• Home  
  • إثيوبيا في مواجهة جيرانها.. ثلاث جبهات تضغط على آبي أحمد | سياسة
- أخر الأخبار - سياسة

إثيوبيا في مواجهة جيرانها.. ثلاث جبهات تضغط على آبي أحمد | سياسة

تجد إثيوبيا نفسها أمام أزمة تتجاوز حدود المواجهات العسكرية بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة المسلحة، لتعيد فتح ملفات خلافية مع ثلاث دول ترتبط بها بعلاقات…

تجد إثيوبيا نفسها أمام أزمة تتجاوز حدود المواجهات العسكرية بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة المسلحة، لتعيد فتح ملفات خلافية مع ثلاث دول ترتبط بها بعلاقات معقدة من الصراع والتعاون: مصر والسودان وإريتريا. وبينما تتهم أديس أبابا هذه الدول بدعم «تحالف البقاء» المعارض بهدف زعزعة استقرارها وإسقاط حكم رئيس الوزراء آبي أحمد، تنفي الدول الثلاث التدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية، وإن كانت لكل منها حساباتها الخاصة بشأن مستقبل الصراع ونتائجه.

في الورقة التحليلية «إثيوبيا وجيرانها: محددات مواقف مصر والسودان وإريتريا من الحرب الراهنة»، الصادرة عن مركز نيوز عربي للدراسات ف، يتتبع الباحث بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، جذور العلاقات الإثيوبية مع الدول الثلاث، والتحولات التي طرأت عليها، والأدوات التي استخدمتها كل دولة في إدارة خلافاتها مع أديس أبابا.

قصص مقترحة

وتنطلق الورقة من أن الحرب الإثيوبية، وإن بدت صراعا داخليا بين الحكومة الفيدرالية ومكونات إثنية وسياسية متعددة، لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية المحيطة بها. فإثيوبيا، التي توصف بأنها «متحف الإثنيات»، تضم جماعات تمتد روابطها عبر الحدود، كما تتداخل أزماتها الداخلية مع خلافات حول المياه والحدود والموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي.

وتخلص الورقة إلى مفارقة رئيسية: قد تستفيد مصر والسودان وإريتريا من انشغال إثيوبيا بصراعاتها الداخلية وتراجع قدرتها على ممارسة الضغوط الإقليمية، لكن تفكك الدولة الإثيوبية ليس في مصلحة أي منها. فضعف أديس أبابا قد يفتح الباب لتسويات مؤجلة، بينما يؤدي انهيار مؤسساتها إلى تعقيد تلك التسويات وتهديد استقرار المنطقة بأكملها.

حرب داخلية بامتدادات إقليمية

تستعيد الورقة مقدمات المواجهة الراهنة، التي سبقتها اشتباكات في يناير/كانون الثاني 2026، عندما عبرت قوات تيغراي نهر تيكيزي الفاصل بين إقليمي تيغراي وأمهرة، وحاولت السيطرة على مناطق متنازع عليها في غرب الإقليم وجنوبه.

وترجع أسباب التصعيد إلى مجموعة من الخلافات المتراكمة، في مقدمتها النزاع على إدارة إقليم تيغراي، بعدما اتهمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي الحكومة الفيدرالية بفرض إدارة مؤقتة موالية لها بقيادة غيتاتشو رضا. وانتهى الخلاف بإطاحة رضا، الذي لجأ إلى أديس أبابا وأصبح لاحقا مستشارا لآبي أحمد لشؤون شرق أفريقيا.

كما بقي النزاع الحدودي بين تيغراي وأمهرة دون تسوية، خصوصا في منطقتي ولقايت ورايا. ففي حين يستند التيغراي إلى الترتيبات الدستورية لعام 1995، يعد الأمهرة المنطقتين أراضي انتزعت منهم عقب سقوط حكم منجستو عام 1991.

وتضيف الورقة أزمة النازحين داخل تيغراي، الذين يقدر عددهم بنحو 900 ألف شخص، واتهام الجبهة الحكومة الفيدرالية بتعمد إبقاء الأزمة الإنسانية دون حل. ثم جاء قرار المجلس الوطني للانتخابات في مايو/أيار 2025 بإلغاء تسجيل الجبهة حزبا سياسيا، ليضيف بعدا سياسيا ومؤسسيا إلى الصراع.

وزاد التوتر مع إعادة تشكيل المجلس التشريعي للإقليم وتعيين دبرصيون جبريميكائيل رئيسا إقليميا، بما أنهى عمليا الإدارة المؤقتة المنبثقة عن اتفاق بريتوريا الذي وضع حدا للحرب السابقة بين عامي 2020 و2022.

وترى الورقة أن اتساع المواجهات ليشمل تيغراي وأمهرة وعفر، مع احتمالات امتدادها إلى مناطق الأورومو والأوجادين وبني شنقول جوميز، يمنح الصراع خطورة إضافية. فالأمر لا يتعلق فقط بتعدد الجبهات، بل بمواقعها الاستراتيجية، من الطريق التجاري المؤدي إلى جيبوتي عبر إقليم عفر إلى منطقة بني شنقول المحاذية للسودان، حيث يقع سد النهضة.

وتشير إلى اختلاف مهم بين الحرب السابقة والمواجهة الحالية. ففي حرب 2020–2022 سعت جبهة تيغراي إلى السيطرة على مناطق حدودية قريبة من السودان لكسر الحصار المفروض عليها، بينما يستهدف التحالف الجديد طريق التجارة مع جيبوتي، الذي يمثل شريانا أساسيا للاقتصاد الإثيوبي.

ورغم اتساع الرقعة الجغرافية التي يتحرك فيها «تحالف البقاء»، فإن الورقة لا تتعامل مع هذا الاتساع باعتباره ضمانة لقوته. فالتناقضات بين مكوناته، وخصوصا الخلافات التاريخية بين جبهة تيغراي وقوات فانو الأمهرية حول المناطق المتنازع عليها، قد تحد من تماسكه وقدرته على تحويل الانتشار العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة.

ومن هذه الخلفية تنتقل الورقة إلى السؤال الإقليمي: لماذا توجه أديس أبابا اتهاماتها تحديدا إلى مصر والسودان وإريتريا، وما الذي يمكن أن تكسبه كل دولة أو تخسره من تطورات الحرب؟

عناصر من الشرطة الفيدرالية الإثيوبية بعد استئناف عملياتهم إثر تمكن القوات الحكومية من صد مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (الفرنسية)

إريتريا.. أخطر جبهات المواجهة

تمنح الورقة إريتريا موقعا مركزيا في تحليلها، وتعد الجبهة الإريترية الأخطر بالنسبة إلى إثيوبيا، بالنظر إلى تاريخ الصراع بين البلدين، وتشابك علاقاتهما بالقوى الإثيوبية الداخلية، والخلاف المتجدد بشأن الوصول إلى البحر الأحمر.

وتقسم العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا إلى ثلاث مراحل كبرى، بدأت باستقلال إريتريا عام 1993، ومرت بالتقارب الذي أعقب وصول آبي أحمد إلى الحكم عام 2018، وانتهت بالتدهور الذي أعقب اتفاق بريتوريا عام 2022.

فبعد استقلال إريتريا، تصاعدت الخلافات بين الحليفين السابقين حول العملة والحدود والموانئ. وفقدت إثيوبيا، باستقلال إريتريا، واجهتها البحرية على البحر الأحمر، بما فيها ميناءا عصب ومصوع، وتحولت إلى دولة حبيسة.

ثم اندلعت الحرب الحدودية بين عامي 1998 و2000 حول مثلث بادمي، وأسفرت، بحسب الورقة، عن مقتل نحو 100 ألف شخص. ورغم اتفاق الجزائر وقرار لجنة التحكيم بمنح بادمي لإريتريا، استمر الخلاف إلى أن جاء آبي أحمد وأقر بالقرار.

ومع وصوله إلى السلطة عام 2018، دخلت العلاقات مرحلة تقارب غير مسبوقة، شملت استعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود. وبلغ هذا التقارب ذروته خلال حرب تيغراي، عندما قدمت إريتريا دعما عسكريا ولوجستيا للحكومة الفيدرالية وقوات فانو، وشاركت وحدات من جيشها مباشرة في القتال ضد جبهة تيغراي.

وتفسر الورقة هذا الموقف بالعداء التاريخي بين أسمرا وجبهة تيغراي، ورغبة النظام الإريتري في إضعاف خصمه القديم، فضلا عن حساباته السياسية الداخلية وعلاقاته الجيدة آنذاك بآبي أحمد.

لكن التحالف لم يصمد بعد الحرب. فقد شعرت أسمرا بأن أديس أبابا استخدمتها لإضعاف جبهة تيغراي، ثم توصلت إلى اتفاق منفرد معها دون مراعاة مصالح حلفائها أو الخسائر التي تكبدوها.

وتعمقت الأزمة مع تصريحات آبي أحمد بشأن حاجة بلاده إلى منفذ بحري، خصوصا حديثه عن خسارة ميناء عصب باعتبارها «خطأ تاريخيا» ينبغي تصحيحه. وقد أعادت هذه التصريحات إلى الواجهة مخاوف إريترية تتعلق بالسيادة على الموانئ والاستقلال نفسه.

وتشير الورقة إلى أن أسمرا انتقلت من دعم الحكومة الإثيوبية ضد تيغراي إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع الجبهة، وتحديدا جناح دبرصيون جبريميكائيل. وتنقل عن تقارير إعلامية أن اتصالات جرت بين مسؤولين عسكريين من الجانبين، وصولا إلى اجتماع في أسمرا مطلع عام 2025 بحضور الرئيس أسياس أفورقي.

كما استمرت إريتريا، وفق الورقة، في دعم قوات فانو، التي دخلت في مواجهة مع الحكومة الفيدرالية بعد قرار دمج الميليشيات الإقليمية في الجيش الإثيوبي عام 2023.

وتبرز هنا إحدى أكثر مفارقات الصراع تعقيدا: القوى التي تحالفت في الحرب السابقة ضد تيغراي لم تعد تقف جميعها في المعسكر نفسه، بينما فتحت الخصومات القديمة المجال لتحالفات جديدة تفرضها حسابات المرحلة.

وعلى المستوى الخارجي، وسعت إريتريا تنسيقها مع مصر والصومال، ثم السودان، في مواجهة الطموحات الإثيوبية المرتبطة بالموانئ والبحر الأحمر. وتنقل الورقة عن مصادر إريترية أن هذا التنسيق يتجاوز العلاقات الدبلوماسية إلى الجوانب الأمنية والاستخباراتية وتطوير القدرات العسكرية.

وبذلك لا تعود المشكلة بين إثيوبيا وإريتريا مجرد خلاف حدودي قديم، بل تصبح مواجهة تتداخل فيها قضية الموانئ مع مستقبل النظام الإثيوبي، وعلاقاته بقوى المعارضة المسلحة، وترتيبات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي.

(FILES) Ethiopian Prime Minister Abiy Ahmed (L) and Eritrean President Isaias Afwerki (R) celebrate the opening of the Embassy of Eritrea in Ethiopia reopened following the official visit after twenty years, in Addis Ababa on July 16, 2018.
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي يحتفلان بإعادة افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا، في 16 يوليو/تموز 2018، بعد قطيعة استمرت عشرين عاما، في مرحلة التقارب التي تحولت لاحقا إلى مواجهة بين البلدين (الفرنسية)

السودان.. الفشقة وسد النهضة وحرب الدعم السريع

إذا كانت إريتريا تمثل الجبهة الأكثر خطورة، فإن السودان يمثل، بحسب الورقة، الجبهة الأقل احتمالا للتصعيد المباشر، رغم تراكم خلافاته مع أديس أبابا.

وتعود هذه المفارقة إلى أن الخرطوم تواجه حربها الداخلية الخاصة، وتدرك أن اتساع الحرب الإثيوبية قد يضيف أعباء أمنية وإنسانية إلى حدودها الشرقية، في وقت لا تزال فيه منشغلة بمواجهة قوات الدعم السريع.

وتستعرض الورقة تاريخ العلاقات السودانية الإثيوبية باعتباره تاريخا من التحالفات المتغيرة، لا تحكمه الاعتبارات الأيديولوجية وحدها، بل المصالح الأمنية والسياسية.

ففي عهد جعفر نميري، دعم السودان جبهة تحرير تيغراي ذات التوجهات الماركسية في مواجهة نظام منجستو الشيوعي، بينما دعمت إثيوبيا الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق. واستمر دعم الخرطوم لخصوم منجستو في عهد عمر البشير، رغم اختلاف التوجهات الأيديولوجية.

وشهدت العلاقات تحسنا بعد سقوط منجستو عام 1991، لكنها تدهورت عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 واتهام السودان بالتورط فيها.

وتضع الورقة النزاع الحدودي في منطقة الفشقة ضمن المحددات الدائمة للعلاقة. فرغم اتفاقية الحدود لعام 1902، لم يكتمل ترسيم الحدود ووضع العلامات بين البلدين، واستمرت المناوشات والتحركات العسكرية في مناطق زراعية مهمة للسودان.

وتشير إلى أن التوتر تصاعد عام 2020، عندما تحرك الجيش السوداني لاستعادة السيطرة على مناطق كانت تنشط فيها جماعات إثيوبية مسلحة، بالتزامن مع اندلاع حرب تيغراي.

وانعكس ذلك مباشرة على الموقف السوداني من سد النهضة. فبعد مرحلة اتسمت بمواقف أكثر تقاربا مع إثيوبيا، اقترب السودان من الموقف المصري، مطالبا باتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء السد وتشغيله، ومحذرا من المخاطر التي قد يتعرض لها سد الروصيرص والسكان المقيمون على ضفاف النيل الأزرق.

وتوضح الورقة أن العلاقات دخلت مرحلة أكثر تعقيدا بعد اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023.

فبينما أدت إثيوبيا سابقا دورا في دعم المرحلة الانتقالية السودانية، تتهمها الخرطوم حاليا بالانحياز إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي».

وتستند الورقة إلى تقرير لوكالة رويترز، نشر في فبراير/شباط 2026، بشأن وجود معسكر لتدريب قوات الدعم السريع داخل إثيوبيا قرب سد النهضة، مع اتهامات بتمويل إماراتي وتوفير معدات ومدربين ودعم لوجستي.

كما تتناول استقبال آبي أحمد لحميدتي في أديس أبابا، والاتهامات السودانية باستخدام الأراضي الإثيوبية في عمليات عسكرية بواسطة الطائرات المسيّرة.

وترى الورقة أن الموقف الإثيوبي من الحرب السودانية تحكمه عدة اعتبارات، منها الضغط على الخرطوم في ملفي الحدود وسد النهضة، وإضعاف التعاون المصري السوداني، وتوثيق العلاقات مع الإمارات.

لكن الاتهامات المتبادلة لم تتحول، حتى الآن، إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين.

فعندما اتهمت إثيوبيا السودان بدعم تحالف المعارضة المسلحة، نفت القوات المسلحة السودانية ذلك في بيان أصدرته في 27 سبتمبر/أيلول 2026، وأكدت التزامها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع توجيه اتهامات مضادة لأديس أبابا بمواصلة دعم قوات الدعم السريع.

وتفسر الورقة هذا الحذر السوداني بأن الخرطوم لا تريد إضافة حرب جديدة إلى الحرب التي تخوضها، ولا ترغب في تدفق موجات جديدة من اللاجئين إلى الولايات الشرقية، خصوصا القضارف.

ومع ذلك، فإن ضعف السيطرة على المناطق الحدودية قد يتيح لقوى تيغراي الاستفادة من الأراضي السودانية للحصول على الإمدادات أو التواصل مع العالم الخارجي، حتى دون قرار رسمي سوداني بتقديم الدعم.

وتنقل الورقة عن قيادي في جبهة تحرير تيغراي وصفه الوصول إلى السودان بأنه «مسألة حياة أو موت»، نظرا إلى أهمية الأراضي السودانية بوصفها عمقا استراتيجيا للإقليم.

وفي المقابل، لا تستبعد الورقة أن تستخدم الخرطوم التقارب الإقليمي مع مصر وإريتريا والصومال للضغط على إثيوبيا، خصوصا بعدما شارك عبد الفتاح البرهان في القمة الرباعية بمدينة العلمين في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وهكذا يصبح الموقف السوداني محكوما بمعادلة دقيقة: رفض الدعم الإثيوبي لقوات الدعم السريع، والسعي إلى تحسين الموقف التفاوضي بشأن الحدود والمياه، مع تجنب انهيار الاستقرار على الجانب الآخر من الحدود.

زيارة سابقة لـ «حميدتي» إلى إثيوبيا، في مشهد يرتبط بما تتناوله الورقة من اتهامات سودانية لأديس أبابا بدعم قوات الدعم السريع، وتأثير ذلك في تدهور العلاقات بين البلدين
زيارة سابقة لـ «حميدتي» إلى إثيوبيا، في مشهد يرتبط بما تتناوله الورقة من اتهامات سودانية لأديس أبابا بدعم قوات الدعم السريع، وتأثير ذلك في تدهور العلاقات بين البلدين (أرشيفية-نيوز عربي)

مصر.. تطويق النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر

تخصص الورقة مساحة واسعة للموقف المصري، الذي ترده إلى محددين رئيسيين: الأمن المائي، والرغبة في الحد من النفوذ الإقليمي لإثيوبيا.

وتبدأ من الجغرافيا المائية، مشيرة إلى أن الهضبة الإثيوبية تسهم بنحو 85% من إيراد مياه النيل عند أسوان، وأن النيل الأزرق وحده يوفر النسبة الأكبر من هذه المياه. ومن ثم فإن علاقة مصر بإثيوبيا ليست قضية دبلوماسية عابرة، بل ترتبط بأحد أهم عناصر الأمن القومي المصري.

وتعود الورقة إلى التاريخ لتتبع جذور هذه الحساسية، من التوسع المصري في السودان خلال عهد محمد علي، إلى محاولات الخديوي إسماعيل تعزيز النفوذ المصري على سواحل البحر الأحمر وفي مناطق القرن الأفريقي، وما أعقب ذلك من مواجهات عسكرية مع الحبشة في القرن التاسع عشر.

ثم تنتقل إلى القرن العشرين، حيث ظل ملف مياه النيل حاضرا في حسابات القاهرة وأديس أبابا.

وتشير إلى أن مصر سعت إلى الحفاظ على حقوقها المائية عبر الاتفاقيات القانونية، وفي مقدمتها اتفاقية 1959 مع السودان، التي حددت حصة مصر بنحو 55.5 مليار متر مكعب سنويا، مقابل 18.5 مليار متر مكعب للسودان.

وفي الوقت نفسه، اتبعت القاهرة، وفق ما تعرضه الورقة، سياسات لاحتواء النفوذ الإثيوبي، شملت دعم قوى معارضة أو إقامة علاقات وثيقة مع دول الجوار، وخصوصا إريتريا.

وتستعرض الورقة مراحل من هذه السياسة، بدءا من العلاقات مع المعارضة الإريترية في عهد عبد الناصر، مرورا بمواقف السادات خلال الصراعات الإقليمية في السبعينيات، وصولا إلى الخلافات التي تصاعدت مع إعلان إثيوبيا بناء سد النهضة عام 2011.

وتؤكد أن القاهرة اعتمدت، في ملف السد، على المسار التفاوضي والقانوني، وتمسكت بضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن الملء والتشغيل، مع رفض الإجراءات الأحادية التي قد تضر بحقوقها المائية.

وتتناول الورقة أسباب استبعاد الخيار العسكري المصري لضرب السد، ومنها غياب الحدود المشتركة بين البلدين، والتعقيدات الجغرافية والسياسية، والمشاركة الدولية في إنشاء السد، إلى جانب تقديرات الباحث بشأن القدرات العسكرية المطلوبة لتنفيذ عملية من هذا النوع.

وفي المقابل، تعرض الاتهامات الإثيوبية السابقة لمصر بدعم جماعات معارضة، خصوصا في إقليم أوروميا، مع الإشارة إلى النفي المصري لهذه الاتهامات.

لكن الخلاف لم يبق محصورا في مياه النيل.

فمع إعلان إثيوبيا سعيها إلى الحصول على منفذ بحري، انتقلت المنافسة إلى البحر الأحمر وخليج عدن، اللذين يمثلان أهمية خاصة للأمن القومي المصري ولحركة التجارة عبر قناة السويس.

وتتناول الورقة مذكرة التفاهم التي أبرمتها إثيوبيا مع أرض الصومال مطلع عام 2024، للحصول على منفذ بحري بطول 20 كيلومترا، يتضمن ترتيبات مرتبطة بميناء بربرة وقاعدة عسكرية.

وترى أن القاهرة تعاملت مع هذا التطور باعتباره محاولة إثيوبية لتوسيع نفوذها البحري، بعدما أصبحت إثيوبيا منافسا أساسيا لها في ملف مياه النيل.

ومن هنا تفسر الورقة التحرك المصري لتوثيق العلاقات مع الصومال وإريتريا وجيبوتي.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2024، تشكلت آلية للتعاون الثلاثي بين مصر والصومال وإريتريا، بهدف تعزيز التنسيق بشأن الأمن الإقليمي والبحر الأحمر.

كما رفعت القاهرة مستوى العلاقات مع مقديشو إلى الشراكة الاستراتيجية، ووقعت اتفاقيات للتدريب العسكري والدعم اللوجستي، وأعلنت المشاركة في قوات حفظ السلام الدولية في الصومال.

أما مع إريتريا، فقد شهدت العلاقات دفعة جديدة مع زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أسمرا، واستئناف التعاون والتدريب، وتطوير التنسيق الأمني.

وامتدت التحركات المصرية إلى جيبوتي، التي تعتمد عليها إثيوبيا في مرور معظم تجارتها الخارجية. وتعرض الورقة أوجه التعاون بين القاهرة وجيبوتي في النقل الجوي والطاقة المتجددة والمصارف والخدمات الفنية.

وتشير أيضا إلى الموقف المصري الرافض لمشاركة دول غير مطلة على البحر الأحمر في ترتيبات حوكمته، وهو موقف فهم باعتباره موجها إلى الطموحات الإثيوبية.

وتخلص الورقة في هذا الجانب إلى أن مصر استطاعت، حتى الآن، الحد من المساعي الإثيوبية للحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر، دون أن يعني ذلك تخلي أديس أبابا عن أهدافها.

أما في التطورات الأخيرة، فقد عاد ملف سد النهضة إلى واجهة الخلاف بعد حديث إثيوبيا عن خطط لبناء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق، بسعة إجمالية تبلغ 138 مليار متر مكعب.

وتشير الورقة إلى تشدد الموقف المصري، بما في ذلك تصريحات وزير الري هاني سويلم في سبتمبر/أيلول 2026، التي وصف فيها سد النهضة بأنه «غير شرعي»، وأكد حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي.

ورغم هذا التصعيد، تنقل الورقة عن وزير الخارجية بدر عبد العاطي نفيه، في 3 أكتوبر/تشرين الأول، أي علاقة لمصر بالصراع الداخلي الإثيوبي، وتأكيده أن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول من ثوابت السياسة الخارجية المصرية.

كما رفضت القاهرة اتهامات رئيس الأركان الإثيوبي برهانو جولا لها بدعم المعارضة المسلحة، واعترضت على إدراج اسمها في بيان لمفوضية الاتحاد الأفريقي تناول التوترات المحيطة بإثيوبيا.

وتربط الورقة بين هذه المواقف وبين توسيع التنسيق الإقليمي، الذي تجسد في القمة الرباعية بمدينة العلمين، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال.

وتشير إلى أن التطورات الداخلية الإثيوبية قد تمنح القاهرة فرصة لتحسين موقفها التفاوضي في ملف سد النهضة، أو دفع أديس أبابا إلى إعادة النظر في خططها لبناء سدود جديدة.

لكن الباحث يشدد على أن المصلحة المصرية تكمن في إضعاف قدرة إثيوبيا على فرض إجراءات أحادية، لا في تفكيك الدولة الإثيوبية؛ لأن التفكك سيؤدي إلى تعدد مراكز القرار، ويجعل التوصل إلى اتفاقات ملزمة بشأن المياه أكثر صعوبة.

قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال خلال القمة الرباعية في العلمين، التي تناولت التنسيق الإقليمي في مواجهة التوترات مع إثيوبيا، في ظل الخلافات بشأن سد النهضة والحدود والموانئ وأمن البحر الأحمر
قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال خلال القمة الرباعية في العلمين، التي تناولت التنسيق الإقليمي في مواجهة التوترات مع إثيوبيا، في ظل الخلافات بشأن سد النهضة والحدود والموانئ وأمن البحر الأحمر (منصات التواصل)

إضعاف إثيوبيا دون تفكيكها.. معادلة الجوار في المرحلة المقبلة

تجمع خاتمة الورقة خيوط العلاقات الثلاث في إطار واحد، يقوم على التمييز بين مصلحة دول الجوار في الحد من الضغوط الإثيوبية، ومصلحتها الأوسع في استمرار الدولة الإثيوبية واستقرار مؤسساتها.

فإريتريا تريد حماية سيادتها على موانئ البحر الأحمر، ومنع أديس أبابا من تحويل مطلب الوصول إلى البحر إلى تهديد مباشر لاستقلالها.

والسودان يريد وقف ما يعده دعما إثيوبيا لقوات الدعم السريع، وحماية حدوده الشرقية، وتحسين موقفه بشأن الفشقة وسد النهضة، دون تحمل أعباء انهيار جديد في جواره.

أما مصر فتسعى إلى حماية أمنها المائي، ومنع الإجراءات الإثيوبية الأحادية، والحد من تمدد النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتلاحظ الورقة أن هذه المصالح المتباينة تلتقي عند نقطة مشتركة، هي استفادة الدول الثلاث من انشغال أديس أبابا بأزماتها الداخلية، بما قد يدفعها إلى مراجعة سياساتها الخارجية والتخفيف من حدة خلافاتها مع جيرانها.

لكنها تميز بين الضعف السياسي الذي قد يفتح مجالا للتفاوض، والانهيار الذي قد يؤدي إلى تفكك المؤسسات وانتشار الصراعات الإثنية والحدودية.

وترجح الورقة أن المواجهات الأخيرة قد تفرض على آبي أحمد مراجعة بعض توجهاته الخارجية، وربما العودة إلى سياسة «صفر مشكلات» التي أعلنها عند وصوله إلى السلطة عام 2018.

كما تطرح الحاجة إلى إعادة النظر في إدارة الداخل الإثيوبي، وخصوصا تنفيذ اتفاق بريتوريا، وحسم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، ومراجعة الاتجاه نحو المركزية الذي قد يؤدي، بحسب الباحث، إلى استمرار حركات التمرد وتجددها.

ولا تتوقع الورقة بالضرورة اندلاع حرب مباشرة بين إثيوبيا وجيرانها الثلاثة، لكنها تحذر من أن الخلافات الإقليمية يمكن أن تؤدي دورا في تأجيج الصراع الداخلي، حتى عندما تتمسك الحكومات رسميا بمبدأ عدم التدخل.

وتنتهي بذلك إلى أن مستقبل الأزمة الإثيوبية لن يتحدد فقط بنتائج المعارك بين الحكومة والمعارضة المسلحة، وإنما أيضا بقدرة أديس أبابا على إعادة ترتيب علاقاتها مع الدول المحيطة بها، والتوصل إلى تسويات بشأن المياه والحدود والموانئ، وإيجاد صيغة داخلية للحكم تقلل احتمالات تجدد الصراعات.

والمفارقة التي تحكم المشهد، كما ترسمها الورقة، أن جيران إثيوبيا قد يجدون في تراجع قوتها فرصة لمعالجة خلافاتهم معها، لكنهم قد يكونون أول المتضررين إذا تجاوز هذا التراجع حدود إضعاف النظام إلى تفكك الدولة نفسها.

______________

للاطلاع على الدراسة كاملة (اضغط هنا)

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678