لم تكن عودة مهدي الحمصي إلى سوريا مجرد رحلة طويلة على دراجة هوائية، بل محاولة لتحويل الطريق نفسه إلى رسالة تضامن مع بلده. فبعد 11 عاما من الغربة، قطع الشاب السوري آلاف الكيلومترات عابرا 5 دول، حاملا مبادرة لإعادة بناء مدارس سورية.
وفي قصة أعدتها الصحفية راما أبو لبن للجزيرة، يروي الحمصي (25 عاما) تفاصيل رحلة انطلقت في مطلع يوليو/تموز الماضي من ألمانيا، واستمرت 50 يوما وصولا إلى سوريا، بعد مروره بالنمسا وإيطاليا واليونان وتركيا.
ويقول الحمصي للجزيرة إنه خطط للرحلة منذ عام كامل، فاستعد لها بالتدريب الرياضي وتوفير تكاليف السفر، قبل أن ينطلق بدراجته ومعداته للتصوير والطبخ والتخييم، موثقا مراحل الطريق التي تحولت إلى جزء من مبادرة إنسانية.
ولم تكن الخيمة مكان المبيت الوحيد خلال الرحلة، إذ استضافه سوريون وأجانب في محطات عدة بإيطاليا واليونان وتركيا، وقدموا له المأوى والدعم، ويقدّر الحمصي أن نفقات الرحلة لم تتجاوز ألف دولار، كان معظمها للمعدات اللازمة للسفر والتوثيق.
ويحمل الطريق بالنسبة إلى الحمصي معنى شخصيا يتجاوز المغامرة، فقد غادر سوريا وهو في الرابعة عشرة من عمره عبر البحر برفقة شقيقه، وبعد حصوله على الجنسية الألمانية، عاد إلى بلده عابرا الحدود نفسها التي شكلت يوما عائقا أمام خروجه.
من الغربة إلى العودة
ويصف الشاب عودته بأنها انتصار شخصي، إذ تمكن هذه المرة من دخول الدول الواقعة على طريق الرحلة بحرية، بعدما كانت رحلته الأولى إلى الخارج محفوفة بالصعوبات والرفض، ومن هنا أراد أن يجعل عودته مناسبة للتعبير عن مسؤوليته تجاه بلده.
لكن الرحلة لم تتوقف عند العودة، إذ ربط الحمصي مغامرته بحملة تبرعات أطلقها بالتعاون مع منظمة تعليمية، بهدف الإسهام في ترميم 10 مدارس سورية، بينها مدرسة في مدينة دوما مخصصة لدمج الأطفال ذوي الإعاقة.
وبحسب الحملة، حُدد الهدف المالي بـ30 ألف يورو (نحو 32.4 ألف دولار) لاستكمال ترميم المدارس العشر، وجُمع حتى الآن أكثر من 16 ألف يورو (نحو 17.3 ألف دولار)، أي نحو 55% من المبلغ المستهدف، بينما يواصل القائمون العمل لتأمين بقية التمويل ومواصلة مشروعات الإعمار.
ولإيصال رسالته إلى جمهور أوسع، وثق الحمصي تفاصيل الرحلة عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والألمانية، ويقول إن نشأته في ألمانيا جعلت استخدام اللغتين أمرا طبيعيا، وساعده على مخاطبة جمهورين مختلفين.
ويشير الحمصي إلى أن التفاعل الألماني مع المبادرة كان لافتا، إذ جاءت نحو 70% من التبرعات من ألمانيا، وهو ما يراه مؤشرا على رغبة متبرعين هناك في دعم مستقبل سوريا، لا سيما قطاع التعليم الذي تضرر خلال سنوات الحرب.
رحلة تتجاوز الدراجة
ولا يخفي الشاب أن هدفه يتجاوز جمع المال للمدارس، فهو يأمل أن تشجع تجربته السوريين في الداخل والخارج على إطلاق مبادرات فردية ومجتمعية للمشاركة في إعادة الإعمار، وتحويل الإمكانات الشخصية إلى مشروعات تخدم الاحتياجات المحلية.
كما أراد الحمصي أن تكون الرحلة وسيلة للتعريف بمبادرته وتوسيع دائرة المتابعين والمتبرعين، فوثق تفاصيل الطريق بنفسه، من لحظات القيادة إلى محطات الاستراحة، مقدما تجربة شخصية مرتبطة بهدف تعليمي وإنساني.
وبينما تستمر حملة التبرعات سعيا لاستكمال هدفها، يريد الحمصي أن تبقى رحلته أكثر من ذكرى شخصية للعودة بعد سنوات الغربة، ويختصر رسالته في عبارة واضحة “نحن ولاد سوريا. سوريا بتحتاجنا”، في دعوة إلى المشاركة في بنائها.



