وفي هذا السياق، سلطت تقارير لموقع ميديابارت ولوموند الضوء على التحولات التي تشهدها العلاقة بين واشنطن وموسكو، وعلى الخيارات المتاحة أمام الأوروبيين لتأمين استمرار الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا.
قصص مقترحة
وتناول ميديابارت -في تقرير بقلم جوستين برابان- رد فعل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 9 أكتوبر/تشرين الأول بشأن الديزل الروسي.
اتفاق الديزل يشعل غضب كييف
ووصف زيلينسكي -حسب المقال- الاتفاق بأنه قرار “ضعيف” و”غير عادل”، منتقدا عدم التشاور مع كييف بشأنه، رغم وجود ممثلين أوكرانيين في الولايات المتحدة وقت الإعلان عنه، واعتبر أن الاتفاق قد يسهم في تمويل الحرب الروسية.
ويرى ميديابارت أن كييف تحاول رغم غضبها، تفادي تدهور علاقاتها مع واشنطن، بسبب اعتمادها على الدعم الأمريكي، خصوصا في مجال الاستخبارات.
من جهتها، ربطت الكاتبة سيلفي كوفمان -في تحليل نشرته لوموند- الاتفاق بالحسابات السياسية الداخلية لترمب، ولا سيما انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الأول.
وترى كوفمان أن ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة، في ظل الحرب في الشرق الأوسط، يشكل عامل ضغط على الإدارة الأمريكية التي تسعى إلى تخفيف الأعباء عن المستهلكين.
وبحسب تحليل لوموند، فإن الاتفاق بشأن الديزل يعكس تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية مع مسار الحرب الأوكرانية، ويثير تساؤلات بشأن انعكاساته على سياسة العقوبات المفروضة على روسيا.
زيلينسكي يحذر من خسارة الولايات المتحدة
وفي تقرير نشرته لوموند بعنوان “الحرب في أوكرانيا: بعد خيانة ترمب، كييف وحلفاؤها يأملون في تغيير مجرى التاريخ”، نقلت الصحيفتان الفرنسيتان صورة عن القلق الأوكراني إزاء التحول في موقف واشنطن.
وأفادت لوموند بأن زيلينسكي عبّر، خلال مقابلة مع الصحفي البريطاني بيرس مورغان يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول، عن مخاوفه من خسارة الولايات المتحدة بوصفها شريكا رئيسيا لبلاده، وقال إن رؤية ترمب ينحاز إلى روسيا أمر مؤلم، لكنه شدد على أن أوكرانيا لا تستطيع إظهار الضعف إذا أرادت البقاء والصمود.
ووفقا للتقرير نفسه، طالب ترمب زيلينسكي بوقف الضربات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية، قبل أن يدعوه إلى مغادرة منصبه، وهو موقف يثير مخاوف كييف بشأن اتجاه السياسة الأمريكية في المرحلة المقبلة.
وفي افتتاحية أخرى، حذرت لوموند من أن توقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية مع الجيش الأوكراني قد يؤثر في قدرة كييف على توقع الضربات الروسية والاستعداد لها، خاصة أن تباطؤا مؤقتا في منظومة الاتصالات العسكرية المرتبطة بأقمار “ستارلينك”، التابعة لشركة “سبيس إكس” قد لوحظ بالفعل.

وتأتي هذه التطورات -وفق الصحيفة- بالتزامن مع تكثيف الضربات الروسية على منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، ومع اقتراب فصل الشتاء.
أما ميديابارت، فيشير إلى أن أوكرانيا تقول إنها تحترم وقف إطلاق النار المتعلق بقطاع الطاقة الذي دعا إليه ترمب، في حين تواصل روسيا هجماتها، ومنها ضرب 3 محطات للطاقة في كييف، بحسب التقرير.
إعادة النظر في الأصول الروسية المجمدة
في افتتاحية بعنوان “أوكرانيا: ضرورة إعادة النظر في مسألة الأصول الروسية”، دعت لوموند إلى مراجعة الموقف الأوروبي من نحو 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة داخل الاتحاد الأوروبي منذ فرض العقوبات عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
لوموند: التقارب الأمريكي الروسي، إلى جانب المخاوف بشأن مستقبل الدعم الاستخباراتي والعسكري لكييف، يعيدان طرح مسألة استخدام الأموال الروسية المجمدة لتمويل الدفاع الأوكراني
وترى الافتتاحية أن التقارب الأمريكي الروسي، إلى جانب المخاوف بشأن مستقبل الدعم الاستخباراتي والعسكري لكييف، يعيدان طرح مسألة استخدام هذه الأموال لتمويل الدفاع الأوكراني.
وتوضح لوموند أن الدول الأوروبية تبنّت حتى الآن موقفا قانونيا حذرا، خشية أن تؤدي مصادرة الأصول الروسية إلى سابقة قد تهدد الثقة في النظام المالي الأوروبي، كما أشارت إلى أن تحفظات بلجيكا كانت من العوامل التي أعاقت التوصل إلى اتفاق، نظرا إلى وجود الجزء الأكبر من هذه الأصول لدى مؤسسة “يوروكلير” المالية، ومقرها بروكسل.
وتعرض الصحيفة مقترحا يدعمه عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي، يقوم على نقل الحسابات الروسية، بما يشمل الأصول والالتزامات، إلى مستوى الاتحاد الأوروبي، مع توفير ضمانات لتعويض مؤسسات مالية مثل “يوروكلير” عن أي خسائر محتملة ناجمة عن هذه الخطوة.

وبحسب التصور الذي تعرضه الافتتاحية، يمكن بعد ذلك توجيه الأموال إلى كييف لتمويل دفاعها، بما يمنح الأوروبيين قدرة أكبر على دعم أوكرانيا، حتى في حال تراجع الالتزام الأمريكي.
لكنّ لوموند لا تقدم هذا الخيار باعتباره قرارا أوروبيا نهائيا، بل تدعو إلى إعادة النظر فيه على ضوء التحولات السياسية والإستراتيجية الأخيرة.
أوروبا أمام اختبار الاستقلال الإستراتيجي
في تحليلها المنشور يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول في لوموند، ترى سيلفي كوفمان أن تكرار التحولات في موقف ترمب من موسكو يفرض على أوروبا تولي دور أكبر في تحديد الوسائل الكفيلة بإنهاء الحرب الأوكرانية.
ويعكس هذا الطرح قلقا أوروبيا من أن يؤدي الاعتماد على القرارات الأمريكية المتقلبة إلى إضعاف قدرة كييف على التخطيط العسكري والسياسي على المدى الطويل.
أما افتتاحية لوموند بشأن الأصول الروسية، فتربط بين مسؤولية الأوروبيين عن دعم أوكرانيا وبين ضرورة اتخاذ خطوات مالية وسياسية أكثر استقلالا، بدل الاكتفاء بانتظار مبادرات واشنطن.
وفي المقابل، يُبرز تقرير ميديابارت المعضلة الأوكرانية المباشرة، إذ تنتقد كييف اتفاقا ترى أنه قد يفيد روسيا، لكنها تحاول في الوقت نفسه تجنب خسارة الدعم الأمريكي الضروري لقدراتها الدفاعية.
وفي الخلاصة تكشف تقارير ميديابارت ولوموند عن أزمة تتجاوز اتفاق الديزل لتشمل مستقبل التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا، وبينما يركز ميديابارت على غضب زيلينسكي ومحاولته احتواء تداعيات الاتفاق الأمريكي الروسي، تحذر لوموند من أن تراجع التعاون الاستخباراتي وتصاعد الهجمات الروسية يفرضان على الأوروبيين مراجعة خياراتهم العسكرية والمالية.
وتضع الصحيفة الفرنسية الأصول الروسية المجمدة البالغة نحو 210 مليارات يورو في قلب هذا النقاش، باعتبارها موردا محتملا لتمويل الدفاع الأوكراني، مع استمرار الخلافات القانونية والسياسية حول كيفية استخدامها.
وبذلك، يصبح التحدي أمام أوروبا مزدوجا: الحفاظ على دعم كييف في مواجهة روسيا، وبناء قدرة أكبر على التحرك بصورة مستقلة إذا تراجع الدعم الأمريكي، غير أن تحويل هذا التوجه إلى سياسة عملية يظل مرتبطا بالتوافق بين الدول الأوروبية، وتسوية المخاوف القانونية، وتحديد آليات التمويل والتعويض.



