• Home  
  • “صندوق” باندورا.. أمل عالق في جرّة الشرور | موسوعة
- أخر الأخبار - الموسوعة

“صندوق” باندورا.. أمل عالق في جرّة الشرور | موسوعة

أسطورة في الميثولوجيا اليونانية، تفتح فيها أول امرأة بشرية جرة، فتنطلق منها إلى العالم شتى أنواع الشرور، بعدما كان الإنسان يعيش بمنأى عن المعاناة والشقاء…

أسطورة في الميثولوجيا اليونانية، تفتح فيها أول امرأة بشرية جرة، فتنطلق منها إلى العالم شتى أنواع الشرور، بعدما كان الإنسان يعيش بمنأى عن المعاناة والشقاء والألم. وهكذا أصبحت الجرة مصدر الشر الأول على الأرض، غير أن إغلاق غطائها حال دون تحرر شيء أخير: الأمل.

ترد الأسطورة ضمن قصيدتين ملحميتين للشاعر اليوناني هسيودوس، هما “الثيوغونيا ” و “الأعمال والأيام “، يعود تاريخهما إلى القرن الثامن قبل الميلاد. وتأتي قصة باندورا في “الأعمال والأيام ” في سياق حديث هسيود عن العمل والكدح وشقاء الحياة البشرية. فقد وجّه الشاعر القصيدة إلى شقيقه برسيس، في أعقاب نزاع بينهما بعدما احتال برسيس على هسيودوس وسلبه نصيبه من الميراث.

غير أن هسيودوس لا يستخدم كلمة “صندوق ” في روايته، بل يتحدث في الأصل عن جرّة. وقد شاعت تسمية “صندوق باندورا ” نتيجة خطأ ترجمي ارتكبه المفكر إيراسموس في القرن السادس عشر، فأصبح يُعرف على نطاق واسع باسم “صندوق باندورا “.

على مدى العصور، تناولت الأدبيات أسطورة باندورا بوصفها تفسيرا لمعاناة البشر، كما كانت موضوعا لعدد من النقاشات الفلسفية، التي بحثت في جوانبها المختلفة، وأبرزها دور الأمل في الجرة، ومعناه المزدوج؛ إذ ذهب أحد أوجه تفسيره إلى أنه نعمة وهبت لتعين الإنسان على تحمل الآلام، فيما رأى فيه وجه آخر بعدا سلبيا بوصفه أحد الشرور التي تفاقم معاناته، مما يبرر إذن وجوده في الجرة.

نقش من أواخر القرن التاسع عشر لباندورا وهي على وشك فتح جرّتها (غيتي)

من هي باندورا؟

تُقدَّم باندورا في “ثيوغونيا ” (أنساب الآلهة) للشاعر اليوناني هسيودوس، بوصفها أول امرأة من البشر، وقد أمر الإله زيوس بخلقها عقابا للبشرية، بعد أن سرق إله النار بروميثيوس النار من السماء ومنحها للبشر.

وبروميثيوس في الميثولوجيا اليونانية يعرف بأنه “المخادع الأعظم ” وإله النار، وتسند إليه الروايات مهمة تشكيل البشر من الطين، ويصوّره كبير مسرحيي أثينا الكلاسيكية أسخيلوس على أنه من جلب الحضارة إلى البشر ومنحهم الفنون والعلوم وسبل النجاة.

خدع بروميثيوس الآلهة، ولا سيما زيوس على وليمة الأضحية، وأقنعه بقبول عظام الأضحية ودهونها بدلا من لحمها، الذي أراد بروميثيوس أن يحتفظ به للبشر. وعقابا لخديعته، حجب زيوس النار عن البشر، غير أنّ بروميثيوس سرقها من السماء وأوصلها إليهم، مخبأة داخل ساق من نبات الشَّمَر، فأمر زيوس بخلق باندورا عقابا لبروميثيوس والبشرية.

ويرد في الأعمال والأيام قول زيوس ” إنك تفرح لأنك خدعتني وسرقت النار؛ وهي بلاء عظيم عليك وعلى البشر من بعدك. لكنني سأمنح البشر جزاء على النار، شرا يفرحون به جميعا، وهم يحتضنون هلاكهم بأيديهم ” في إشارة إلى باندورا.

A statue of Zeus in the National Museum Athens. (Photo by Jeff Overs/BBC News & Current Affairs via Getty Images)
تمثال لزيوس في المتحف الوطني في أثينا (غيتي)

وجاء أمر زيوس إلى هيفاستوس، الذي يعرف بوصفه إله الحدادين والحرفيين والنار، أن يمزج التراب بالماء، ويضع فيه صوت البشر وقوتهم، وأن يشكّل من ذلك هيئة فتاة عذبة جميلة تشبه الآلهة، ثم أمر الإلهة أثينا أن تعلمها فنون الخياطة والنسج، وأفروديت، إلهة الحب والجمال، أن تنثر على رأسها سحر الحب والرغبة.

يكمل هسيودوس وصف هيئتها، فيقول إنّ أثينا ألبستها الثياب والحلي، وزيّنتها ربّات الحسن الثلاث بعقود من الذهب طوقت عنقها، فيما توجت إلهات الفصول (الهوراي) رأسها بأزهار الربيع.

كما أمر زيوس، رسول الآلهة هرمس بمنحها عقلا جريئا وطباعا مخادعة، فوضع في نفسها الكذب والمكر، ثم أعطاها قدرة الكلام، وسمّاها “باندورا ” أي “ذات الهبات “، لأنّ كل الآلهة منحتها هبة، لتصير، يقول هسيودوس “وبالا على البشر آكلي الخبز “.

وقد أثارت صورة باندورا، بوصفها أول امرأة، وسببا في دخول الشرور والمعاناة إلى عالم البشر، نقاشات نقدية متعددة حول تمثيل المرأة في الميثولوجيا اليونانية، ولا سيما في شعر هسيودوس، الذي تناولته دراسات حديثة بوصفه يعكس “نزعة معادية للنساء “.

Pithos in House A, Mycenaean archaeological site in Tylissos, Crete, Greece, 1909-1913.
جرة “بيثوس ” في موقع أثري باليونان بين عامي 1909 و1913 (غيتي)

جرة الشرور

بعد أن اكتمل تكوين باندورا على الهيئة التي أرادها زيوس، أرسلها إلى إبيميثيوس، أخي بروميثيوس، وكان بروميثيوس قد حذّر أخاه سابقا من قبول هدايا زيوس، وطلب منه ردّها خشية أن تكون فيها مضرة للبشر. لكن إبيميثيوس لم يستحضر كلام أخيه، وانتهى به الأمر إلى أن قبل باندورا واتخذها زوجة له.

في المقطع التالي من القصيدة، ترفع باندورا “غطاء الجرة العظيم “، إذ إنّ النص الأصلي لا يرد فيه صندوق، بل جرة “بيثوس ” (Pithos)، تحوّلت إلى صندوق في الروايات اللاحقة نتيجة خطأ المفكر إيراسموس في ترجمة الكلمة اليونانية في القرن السادس عشر، ومنذ ذلك الحين، اشتهرت باندورا بصندوقها.

و “بيثوس ” تشير إلى وعاء فخاري كبير جدا ذو فوهة دائرية واسعة، كان مستخدما في العالم اليوناني القديم، لحفظ وتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية أو النبيذ والزيت، وأحيانا لدفن الموتى، وفقا لقاموس ميريام ويبستر.

ترفع باندورا غطاء الجرة، فتنطلق إلى عالم البشر الشرور والآفات، وتنتشر في جميع أنحاء الأرض، برا وبحرا، وتنزل ليلا ونهارا “حاملة الأذى إلى الفانين بصمت “، إذ نزع زيوس عن تلك الشرور قدرة الكلام، فأخذت تثقل كاهل الإنسان دون تحذير.

غير أنّ شيئا ما بقي في أسفل الجرّة: الأمل؛ إذ أغلقت باندورا غطاء الجرة قبل أن يتحرر.

***داخلية*** Pandora (the 'all-gifted') first mortal woman according to Hesiod. Sent by Zeus as gift to Epithemus. She brought a box which, when opened, released all world's evils. Only Hope remained. After a Victorian painting. (Photo by: Photo12/Universal Images Group via Getty Images)
الجرة في أسطورة باندورا تحوّلت إلى صندوق نتيجة خطأ ترجمي في القرن السادس عشر (غيتي)

لماذا يسكن الأمل بين الشرور؟

يثير الأمل في صندوق باندورا جدلا واسعا، ويطرح أسئلة رئيسية حاول المفكرون الإجابة عنها منذ العصور القديمة، أبرزها: لماذا كان الأمل في جرّة الشرور؟ ولماذا بقي فيها؟ وهل كانت الجرة تحفظ الأمل للبشر، أم تحجبه عنهم؟

وفي محاولة لفهم وجوده في الجرة، تناظرت الآراء حول تعريف الأمل نفسه “إلبِس” (elpis)، فيرى الباحث سكوت غريفلي، في كتاب موسوعة أكسفورد الشاملة عن الأمل، أن التصور الشائع عن موقف اليونانيين من الأمل يضعه في إطار سلبي إلى حد كبير، بوصفه مصدرا محتملا للهشاشة والضعف، لا فضيلة أو مصدرا للقوة.

وقد استعرض فيليم فيردينيوس مفارقة الأمل في دراسة له عام 1971 بعنوان “سطر “بلا أمل ” في هسيودوس: الأعمال والأيام، 96 “، ورأى في الأمل بعدا سلبيا، معتبرا أنه يشير إلى “توقّع الشر”، مما يفسر وجوده وسط الشرور الأخرى.

وبناء عليه استُخلصت نتائج تقول إن بقاءه في الجرة، إذن، حمى البشرية من شر أكبر، غير أنّ هذا التفسير انتُقد كونه لم يتفق والنص الأصلي؛ لافتراضه أن زيوس أسدى البشرية معروفا بإبقائه في الجرة، في حين كان غرض زيوس انتقاميا وعقابيا وفق هسيودوس.

أما الرأي الثاني، فيقرّ بإيجابية الأمل، ويقول إنّه خير وجد في الجرة لمواساة البشر. لكنّ هذه الرؤية تفترض كذلك صفة خير في زيوس، كما تواجه معضلة أخرى: إذا كان لقاء البشرية بالشر مرهونا بخروج محتويات الصندوق، فكيف يكون لقاؤها مع الأمل وهو حبيسه؟

غير أن هذه النقاشات تظل معلّقة، وقابلة للأخذ والرد بدرجات متفاوتة، إذ لا تتضمن سطور هسيودوس ما يحسم هذا الجدل. لكن رؤية أوسع تخلص إلى أن منح الأمل هذا الدور المحوري قد يكون، في الأساس، نابعا من هذه الازدواجية؛ فالقصة تقوم على جملة من المتضادات، من بينها اللعنة والبركة، اللتان يرتبط الأمل بكليهما.

لوحة للفنان الإيطالي جوليو بوناسوني (1531–1576) بعنوان إبيميثيوس يفتح صندوق باندورا
لوحة للفنان الإيطالي جوليو بوناسوني (1531–1576) بعنوان إبيميثيوس يفتح صندوق باندورا (متحف ميت)

تطور الرواية

تطورت قصة باندورا عبر الأزمان، وأضيفت إليها تفاصيل جعلت باندورا نفسها عنصرا أكثر أهمية في الأسطورة مما جعلها هسيود؛ إذ لم يذكر الشاعر دافعا لرفعها غطاء الجرّة أو سببا لفتحها. فأضافت الروايات اللاحقة دافع “الفضول ” وصوّرت باندورا على أنها فتحت الجرّة رغبة في معرفة ما بداخلها، بعد أن أمرها زيوس بعدم فتحها مطلقا، فأطلقت الشرور على العالم. غير أن أيا من دافع الفضول أو أمر زيوس لها بعدم فتح الجرّة لا يرد في قصيدة هسيودوس.

حكاية مشابهة

على غرار قصة باندورا، توجد حكاية مماثلة في الأدب اليوناني اللاحق، ضمن الخرافات الإيسوبية، وهي مجموعة من الحكايات تُنسب إلى الكاتب الإغريقي إيسوب، الذي ترجّح الموسوعة البريطانية أنه كان شخصية أسطورية.

وفي هذه الحكاية، يضع زيوس كل ما هو خير في جرّة، ثم يفتحها إنسان، من دون تحديد ما إذا كان رجلا أو امرأة، بدافع الفضول لمعرفة ما بداخلها. فتطير الخيرات من الجرة إلى الآلهة، ولا يبقى بين البشر سوى الأمل، الذي يظل داخلها. وهكذا يصبح الأمل الخير الوحيد المتبقي للبشر، إذ يَعِدهم بعودة الخيرات التي صعدت إلى الآلهة.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678