty Images)
تركيا انضمت إلى الناتو عام 1952 سعيا إلى تثبيت موقعها داخل النظام الغربي، فيما رأى الحلف فيها جيشا كبيرا ومضائق تتحكم في العبور (غيتي)

من هذا الجمع نشأت واحدة من أكثر خصائص السياسة التركية في البحر الأسود استمرارا، إذ تمنحها عضوية الناتو ضمانة أمنية في مواجهة التهديد الخارجي، بينما تفرض مونترو قيودا أيضا على الأساطيل التابعة لحلفائها. فالولايات المتحدة، مثل أي دولة غير مطلة على البحر الأسود، لا تستطيع إرسال ما تشاء من السفن أو إبقاءها هناك للمدة التي تريدها. وبذلك لم يتحول البحر إلى امتداد بحري مفتوح للحلف لمجرد دخول تركيا إليه.

وجدت أنقرة مصلحة في استمرار هذه الصيغة. فهي لا تريد عودة روسيا إلى موقع تستطيع من خلاله فرض ترتيبات خاصة بالمضائق، ولا ترغب في الوقت نفسه بتحول البحر الأسود إلى مسرح انتشار بحري غير محدود بين روسيا والولايات المتحدة. ويمنحها تطبيق اتفاقية معترف بها طريقة لتقييد الطرفين بقواعد لا تضطر إلى اختراعها عند كل أزمة.

ظهر ذلك خلال الحرب الروسية الجورجية في أغسطس/آب 2008، حين أرادت واشنطن إيصال مساعدات بحرية إلى جورجيا. وجرى النقاش حول أحجام السفن الأمريكية وتوافقها مع نظام مونترو، ومرت في النهاية سفن أصغر بينها المدمرة “ماكفول” وسفينة خفر السواحل “دالاس” وسفينة القيادة “ماونت ويتني”. وازدادت المعادلة صعوبة بعد أن ضمت موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014 وعززت وجودها العسكري فيها. وقد رفضت تركيا الضم ووسعت تعاونها مع أوكرانيا، لكنها لم تتعامل مع الردع الروسي باعتباره سببا لإفراغ مونترو من قيودها على الأساطيل غير المشاطئة. فالتوسع الروسي داخل البحر يخلق حاجة إلى الردع، بينما قد يؤدي انتشار غربي مفتوح إلى زيادة الاحتكاك عند حدود تركيا وإضعاف قيمة النظام الذي يمنحها دورا مركزيا في التحكم بمستوى الدخول العسكري من الخارج.

دخلت تركيا حرب أوكرانيا بهذا الإرث. كانت حليفا للغرب، وجارا لروسيا، وشريكا دفاعيا لأوكرانيا، وحارسا لنظام بحري يضع حدودا للجميع. وما ظل لعقود وسيلة ضبط احتمالات المواجهة، سرعان ما تحوَّل بعد فبراير/شباط 2022 إلى قاعدة يجري تطبيقها أثناء حرب واسعة داخل البحر الأسود نفسه.

حدود القوة التركية

بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير/شباط 2022، طلبت كييف من أنقرة منع السفن الحربية الروسية من استخدام المضائق. وكان على الحكومة التركية أن تحدد أولا الوصف القانوني للقتال، لأن صلاحياتها تختلف بحسب ما إذا كانت هناك حرب، وما إذا كانت تركيا طرفا فيها. وفي 27 فبراير/شباط أعلن وزير الخارجية آنذاك مولود جاويش أوغلو أن أنقرة تعتبر ما يجري حربا، وهو ما جعل المادة 19 من مونترو أساس التعامل مع سفن الدول المتحاربة.

تحظر المادة مرور السفن الحربية التابعة للدول المتحاربة عندما تكون تركيا خارج الحرب، لكنها تتضمن استثناءات، أبرزها حق السفينة التي انفصلت عن قاعدتها في العودة إليها. أما المادة 20 فتمنح الحكومة التركية سلطة أوسع إذا أصبحت تركيا نفسها طرفا في الحرب، وتتناول المادة 21 الحالة التي ترى فيها أنقرة نفسها مهددة بخطر حرب وشيك. ولهذا كانت عبارة “إغلاق المضائق” المتداولة إعلاميا تختصر وضعا قانونيا أكثر دقة. اقتصر التطبيق القانوني على سفن الدول المتحاربة وفق أحكام مونترو واستثناءاتها، ثم طلبت أنقرة سياسيا من جميع الدول تجنب إرسال قطع حربية حتى لا يتسع التصعيد.

ظهرت آثار القرار بسرعة. كانت روسيا قد أخطرت أنقرة برغبتها في تمرير 4 سفن حربية في أواخر فبراير/شباط، وقال جاويش أوغلو إن 3 منها لم تكن مسجلة في قواعد البحر الأسود، وهو ما أضعف إمكانية الاستناد إلى استثناء العودة إلى القاعدة. طلبت تركيا من موسكو سحب طلب العبور ففعلت. وقدمت الواقعة مثالا مباشرا على ما تستطيع مونترو فعله عندما يتحول النص إلى قرار تنفيذي عند البوسفور والدردنيل.

لكن أثرها بقي محددا بنطاقها. فقد كان أسطول البحر الأسود الروسي موجودا أصلا في قواعده، ولم تمنع الاتفاقية الطائرات والصواريخ والأسلحة البرية أو السفن الموجودة داخل البحر من العمل. كما أن الخسائر التي تكبدتها البحرية الروسية لاحقا ارتبطت بالضربات الأوكرانية بالصواريخ والمُسيَّرات البحرية وتطور وسائل القتال الأوكرانية. وبحلول عام 2024، كان قائد البحرية الأوكرانية يتحدث عن نقل موسكو جانبا كبيرا من نشاطها بعيدا عن سيفاستوبول، عاصمة القرم، تحت ضغط تلك الهجمات. ولذلك يصح القول إن مونترو أغلقت أحد طرق تعزيز القوات البحرية، لكنها لم تملك تغيير مسار الحرب البحرية كلها.

“مونترو أغلقت أحد طرق تعزيز القوات البحرية، لكنها لم تملك تغيير مسار الحرب البحرية كلها”

في يناير/كانون الثاني 2024 ظهر وجه آخر لهذه القاعدة عندما أعلنت تركيا أنها لن تسمح لكاسحتي ألغام نقلتهما بريطانيا إلى البحرية الأوكرانية بالعبور إلى البحر الأسود أثناء استمرار الحرب. فالقاعدة التي قيدت خيارات روسيا لم تتحول إلى استثناء مفتوح لمصلحة أوكرانيا. إذ كان على أنقرة أن تحافظ على قابلية الدفاع عن تطبيقها بوصفها نظاما قانونيا، لا قرارا يتغير بحسب هوية المستفيد.

FILE PHOTO: Rosneft's Russian-flagged crude oil tanker Vladimir Monomakh transits the Bosphorus in Istanbul, Turkey, July 6, 2023. REUTERS/Yoruk Isik//File Photo
ناقلة النفط الروسية “فلاديمير مونوماخ” تعبر البوسفور في إسطنبول يوم 6 يوليو/تموز 2023 (رويترز)

ساعد هذا الفصل بين تطبيق مونترو وبقية السياسة الخارجية على إبقاء قنوات تركيا مفتوحة مع الطرفين. فقد رفضت أنقرة ضم القرم عام 2014، ودعمت وحدة الأراضي الأوكرانية بعد الحرب، وطوَّرت مع كييف تعاونا دفاعيا شمل المُسيَّرات والصناعات العسكرية. وفي الوقت نفسه ظلت روسيا شريكا رئيسيا لتركيا في الطاقة والتجارة والسياحة، واستمر مشروع محطة أكُّويو النووية، كما لم تنضم تركيا إلى منظومة العقوبات الغربية الشاملة المفروضة على موسكو.

لم يجعل ذلك الموقف التركي متساويا بين الطرفين، لكنه ترك لكل منهما هامشا للتحدث مع أنقرة. ومن هذه المساحة خرج اتفاق الحبوب الذي أعاد “رازوني” إلى البحر في أغسطس/آب 2022. ففي 22 يوليو/تموز من ذلك العام، اجتمع ممثلون عن تركيا والأمم المتحدة وروسيا وأوكرانيا في إسطنبول لإطلاق مبادرة حبوب البحر الأسود. جاءت المبادرة في صيغة تجنَّبت اتفاقا روسيا أوكرانيا ثنائيا مباشرا، وعملت الأمم المتحدة بالتوازي على ملف تسهيل صادرات الغذاء والأسمدة الروسية. لم تنشئ مونترو هذا الممر، ولم تمنح تركيا سلطة على الموانئ الأوكرانية. وجاءت الصلة بين الملفين من موقع أنقرة وعلاقاتها وقدرتها على توفير بنية للتنفيذ.

بعد 5 أيام، أنشئ “مركز التنسيق المشترك” في إسطنبول بعضوية ممثلين عن الأطراف الأربعة. وراقب المركز حركة السفن من موانئ أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني الأوكرانية، وتابع مرورها في المسار المتفق عليه، ونظمت فرق مشتركة عمليات تفتيش للتأكد من مطابقة الحمولة والطاقم للإجراءات. كانت كل دولة تتولى التواصل مع سلطاتها العسكرية والجهات المعنية لضمان تنفيذ ما التزمت به. بهذا المعنى لم تحم تركيا السفن بقوتها البحرية، لكنها شاركت في بناء نظام يجعل كل طرف يعرف ما الذي تفعله السفينة وأين تتحرك.

تحولت رحلة “رازوني” إلى أول اختبار عملي للنظام الجديد. وانحصرت مهمة المفتشين في التحقق من حمولة السفينة وطاقمها والتزامها بالمسار والإجراءات المتفق عليها. ونجح الترتيب لأنه حصر التعاون في مهمة قابلة للتنفيذ والتحقق، بعيدا عن القضايا التي تدور حولها الحرب نفسها. واستطاع الطرفان بذلك إدارة ملف ملاحي محدد، رغم استمرار خلافهما على الحدود ومسار الحرب وشروط إنهائها.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والرئيس التركي أردوغان خلال مراسم توقيع مبادرة النقل الآمن للحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية عام 2022
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والرئيس التركي أردوغان خلال مراسم توقيع مبادرة النقل الآمن للحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية عام 2022 (الفرنسية)

وعلى مدى قرابة عام، خرج من الموانئ الأوكرانية المحددة نحو 32.8 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية في أكثر من ألف رحلة. وشحن برنامج الأغذية العالمي أكثر من 725 ألف طن من القمح لدعم عملياته الإنسانية. وساعدت عودة الإمدادات على تخفيف بعض الضغط على أسعار الغذاء العالمية، مع بقاء الأسعار مرتبطة أيضا بالطاقة والإنتاج والأسمدة والطقس والتجارة. ولذا كانت فائدة المبادرة أوسع من وجهة كل سفينة، لأن زيادة المعروض في السوق تنعكس على مشترين لا يستوردون مباشرة من الموانئ الأوكرانية.

وفي 17 يوليو/تموز 2023 انتهى الترتيب عندما رفضت روسيا تجديد مشاركتها، محتجة بأن العراقيل التي تواجه صادراتها الغذائية والأسمدة لم تعالج وفق مطالبها. وعند تلك النقطة ظهر السقف الذي لا تستطيع الوساطة تجاوزه. كان في مقدور تركيا والأمم المتحدة جمع الأطراف حول مركز وإجراءات تفتيش ومسار ملاحي، لكنهما لم تملكا وسيلة تجبر موسكو على إبقاء الضمانات التي وافقت عليها إذا قررت الانسحاب.

لم تتوقف التجارة الأوكرانية مع سقوط الاتفاق. فقد أنشأت كييف بعد ذلك ممرا بحريا خاصا بها، وساعدت ضرباتها ضد الأسطول الروسي وقدراتها الساحلية على تخفيض مستوى التهديد في أجزاء من الطريق. واستعادت السفن تدريجيا حرية حركة واسعة من الموانئ الأوكرانية. وكانت التجربة دليلا على أن الوصول إلى البوسفور يمكن تأمينه بترتيبات مختلفة، وأن تركيا لا تحتكر قرار الملاحة داخل البحر الأسود حتى لو بقيت المضائق طريق الخروج الطبيعي إلى المتوسط.

تصاعدت الهجمات على السفن ومرافق التصدير الروسية والأوكرانية في صيف 2026، وحاولت أنقرة في أغسطس/آب الماضي دفع الطرفين نحو وقف الهجمات على الملاحة، لكن موسكو رفضت في 14 أغسطس/آب فكرة وقف منفصل لإطلاق النار في البحر الأسود، وقالت إنها لا ترى مبررا لما وصفته بـ”أنصاف الحلول”. وبعد نحو أسبوعين أعلن فيدان العمل التركي الجديد. وفي 2 سبتمبر/أيلول قال نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر غروشكو إن موسكو لا ترى أساسا لاستئناف اتفاق الحبوب السابق، مكررا اعتراض بلاده على طريقة تنفيذ الجزء المتعلق بصادراتها.

ISTANBUL, TURKEY - SEPTEMBER 02: The heavily damaged Russian-flagged cargo ship OMSKIY-107 is seen washed ashore at Alacalı Beach on September 02, 2026 in the Sile district of Istanbul, Turkey. The 108-meter bulk carrier drifted ashore after its crew reportedly abandoned the ship in lifeboats, following a drone attack that struck the vessel in the Black Sea. (Photo by Burak Kara/Getty Images)
Iالسفينة الروسية “أومسكي-107” المتضررة بعد هجوم بمسيّرة، وقد جرفتها المياه إلى شاطئ ألاكالي في إسطنبول 2026 (غيتي)

ورقة المضائق.. الأداة وحدودها

تكشف حرب أوكرانيا حدود القوة التي صنعتها المضائق لتركيا بقدر ما تكشف قيمتها. فقد منحت مونترو أنقرة أداة فعلية لتقييد انتقال السفن الحربية أثناء الحرب، بينما أتاحت علاقاتها مع موسكو وكييف تحويل موقعها إلى منصة لممر الحبوب. ثم أظهر انهيار المبادرة في يوليو/تموز 2023 أن القدرة على تنظيم العبور لا تمنح تركيا سلطة على حسابات الأطراف داخل البحر الأسود. فإذا قررت موسكو الانسحاب من ترتيب بحري، أو رأت كييف أن استمرار عملياتها يخدم موقعها العسكري، فلا تستطيع أنقرة نقل صلاحياتها في البوسفور إلى الموانئ والقواعد ومساحات القتال الممتدة وراءه.

” تبدو المضائق اليوم أداة قوة من نوع خاص”

لهذا تبدو المضائق اليوم أداة قوة من نوع خاص. فتركيا لا تحتاج إلى امتلاك البحر الأسود كي تؤثر في التوازن داخله، لأنها تدير البوابة التي تصل هذا البحر بالعالم الخارجي وفق قواعد تستطيع فرضها على السفن العابرة. قبل قرنين، جعل الموقع نفسه الدولة العثمانية أكثر عرضة لضغوط القوى التي تنافست على الوصول إليه. وبعد لوزان قبلت الجمهورية الناشئة قيودا على تحصينه، ثم استعادت مونترو عام 1936 السلاح والوظيفة التنفيذية إلى أنقرة. ومنذ ذلك الوقت أصبحت القوى الروسية والغربية مضطرة إلى حساب القيود التي تديرها تركيا قبل إرسال قطعها البحرية إلى البحر الأسود أو إخراجها منه.

ومع اتساع الحرب وازدياد عسكرة البحر الأسود، ترتفع قيمة هذه الوظيفة وتزداد الضغوط التي ترافقها. وقد أثبتت التجربة التركية أن قوة المضائق تظهر عندما يضطر أسطول إلى تعديل خطته بسبب قواعد العبور، أو يحتاج خصمان إلى إسطنبول لإنشاء ممر تستطيع سفنهما استخدامه. أما ما يحدث بعد تجاوز البوابة، فيبقى خاضعا لموازين حرب أوسع من قدرة أنقرة على إدارتها. وهنا تحديدا تكمن قوة المضائق وحدودها.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678