ووفق حصر يستند إلى الحصول على الدرجة العلمية (أولية أو عليا) من الجامعة، والعمل في المؤسسة أكاديميا وقت الفوز أو خلال المسيرة العلمية، تأتي هارفارد في مقدمة الجامعات التي ارتبط اسمها بالحاصلين على جائزة نوبل بعدد 161 فائزا، يليها كامبريدج (126) ثم كاليفورنيا في بيركلي (110) ثم شيكاغو (101) ثم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (97) ثم كولومبيا (96) ثم ستانفورد (84) ثم أكسفورد (69) ثم ييل (65) ثم معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (36).
قصص مقترحة
فلماذا تتكرر أسماء هذه الجامعات؟ وهل تمتلك “وصفة سرية” لإنتاج العلماء الحاصلين على نوبل؟ أم أن القصة أكثر تعقيدا من ذلك؟ ويتفق خبراء تحدثوا للجزيرة نت على أن السر يكمن في ما يسمى “التراكم المؤسسي” وهو مفهوم يمكن تبسيطه بصورة أكثر وضوحا باعتباره “كرة ثلج علمية”.
ويقول الدكتور عبد الناصر توفيق، زميل الأكاديمية الدولية للعلوم وأستاذ الرياضيات الهندسية بجامعة الأهرام الكندية والأستاذ الزائر بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة للجزيرة نت، إنه “عندما تنجح جامعة في جذب عالم متميز، فهي لا تحصل فقط على أبحاثه، وإنما يترك وراءه طلابا وباحثين ومدرسة علمية وشبكة من العلاقات، وهؤلاء بدورهم يجذبون مزيدا من المواهب والتمويل والفرص البحثية، فتتراكم المزايا داخل المؤسسة جيلا بعد جيل، لتكبر كرة الثلج كلما تدحرجت، ويتحول الإنجاز العلمي الأول إلى إنجازات أكبر، وتصبح الجامعة أكثر قدرة على جذب العلماء الذين قد يصنعون بدورهم اكتشافات جديدة، وبعضها قد ينتهي بجائزة نوبل”.
والمثال الأقوى على “كرة الثلج العلمية” يتجسد في تجربة الفيزيائي الأمريكي إرنست لورنس، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، والحاصل على جائزة نوبل عام 1939 في الفيزياء عن اختراعه “السيكلوترون”.
ويقول عبد الناصر “إن قصة لورنس لم تتوقف عند جائزته، فقد أنشأ في بيركلي مختبرا بحثيا تحول إلى مركز ضخم للفيزياء النووية، واستقطب إليه عددا من ألمع الفيزيائيين الشباب، الذين عملوا في البيئة البحثية التي بناها، وحصلوا على جوائز نوبل، ومنهم إدوين ماكميلان وجلين سيبورغ (نوبل الكيمياء عام 1951)، إميليو سيغري وأوين تشامبرلين (نوبل الفيزياء عام 1959)، لويس ألفاريز (نوبل الفيزياء عام 1968)، وميلفن كالفن (نوبل الكيمياء عام 1961)”.
وتدرك جامعة كاليفورنيا، بيركلي، أهمية هذا الإرث العلمي للورنس، وأشارت الجامعة في احتفال أقامته عام 2001 لتكريمه، إلى عدد من الحائزين على جائزة نوبل الذين جاؤوا بعده وكانوا زملاء أو طلابا تأثروا بعمله، وقال الفيزيائي تشارلز تاونز إن ثمانية على الأقل من نوبليي الجامعة تأثروا مباشرة بعمل لورنس.
ومن القصص الأخرى على “كرة الثلج العلمية”، التي يشير إليها عبد الناصر، تلك التي نمت تفاصيلها في جامعة كامبريدج، وكان بطلها إرنست رذرفورد الحاصل على نوبل الكيمياء عام 1908.
ويقول إنه “من البيئة العلمية التي ارتبط بها رذرفورد خرج علماء أصبحوا لاحقا من أبرز علماء القرن العشرين، ومنهم جيمس تشادويك، الذي اكتشف النيوترون وحصل على نوبل الفيزياء عام 1935”.
ويوثق موقع جائزة نوبل هذه العلاقة، بالإشارة إلى أن رذرفورد كان قد اقترح قبل ذلك إمكانية وجود جسيم متعادل في النواة، قبل أن يثبت تشادويك وجود النيوترون تجريبيا.

شجرة العائلة الأكاديمية
وخلف “كرة الثلج العلمية” تفاصيل أكبر تبدأ من سؤال مهم: ما الذي يجذب عالما مهما إلى جامعة بعينها ليصبح النواة التي تشكل هذه الكرة؟
يقول عبد الناصر إن من أبرز الأسباب هو العالم أو المعلم الموجود بالفعل في الجامعة، فالباحث الشاب يريد العمل مع عالم بارز، لأن المعرفة لا تنتقل فقط عبر الكتب، بل داخل المختبر وشبكات الإشراف والتعاون.
وأكدت دراسة لشبكات الحاصلين على نوبل هذا المعنى، إذ وجدت دراسة لباحثين من جامعة لويزفيل نشرتها دورية “ساينتومتريكس” أن العلاقات الأكاديمية بين الحاصلين على جائزة نوبل ليست عشوائية، إذ كان النوبليون أكثر ارتباطا بنوبليين آخرين ضمن “شجرة عائلتهم الأكاديمية” سواء بين أساتذتهم السابقين أو طلابهم أو طلاب طلابهم.
وحلل الباحثون شبكة تضم 57 ألفا و831 علما، بينهم 402 من الحاصلين على نوبل، فوجدوا أن النوبليين يملكون عددا أكبر من “الأقارب الأكاديميين” الحاصلين على نوبل مقارنة بغير الحاصلين عليها.
وكشف تحليل الشبكة عن مجتمعات علمية كاملة من الحاصلين على نوبل امتدت عبر 3 و4 أجيال أكاديمية، مع تجمعات تاريخية بارزة ارتبطت بجامعة كامبريدج أواخر القرن الـ19 وجامعة كولومبيا أوائل القرن الـ20.
وتشير النتائج إلى أن الإرشاد الأكاديمي والبيئة العلمية وشبكات المعرفة قد تساعد في تراكم المهارات والخبرات عبر الأجيال، بما يشبه “كرة ثلج” علمية تكبر مع انتقال المعرفة من الأستاذ إلى الطالب ثم إلى أجياله اللاحقة.

“المعمل” أهم من “المنحة”
ومن عوامل الجذب الأخرى التي يشير إليها عبد الناصر، هي البنية التحتية التي تجذب العلماء المتميزين، فالعالم لا يحتاج إلى أستاذ عظيم فقط، بل يحتاج أيضا إلى المكان الذي يستطيع فيه تحويل فكرته إلى تجربة.
ويشمل مفهوم البنية التحتية المعمل والأجهزة المتقدمة والحوسبة المتقدمة وقواعد البيانات والفنيين، بل وحتى الكهرباء التي تحافظ على تشغيل هذه المنظومة.
ويقول عبد الناصر “هذه أشياء لا تظهر في الورقة العلمية النهائية، لكنها تجعل تنفيذ التجربة ممكنا من الأساس”.
وتقدم دراسة منشورة في دورية “ذا فايزيب جورنال” دليلا لافتا على هذه العلاقة بين البنية التحتية الجيدة والإنجاز، حيث تتبعت مصادر تمويل الأبحاث التي ارتبطت بأعمال حازت جائزة نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء، وحلل الباحثون 93 ورقة بحثية مرتبطة بأعمال 70 عالما نالوا نوبل بين عامي 2000 و2008.
ووجد الباحثون أن 65 ورقة، أي نحو 70% من الأوراق التي شملها التحليل، ذكرت مصدرا واحدا على الأقل للتمويل، وكانت المؤسسات الحكومية الأمريكية حاضرة في 53 ورقة، أي 82% من الأوراق الممولة، بينما ظهرت مصادر حكومية من خارج الولايات المتحدة في 19 ورقة، ومصادر غير حكومية في 33 ورقة.
لكن النتيجة الأكثر أهمية أن نحو 30% من الأوراق المرتبطة بأعمال نوبل لم تذكر أي تمويل، وعندما تواصل الباحثون مع الحائزين على نوبل الذين لم تذكر أوراقهم مصادر تمويل، استجاب 13 عالما منهم، وقدموا رؤيتهم بشأن أن “المعمل” قد يكون أهم من “المنحة”.
وخلص الباحثون من تلك الحوارات إلى أن بعض الأبحاث التي انتهت إلى مستوى نوبل ظهرت في ظروف لم تكن فيها هناك منحة محددة مرتبطة بالعمل، لكن الباحث كان يعمل داخل مؤسسة توفر له ما يمكن وصفه بـ”بيئة محمية للبحث” أي مساحة تسمح للعالم المتفرغ للعلم بأن يواصل العمل على فكرة ربما لا تبدو واعدة ماليا في البداية، من دون أن يكون مضطرا باستمرار إلى تحويلها إلى مشروع قابل للتمويل أو إلى ملاحقة منح جديدة للحفاظ على مختبره.

الإحصاءات تؤكد الإنفاق السخي
وتكشف بيانات المركز الوطني الأمريكي لإحصاءات العلوم والهندسة عن أهمية هذا البعد، حيث أنفقت الجامعات الأمريكية عام 2021 نحو 2.7 مليار دولار على المعدات الرأسمالية المستخدمة في البحث الأكاديمي (الأجهزة والمنشآت البحثية مرتفعة التكلفة التي تُشترى أو تُنشأ لتُستخدم في الأبحاث لسنوات، وليس الأدوات والمواد التي تُستهلك خلال تجربة واحدة).
كما أنفقت الجامعات نحو 4.9 مليارات دولار على إنشاء وإصلاح وتجديد الأماكن والمنشآت المادية المخصصة لإجراء البحث العلمي عامي 2020 و2021، وكانت تخطط لإنفاق 6.1 مليارات دولار إضافية عامي 2022 و2023.
وفي السنة المالية لعام 2024، أعلنت جامعة هارفارد أن البحث العلمي حصل على أكثر من مليار دولار من التمويل البحثي الخارجي، إضافة إلى 526 مليونا مولتها الجامعة مباشرة.
وقالت الجامعة في بيانها إن هذا التمويل لم يذهب فقط إلى رواتب الباحثين والمواد، وإنما شمل تجهيز المختبرات والمباني والمعدات والكهرباء والصيانة والأفراد الذين يديرون البنية البحثية.
وتقدم أرقام معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نموذجا آخر على أهمية البنية التحتية، إذ بلغت نفقات البحث السنة المالية لعام 2023 نحو 837 مليون دولار.
ووفق بيان أصدره المعهد فإن هناك نحو 19 سنتا من كل دولار، من التكاليف غير المباشرة للبحث، تذهب إلى المنشآت والمعدات اللازمة للبحث.
وتظهر في الإحصاءات البريطانية أيضًا أهمية البنية التحتية البحثية، إذ لا يعتمد تجهيزها على ميزانية الجامعة فقط، حيث يوجد هناك استثمار وطني من خلال وكالة الأبحاث والابتكار في المملكة المتحدة.
وأنفقت الوكالة السنة المالية لعامي 2025-2026 حوالي 1.163 مليار جنيه إسترليني (نحو 1.5 مليار دولار) على البنية التحتية البحثية، من المعدات المختبرية إلى المنشآت البحثية الدولية.
كما أن برنامج “المختبرات عالمية المستوى”، التابع للوكالة، لديه وحده ميزانية قدرها 1.7 مليار جنيه (نحو 2.2 مليار دولار) للفترة من عام 2022 إلى 2025 لدعم المختبرات والمعدات والموارد الرقمية في الجامعات ومؤسسات البحث البريطانية.
حرية يدعمها التمويل
وإذا كانت بعض الأفكار الواعدة التي يمكن أن تقود إلى نوبل يتوقف تنفيذها على توفير بنية تحتية جيدة، فإن هناك أفكارا تحتاج إلى حرية يدعمها التمويل.
وفي تصريح للجزيرة نت، يقول الدكتور علي عبده، مدير قسم الفيزياء النووية بإحدى شركات الطاقة الأمريكية “إن الباحث يحتاج أحيانا إلى مساحة لاختبار فكرة قد تفشل، ورأس مال مغامر يضخ أموالا تساعد على هذه المجازفة العلمية”.
وتؤيد دراسة تحليلية واسعة نشرت في دورية “بلوس وان” هذا البعد الذي أشار إليه الدكتور علي، إذ كشفت أن الدول، التي تفرض قيودا أقل على الجامعات ومؤسسات البحث العلمي، تستطيع مؤسساتها تحقيق الاختراقات العلمية والتقنية، مقارنة بالبيئات التي تفرض مستويات أعلى من الرقابة والتحكم المؤسسي.
وتوصل الباحثون لهذه النتيجة بعد أن اختبروا هذه العلاقة بصورة كمية، من خلال تتبع مسار جميع الحائزين على جائزة نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب، حيث وجدوا أنه خلال معظم القرن الـ20 وبداية القرن الـ21، تفوقت الدول التي اتسمت بضعف التحكم المؤسسي في جامعاتها ومؤسساتها البحثية، وعلى رأسها المملكة المتحدة والولايات المتحدة، في إنتاج العلماء الذين حصلوا لاحقا على نوبل، مقارنة بدول اتسمت بقدر أكبر من التحكم المؤسسي مثل فرنسا وألمانيا.
وعن مدى أهمية الحرية التي يدعمها التمويل مقارنة بعوامل النجاح الأخرى، يقول الدكتور علي إن كل العوامل متصلة مع بعضها، فالسر لا يكمن فقط في وجود عالم عبقري، ولا في جهاز متقدم، ولا في حرية أكاديمية وتمويل ضخم، فكل عنصر منها يغذي العنصر الآخر.
ويقول “العالم يجذب طلابا، والطلاب يصبحون علماء، والعلماء يجذبون تمويلا، والتمويل يبني مختبرات ومراكز بحثية، والمختبرات بدورها تستقطب علماء جددا”.
وبهذه الحلقة تكبر كرة الثلج العلمية، التي بدأت في بعض الجامعات قبل أكثر من قرن، وكبرت مع كل جيل، حتى أصبحت أسماء مثل هارفارد وكامبريدج وبيركلي مرتبطة، ليس فقط بعلماء حصلوا على نوبل، وإنما ببيئات علمية قادرة على صناعة أجيال متعاقبة من العلماء.



