• Home  
  • إريتريا أفورقي.. ثلاثون عاما من الاستقلال والحرب | سياسة
- أخر الأخبار - سياسة

إريتريا أفورقي.. ثلاثون عاما من الاستقلال والحرب | سياسة

في يوليو/تموز 2018، استقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة أسمرا، لينهي قطيعة استمرت نحو 20 عاما بين البلدين، منذ…

في يوليو/تموز 2018، استقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في العاصمة أسمرا، لينهي قطيعة استمرت نحو 20 عاما بين البلدين، منذ حرب حدودية قُتل فيها عشرات الآلاف. وبعد عام، نال آبي أحمد جائزة نوبل للسلام لمبادرته في حل النزاع الحدودي مع إريتريا، بينما بدا أن أفورقي، الذي قاد حرب استقلال إريتريا عن إثيوبيا، نجح أخيرا في تسوية أحد أبرز الصراعات التي لازمت مسيرته السياسية.

لكن المصالحة لم تصمد طويلا. فقد تحالف الرجلان خلال حرب تيغراي التي اندلعت عام 2020، وشاركت القوات الإريترية في العمليات العسكرية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، قبل أن تتباعد مواقف أسمرا وأديس أبابا عقب توقيع اتفاق بريتوريا عام 2022. ثم تصاعد الخلاف مع إعلان آبي أحمد سعيه إلى منفذ بحري، وسط مخاوف إريترية من تطلعه إلى ميناء عصب الإريتري، الذي يبعد نحو 70 كيلومترا عن الحدود الإثيوبية. وفي أواخر سبتمبر/أيلول 2026، تجدد القتال في تيغراي بين القوات الإثيوبية وتحالف تتصدره الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، واتهمت أديس أبابا أسمرا بدعمه. وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول قطع البلدان علاقاتهما الدبلوماسية، ثم أفاد شهود بوجود قوات إريترية داخل تيغراي، فأبلغت إثيوبيا مجلس الأمن أنها تمارس حق الدفاع عن النفس، بينما نفت أسمرا أي توغل ووصفت الخطوة الإثيوبية بأنها إعلان حرب. وفي 13 أكتوبر/تشرين الأول، استعادت القوات الإثيوبية بلدة زالامبيسا الواقعة على الحدود مع إريتريا.

قصص مقترحة

لم تكن هذه التحولات استثناء في مسيرة أفورقي الذي أمضى معظم حياته منخرطا في الحروب والصراعات، فقد التحق بالكفاح المسلح ضد الحكم الإثيوبي في شبابه، ثم برز قائدا للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، التي سيطرت على البلاد عام 1991، قبل إعلان استقلالها عام 1993. ومنذ ذلك الحين، احتفظ برئاسة الدولة، ليصبح أحد أطول الرؤساء بقاء في السلطة في أفريقيا.

وبعد أكثر من 3 عقود على الاستقلال، تقف إريتريا على حافة حرب مفتوحة مع جارتها الأكبر، في عام بلغ فيه أفورقي الثمانين من عمره، في دولة لم تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية منذ استقلالها. ولفهم هذين التحديين، يتتبع هذا المقال مسيرة أفورقي منذ سنوات الكفاح المسلح، وطريقته في إدارة الحكم والتحالفات الإقليمية، وأثر خياراته في تشكيل مسار إريتريا ومستقبلها.

أسياس أفورقي (يمين) وآبي أحمد في افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا عام 2018، قبل أن يقطع البلدان علاقاتهما في أكتوبر/تشرين الأول 2026 (الفرنسية)

النشأة والتكوين

وُلد أسياس أفورقي في أسمرا عام 1946، في ظل الاحتلال البريطاني لإريتريا (1941-1952)، التي أعقبت هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1952، دخلت إريتريا في اتحاد فيدرالي مع إثيوبيا بموجب قرار للأمم المتحدة، قبل أن ينهي الإمبراطور هيلا سيلاسي هذا الاتحاد ويضم إريتريا إلى بلاده عام 1962. وقد نشأ أفورقي في ظل هذه التطورات، التي شهدت تراجع الحكم الذاتي الإريتري وتصاعد المعارضة للسيطرة الإثيوبية.

ينتمي أفورقي إلى مجتمع المرتفعات الإريترية الناطق بلغة التيغرينية، الذي يدين معظم سكانه بالمسيحية الأرثوذكسية. وتلقى تعليمه في أسمرا، حيث نشطت الحركة الطلابية المعارضة للحكم الإثيوبي في الستينيات، قبل أن يلتحق عام 1965 بكلية الهندسة في جامعة هيلا سيلاسي الأولى (جامعة أديس أبابا حاليا)، لكنه تركها في العام التالي للانضمام إلى جبهة التحرير الإريترية التي تأسست عام 1960 وبدأت الكفاح المسلح ضد القوات الإثيوبية عام 1961.

ارتبطت نشأة الجبهة بالمناطق المنخفضة ذات الأغلبية المسلمة، قبل أن يتسع نشاطها وينضم إليها مقاتلون من المرتفعات المسيحية. ومع تنوع خلفيات أعضائها، ظهرت خلافات دينية واجتماعية وفكرية. فقد اعترض عدد من المجندين الشباب، ومن بينهم أفورقي، على أسلوب قيادة الجبهة، معتبرين أن تنظيمها لا يستجيب لمتطلبات حرب التحرير، فيما اتهم بعض المقاتلين المسيحيين القيادة بالتمييز ضدهم. وأسهمت هذه الخلافات في ظهور تيارات تطالب بتغيير أساليب القيادة.

Young men and women undergo military training at an Eritrean People's Liberation Front (EPLF) camp in the highlands of northern Eritrea, Ethiopia, 18th June 1978. (Photo by Alex Bowie/Getty Images)
شباب وشابات يخضعون لتدريب عسكري في معسكر تابع للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) عام 1978 (غيتي)

وخلال هذه المرحلة، أُرسل أفورقي عام 1967 إلى الصين لتلقي تدريب عسكري وأيديولوجي، بالتزامن مع الثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ، وأتاحت له هذه التجربة الاطلاع على أساليب التنظيم الثوري والحرب الشعبية القائمة على بناء تنظيم سياسي منضبط يوجه العمل العسكري، ولا يقتصر دوره على إدارة العمليات القتالية. وفي برقية دبلوماسية أميركية تعود إلى عام 2008، ونشرها موقع ويكيليكس، ينقل السفير الأميركي في أسمرا عن نظيره الصيني قوله إن أفورقي “تعلم كل الأشياء الخاطئة” في الصين، في إشارة إلى أثر التجربة الصينية في تصوراته عن القيادة والسلطة.

وفي مطلع السبعينيات، انفصلت عن جبهة التحرير الإريترية جماعات من المقاتلين، من أبرزها التيار الذي شارك أفورقي في قيادته، قبل أن تنضوي هذه الجماعات تحت راية الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا. وقد ضمت الجبهة الجديدة مقاتلين من خلفيات قومية ودينية مختلفة، وجاءت قيادتها في معظمها من أبناء المرتفعات الناطقين بالتيغرينية. وتطورت الخلافات بين الجبهتين إلى مواجهات مسلحة متقطعة طيلة السبعينيات ومطلع الثمانينيات، انتهت عام 1981 بهزيمة جبهة التحرير الإريترية وانسحاب قواتها نحو السودان، فأصبحت الجبهة الشعبية القوة العسكرية والسياسية الرئيسية في الساحة الإريترية.

أسياس أفورقي، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا آنذاك، يعقد مؤتمرا صحفيا عام 1991
أسياس أفورقي، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا آنذاك، يعقد مؤتمرا صحفيا عام 1991 (الفرنسية)

صعود أفورقي إلى قيادة الجبهة الشعبية

بنت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا خلال سنوات الكفاح المسلح مؤسسات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتولت تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان، وتدريب المقاتلين وإدارة العمليات العسكرية. وفي داخل الجبهة، نشأ تنظيم سري عُرف باسم “الحزب الثوري الشعبي الإريتري”، تولى توجيه عملها، رغم أن معظم المقاتلين لم يكونوا على علم بوجوده. وقد حُل هذا التنظيم عام 1989، ثم كشف أفورقي عنه في المؤتمر الثالث للجبهة عام 1994، موضحا أنه عمل بوصفه طليعة ثورية تقود التنظيم الأكبر خلال سنوات الحرب. وحصر هذا النمط القرار في دائرة ضيقة داخل الجبهة.

وعلى صعيد العلاقات مع الحركات الإثيوبية المعارضة، شهدت العلاقة بين الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في شمال إثيوبيا فترات من التعاون والخلاف. فقد تأسست جبهة تيغراي عام 1975 بمساعدة الجبهة الشعبية الإريترية، لكن الطرفين اختلفا حول طبيعة الدولة المنشودة وحق تقرير المصير. فبينما تبنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تصورا يقوم على الاعتراف بالقوميات وحقها في الانفصال، فإن الجبهة الشعبية الإريترية اعتبرت أن استقلال إريتريا يستند إلى وضعها التاريخي والقانوني بوصفها مستعمرة سابقة، وأن بناء الدولة الوطنية ينبغي أن يتجاوز الانقسامات الإثنية الداخلية.

وامتدت الخلافات إلى الإستراتيجية العسكرية والعلاقات مع القوى الإثيوبية المعارضة لنظام منغستو هيلا مريام، حتى انقطعت العلاقات بين الجبهتين بين عامي 1985 و1988. ومع ذلك، فرضت متطلبات الحرب ضد خصم مشترك استئناف التعاون بينهما، بعدما أصبح نجاح كل طرف مرتبطا بإضعاف الجيش الإثيوبي. وأسهم هذا التقارب في انتصارات الحركتين خلال السنوات الأخيرة من حكم منغستو.

بالتزامن مع هذه التطورات، شهد المؤتمر الثاني للجبهة الشعبية عام 1987 تغييرات في القيادة، تولى فيها أسياس أفورقي منصب الأمين العام، فأصبح الشخصية الأبرز في التنظيم خلال المرحلة الأخيرة من حرب الاستقلال. وفي فبراير/شباط 1990، تمكنت قوات الجبهة من السيطرة على مدينة مصوع ومينائها، ما أضعف قدرة الجيش الإثيوبي على إمداد قواته في إريتريا. وعلى مدار الأشهر التالية، واصلت الجبهة تقدمها نحو أسمرا، بالتزامن مع تقدم قوات الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، التي كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أبرز مكوناتها، نحو أديس أبابا. وفي مايو/أيار 1991، سيطرت الحركتان على العاصمتين، وانتهى حكم منغستو، لتصبح الجبهة الشعبية القوة الحاكمة في إريتريا.

وبذلك وصل أفورقي إلى السلطة بعد نحو ربع قرن داخل حركة مسلحة. ومع انتهاء الحرب، انتقلت الجبهة الشعبية من إدارة المناطق المحررة إلى إدارة الدولة الجديدة، محتفظة ببنيتها التنظيمية وأساليب القيادة التي تشكلت خلال سنوات النضال.

أسياس أفورقي -الأمين العام للحكومة المؤقتة في إريتريا آنذاك- يدلي بصوته في استفتاء الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993
أسياس أفورقي -الأمين العام للحكومة المؤقتة في إريتريا آنذاك- يدلي بصوته في استفتاء الاستقلال عن إثيوبيا عام 1993 (الفرنسية)

الاستقلال وبناء النظام

في أبريل/نيسان 1993، شارك الإريتريون في استفتاء على الاستقلال عن إثيوبيا بإشراف الأمم المتحدة، وصوت 99.8% منهم لصالح الانفصال. وأُعلنت النتيجة والاستقلال في 27 أبريل/نيسان، ثم انتخبت الجمعية الوطنية أفورقي رئيسا للدولة قبل الاحتفال الرسمي بالاستقلال في 24 مايو/أيار. وحظيت القيادة الجديدة بتأييد شعبي، استفادت فيه من الانتصار الذي حققته، ومن التوقعات بإعادة بناء البلاد بعد سنوات الحرب الطويلة.

وفي فبراير/شباط 1994، عقدت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا مؤتمرها الثالث، وغيرت اسمها إلى “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، التي صارت عمليا الحزب الوحيد في البلاد. وأقر المؤتمر ميثاقا وطنيا حدد 6 أهداف للدولة الجديدة، شملت الانسجام الوطني، والديمقراطية السياسية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعدالة الاجتماعية، والإحياء الثقافي، والتعاون الإقليمي والدولي. وقد جسدت هذه المبادئ رؤية الجبهة لبناء دولة تتجاوز الانقسامات الدينية والإثنية.

وفي مايو/أيار 1997، أقرت جمعية تأسيسية دستورا جديدا نص على إنشاء مؤسسات دستورية وتنظيم الحقوق والحريات والسلطات العامة، وكان من المفترض أن يمهد لإجراء انتخابات. غير أن الدستور لم يدخل حيز التنفيذ، ولم تُجر انتخابات، واستمر أفورقي في الحكم منذ ذلك الحين.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي خلال مؤتمر صحفي في أسمرا (يونيو/حزيران 1998)، في أعقاب الغارات الجوية الإثيوبية على مطار العاصمة
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي خلال مؤتمر صحفي في أسمرا (يونيو/حزيران 1998)، في أعقاب الغارات الجوية الإثيوبية على مطار العاصمة (الفرنسية)

ولم تواجه هذه التطورات معارضة في سنوات الاستقلال الأولى، فقد اعتبر كثير من الإريتريين أن إعادة بناء الدولة والاقتصاد تتطلب الاستقرار واستمرار القيادة التي حققت الاستقلال. لكن الفجوة بين الأهداف السياسية وواقع ممارسة السلطة أثارت خلافات داخل النخبة الحاكمة، خصوصا مع اندلاع الحرب مع إثيوبيا عام 1998، وما ترتب عليها من خسائر بشرية واقتصادية. فقد طرحت الحرب تساؤلات بشأن طريقة اتخاذ القرارات السياسية والعسكرية، وحدود صلاحيات الرئيس، ودور مؤسسات الحزب والدولة في مراجعة السياسات العامة.

وبعد انتهاء الحرب عام 2000، بدأت الأصوات تتعالى للمطالبة بإصلاح نظام الحكم. ففي أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، أصدر 13 من المثقفين الإريتريين المقيمين في الخارج وثيقة عُرفت باسم “بيان برلين”، انتقدوا فيها تزايد النزعة الفردية في الحكم، ثم التقوا أفورقي في أسمرا في نوفمبر/تشرين الثاني لعرض مطالبهم. وفي مايو/أيار 2001، وقع 15 عضوا من المجلس المركزي للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة رسالة طالبوا فيها بعقد اجتماع للمجلس لمناقشة السياسات العامة وتطبيق الدستور، وانتقدوا تركيز السلطة في يد أفورقي، لكن الرئيس رفض مطالبهم، واعتبر أن نشر الخلافات الداخلية يمثل خروجا على قواعد الانضباط.

وفي سبتمبر/أيلول 2001، اعتقلت السلطات 11 من أعضاء المجموعة، من أبرزهم بتروس سولومون، الذي سبق أن تولى وزارتي الدفاع والخارجية، ووزير الخارجية السابق هايلي ولد تنسائي، وأغلقت في الحملة نفسها الصحف الخاصة. وظل المعتقلون محتجزين دون محاكمات، وتتحدث منظمة العفو الدولية عن تقارير متواترة، لم يتسن التحقق منها، عن وفاة عدد منهم في السجن، فيما تأجلت الانتخابات إلى أجل غير مسمى. وقد أنهت هذه الإجراءات محاولة الإصلاح التي قادتها شخصيات من داخل النخبة الحاكمة، وأظهرت أن المكانة التي اكتسبها قادة الجبهة خلال حرب التحرير لم تعد توفر لهم حماية عند اختلافهم مع الرئيس بشأن إدارة الدولة.

آلاف من العمال الإريتريين وأمهات الجنود في مسيرة من أجل السلام في اليوم الحادي عشر من تجدد القتال مع إثيوبيا
آلاف من العمال الإريتريين وأمهات الجنود في مسيرة من أجل السلام في اليوم الحادي عشر من تجدد القتال مع إثيوبيا (الفرنسية)

حرب بادمي

في مطلع مايو/أيار 1998، وقعت مناوشات بين دوريات إريترية وإثيوبية قرب بادمي، القرية الحدودية التي يسكنها بضعة آلاف، ثم هاجمتها القوات الإريترية في 12 مايو/أيار، وسرعان ما تحولت المواجهات إلى حرب طاحنة استمرت عامين، وقُتل فيها ما بين 70 و100 ألف شخص بحسب التقديرات المختلفة.

كان الخلاف حول بادمي شرارة الحرب، لكن جذورها كانت تعود إلى تراكم خلافات حدودية واقتصادية وسياسية لم تُحسم بعد استقلال إريتريا. فقد استند تحديد الحدود بين البلدين إلى معاهدات وقعتها إيطاليا وإثيوبيا أعوام 1900 و1902 و1908 دون أن تُرسم على الأرض، وظلت مناطق شاسعة على جانبي الحدود خاضعة لترتيبات إدارية متداخلة. وفي سنوات الاستقلال الأولى، لم تحظ هذه المسألة باهتمام كبير، في ظل العلاقات الودية بين الحكومتين، وحرية انتقال السكان والبضائع، لكن غياب اتفاق محدد أتاح لكل طرف التمسك بتفسير مختلف للمعاهدات الاستعمارية.

ومثلت بادمي نموذجا لهذه الخلافات، إذ خضعت للإدارة الإثيوبية قبل الحرب، واستخدمت عملة البير، بينما اعتبرت إريتريا أن المعاهدات الاستعمارية تثبت تبعيتها لها. وتزامن النزاع الحدودي مع تدهور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بعدما استمرت إريتريا في استخدام البير الإثيوبي عقب الاستقلال، ما جعل سياستها النقدية مرتبطة بأديس أبابا. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1997، أصدرت أسمرا عملتها الوطنية “النكفا”، ما أثار خلافات بشأن التبادل التجاري وتسوية المدفوعات، كما حدثت توترات حول استخدام إثيوبيا ميناء عصب، الذي كان يمثل منفذا رئيسيا لتجارتها الخارجية، بعدما أصبحت دولة حبيسة نتيجة استقلال إريتريا.

جنود إثيوبيون في موقع عسكري يطل على بلدة بادمي المتنازع عليها قرب الحدود مع إريتريا
جنود إثيوبيون في موقع عسكري يطل على بلدة بادمي المتنازع عليها قرب الحدود مع إريتريا (الفرنسية)

ومع اندلاع الحرب، تدخلت الولايات المتحدة ورواندا، ثم منظمة الوحدة الأفريقية، لمحاولة التوصل إلى تسوية. وفي سبتمبر/أيلول 1998، أوفد الرئيس الأميركي بيل كلينتون مستشار الأمن القومي السابق أنتوني ليك مبعوثا خاصا إلى المنطقة، لكن جهود الوساطة تعثرت بسبب الخلافات حول الانسحاب من المناطق المتنازع عليها.

واستؤنفت المعارك في فبراير/شباط 1999، حين تمكنت القوات الإثيوبية من استعادة بادمي، كما شنت في مايو/أيار 2000 هجوما واسع النطاق اخترقت خلاله خطوط الدفاع الإريترية وتوغلت داخل أراضيها، وسيطرت على مناطق في الجبهتين الغربية والوسطى، ما أدى إلى تغيير ميزان القوى العسكري، ودفع الطرفين إلى استئناف المفاوضات في الجزائر، حيث وقعا اتفاقا لوقف الأعمال العدائية في يونيو/حزيران 2000، ثم وقعا اتفاق السلام الشامل في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

ونص اتفاق السلام على إنشاء لجنة مستقلة تتولى تحديد الحدود وترسيمها، على أن يكون قرارها نهائيا وملزما للطرفين، إلى جانب تشكيل لجنة للنظر في مطالبات التعويض عن أضرار الحرب. كما أُنشئت منطقة أمنية مؤقتة منزوعة السلاح بعمق 25 كيلومترا داخل الأراضي الإريترية، تتولى مراقبتها بعثة للأمم المتحدة أقر مجلس الأمن نشرها بقوة يصل قوامها إلى 4 آلاف و200 عسكري. وفي أبريل/نيسان 2002، أصدرت لجنة الحدود قرارها، ولم يسم بادمي صراحة، فادعى كل طرف أنه كسب، قبل أن تؤكد اللجنة في مارس/آذار 2003 أن البلدة تقع في الجانب الإريتري. واعترضت أديس أبابا على تنفيذ القرار وطالبت بمراجعته، معتبرة أنه لا يراعي بعض الاعتبارات القانونية والإنسانية. وفي المقابل، تمسكت أسمرا بالطابع الملزم للحكم، ورفضت الدخول في مفاوضات بشأن أي قضايا أخرى قبل تنفيذه.

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (يسار) ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي يتصافحان عقب توقيع اتفاق السلام في الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2000
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (يسار) ورئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي يتصافحان عقب توقيع اتفاق السلام في الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2000 (رويترز)

واختلف الطرفان في تقييم نتائج الحرب، فاعتبرت إثيوبيا أنها حققت انتصارا بعدما أجبرت القوات الإريترية على الانسحاب من المناطق التي دخلتها، بينما رأت إريتريا أنها حافظت على استقلالها وسيطرتها على ميناء عصب، وحصلت على اعتراف بأحقيتها في بادمي. أما لجنة المطالبات، فخلصت عام 2005 إلى أن الهجوم الإريتري في مايو/أيار 1998 انتهك ميثاق الأمم المتحدة، مع أن لجنة الحدود وضعت بادمي في الجانب الإريتري. وأسهم هذا التباين في استمرار العداء، فتمسك كل طرف بموقفه، ودعمت كل حكومة الجماعات المسلحة المعارضة للطرف الآخر.

ومع استمرار رفض إثيوبيا تنفيذ قرار ترسيم الحدود، أعلنت اللجنة في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 الترسيم باستخدام الإحداثيات الجغرافية، بعد تعذر وضع العلامات على الأرض. وفي العام التالي، تصاعدت الخلافات بين إريتريا وبعثة الأمم المتحدة، بعدما فرضت أسمرا قيودا على تحركاتها وإمداداتها من الوقود، ما أدى إلى انسحاب البعثة وإنهاء مهمتها في يوليو/تموز 2008. وبذلك، انتهى الوجود الدولي الذي تولى مراقبة وقف إطلاق النار.

رافق الحرب نزوح مئات الآلاف من السكان، وطرد جماعي طال نحو 75 ألف شخص من أصل إريتري في إثيوبيا، فيما غادر نحو 70 ألف إثيوبي إريتريا طردا أو تحت الضغط، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، فضلا عن تعطيل التجارة وإغلاق الحدود وتوجيه موارد كبيرة إلى الإنفاق العسكري. وفي إريتريا، أسهم استمرار التهديد الإثيوبي في إبقاء البلاد في حالة تعبئة، وأصبح النزاع الحدودي أحد المبررات التي استندت إليها الحكومة لتأجيل أي إصلاحات.

إريتريون يصطفون للحصول على المياه في مخيم لافا للاجئين شرقي السودان بعد فرارهم من الحرب مع إثيوبيا عام 2000
إريتريون يصطفون للحصول على المياه في مخيم لافا للاجئين شرقي السودان بعد فرارهم من الحرب مع إثيوبيا عام 2000 (الفرنسية)

التعبئة الدائمة

بعد استقلال إريتريا، أنشأت الحكومة نظاما للخدمة الوطنية، نظمه الإعلان رقم 82 لعام 1995، يقوم على إلزام الرجال والنساء بين 18 و40 عاما بأداء 18 شهرا من الخدمة تشمل ستة أشهر من التدريب العسكري و12 شهرا من الخدمة العسكرية أو أعمال التنمية، مع امتداد الالتزامات القانونية إلى سن الخمسين، بهدف المساهمة في إعادة بناء البلاد بعد سنوات الحرب، وتعزيز الوحدة الوطنية بين سكان ينتمون إلى إثنيات وأديان مختلفة.

وبين عامي 1994 و1998، نُفذت عدة دورات للتجنيد وفق هذا النظام، ثم تغير مع اندلاع الحرب مع إثيوبيا، إذ استدعت الحكومة أعدادا كبيرة من المجندين والاحتياط، وجرى تمديد الخدمة الوطنية إلى أجل غير محدد، واستمر العمل بهذا الترتيب بعد انتهاء الحرب، ما أتاح لإريتريا الاحتفاظ بقوات عسكرية ضخمة قياسا إلى عدد سكانها، الذي تقدره الأمم المتحدة بنحو 3.6 ملايين نسمة، ويقدره مكتب الإحصاء الأميركي بنحو 6.4 ملايين، إذ لم تُجر البلاد تعدادا للسكان قط. وبحسب تقديرات تقرير “التوازن العسكري” الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، بلغ عدد العسكريين والاحتياط نحو 320 ألف شخص، بينهم قرابة 200 ألف في القوات النظامية و120 ألفا في الاحتياط.

وامتدت الخدمة الوطنية إلى العمل في المؤسسات الحكومية والمشروعات الاقتصادية والإنشائية والزراعية. وأتاح ذلك للحكومة الاعتماد على أعداد كبيرة من المجندين في تنفيذ الأشغال العامة، لكنه قلص قدرة الشباب على اختيار وظائفهم أو الانتقال إلى سوق العمل المدني، كما أدى إلى تعطيل خطط الزواج ومتابعة التعليم والعمل.

وفرضت السلطات عقوبات على المتخلفين عن التجنيد والفارين منه، امتد بعضها إلى أفراد أسرهم. فقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش احتجاز آباء وأمهات شبان غادروا البلاد هربا من الخدمة، أو مطالبتهم بدفع غرامات تصل إلى 50 ألف نكفا (نحو 3300 دولار). وقد انعكست هذه السياسات على حركة الهجرة الإريترية، التي شملت الفارين من التجنيد، والباحثين عن فرص اقتصادية وتعليمية وحياة أكثر استقرارا. ومع استمرار نزوح الشباب، فقدت البلاد جزءا من قوتها العاملة، بينما أصبحت عائلات كثيرة تعتمد على الأموال التي يرسلها أقاربها المقيمون في الخارج. وتقدر الحكومة البريطانية عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الإريتريين في العالم بنحو 680 ألفا، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أن المغتربين جميعا يبلغون ربع السكان أو أكثر. وقدرت دراسات تعود إلى منتصف العقد الأول من القرن الحالي تحويلاتهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي.

وفي إطار تنظيم العلاقة مع المغتربين، فرضت الحكومة منذ مطلع التسعينيات “ضريبة الإعمار وإعادة التأهيل”، المعروفة بضريبة 2%، على دخول الإريتريين المقيمين في الخارج. وترتبط تسوية هذه الضريبة بالحصول على عدد من الخدمات القنصلية، مثل إصدار جوازات السفر وشهادات الميلاد، فضلا عن بعض المعاملات المتعلقة بالميراث والأراضي والممتلكات داخل إريتريا. ووفرت هذه الآلية للحكومة وسيلة لتحصيل إيرادات من المواطنين المقيمين خارج البلاد، مع إبقائهم مرتبطين إداريا وماليا بمؤسسات الدولة.

لاجئون إريتريون يستعدون للسفر إلى السويد ضمن برنامج أوروبي لإعادة توطين اللاجئين
لاجئون إريتريون يستعدون للسفر إلى السويد ضمن برنامج أوروبي لإعادة توطين اللاجئين (الفرنسية)

إدارة السلطة والخصوم

يعتمد أفورقي في إدارة إريتريا على شبكة من العلاقات الشخصية التي تتركز في محيطه. فقد تقلص دور اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي للجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، واقتصر دور كثير من المسؤولين على تنفيذ التوجيهات الصادرة إليهم، فيما احتفظت المؤسسة العسكرية بموقع نافذ في إدارة البلاد، بحكم دورها في الأمن والاقتصاد. كما امتلك كبار الضباط نفوذا متفاوتا في المناطق الخاضعة لإشرافهم. وقد تعامل أفورقي مع هذه البيئة عبر إدارة التوازنات بين القيادات العسكرية والأمنية بما يحول دون تمدد نفوذ أي منها لتهديد سلطته.

ورغم إحكام أفورقي سيطرته على مقاليد الحكم، ظهرت خلافات داخل الدائرة المحيطة به. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، انشق وزير الإعلام علي عبده أحمد خلال رحلة إلى أوروبا، بعدما كان يُعد من الشخصيات المقربة من الرئيس. وفي 21 يناير/كانون الثاني 2013، شهدت أسمرا حادثة غير مسبوقة، حين دخل ما بين 100 و200 جندي، بحسب التقديرات، مبنى وزارة الإعلام المعروف باسم “فورتو”، الذي يضم مقر التلفزيون الرسمي. وأجبر المسلحون مدير التلفزيون على قراءة بيان يطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وتطبيق دستور عام 1997، قبل أن ينقطع البث بعد قراءة جزء من البيان، لتتمكن الحكومة من السيطرة على المبنى.

وكشفت حادثة فورتو عن وجود اعتراضات داخل المؤسسة العسكرية، بعدما ظلت محاولات تحدي أفورقي مرتبطة بشخصيات سياسية سابقة أو جماعات معارضة في الخارج. كما أظهرت أن بعض المطالب التي طرحتها مجموعة الخمسة عشر قبل أكثر من عقد، وفي مقدمتها تطبيق الدستور والإفراج عن المعتقلين، لا تزال حاضرة داخل بعض دوائر الحكم.

أما المعارضة الإريترية في الخارج، فقد تشكلت من جماعات ذات خلفيات سياسية ودينية مختلفة، ضمت شخصيات انشقت عن الجبهة الشعبية، وتنظيمات تعود جذورها إلى حركات التحرير السابقة، إلى جانب تيارات إسلامية وقومية. وفي يناير/كانون الثاني 2005، تشكل “التحالف الديمقراطي الإريتري” في الخرطوم. وقد سعت هذه الأطر إلى توحيد القوى المعارضة وتقديم بديل للنظام، لكنها واجهت خلافات بشأن القيادة والبرنامج والعلاقة مع الدول المجاورة، ما حد من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة أفورقي.

وبرزت هذه الخلافات خلال مؤتمر عقده “التحالف الديمقراطي الإريتري” في أديس أبابا في فبراير/شباط 2007، وأدت الصراعات التنظيمية إلى ظهور كتلتين متنافستين ظلتا منفصلتين قرابة عام. كما ارتبطت بعض الجماعات المعارضة بدعم من إثيوبيا أو السودان، بحسب تطور علاقات البلدين مع أسمرا، فأصبح نشاط المعارضة جزءا من الصراعات الإقليمية. وواجهت المعارضة تحديا إضافيا يتمثل في ضعف اتصالها بالمجتمع الإريتري، نتيجة القيود المفروضة على العمل العام.

وفي المقابل، تقلص نشاط المنظمات الدولية والجهات المانحة داخل إريتريا، وبقي تأثير الضغوط الغربية محدودا على قرارات القيادة الإريترية. واستفاد أفورقي من قدرة النظام على البقاء في ظل العزلة، ومن توظيف التهديدات الخارجية لتعزيز التماسك الداخلي.

إريتريا في صراعات القرن الأفريقي

منذ استقلال إريتريا اتسمت علاقاتها مع دول الجوار بالتقلب بين التعاون والمواجهة. واستندت السياسة الخارجية الإريترية إلى اعتبارات أمنية تتعلق بحماية استقلال الدولة، وارتبطت بخلافات حول الحدود والموانئ والنفوذ، ما دفع أسمرا إلى الدخول في صراعات مع عدد من جيرانها، واستخدام الجماعات المعارضة في الدول المجاورة أداة للضغط على حكوماتها.

ففي السودان، تدهورت العلاقات خلال التسعينيات، في ظل اتهامات إريترية للخرطوم بدعم جماعات إسلامية معارضة، من بينها حركة الجهاد الإسلامي الإريترية. وفي المقابل، قدمت أسمرا الدعم لقوى سودانية معارضة، خصوصا التجمع الوطني الديمقراطي، الذي ضم أحزابا وحركات مسلحة مناهضة لحكومة عمر البشير. وفي ديسمبر/كانون الأول 1994، قطع البلدان علاقاتهما الدبلوماسية، ثم تحسنت العلاقات مع تغير الحسابات السياسية، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2006، استضافت أسمرا توقيع اتفاق سلام شرق السودان بين حكومة الخرطوم وجبهة الشرق، بعد وساطة إريترية بين الطرفين.

وشهدت العلاقات مع اليمن خلافا ارتبط بالسيادة على الجزر والممرات البحرية في البحر الأحمر. ففي ديسمبر/كانون الأول 1995، اندلعت مواجهات بين البلدين في جزر حنيش، قبل أن يتفق الطرفان على إحالة النزاع إلى التحكيم الدولي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1998، صدر حكم منح اليمن السيادة على معظم الجزر المتنازع عليها، والتزم البلدان بالقرار.

أما جيبوتي، فقد شهدت العلاقات معها توترات متكررة منذ التسعينيات، وتفاقمت خلال الحرب الإثيوبية الإريترية، بعدما اتهمت أسمرا جيبوتي بالانحياز إلى أديس أبابا، فقطعت جيبوتي العلاقات عام 1998 ثم أعادتها عام 2000. وفي يونيو/حزيران 2008، اندلعت اشتباكات في منطقة رأس دميرة وجزيرة دميرة، وسط اتهامات جيبوتية للقوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها. ونفت أسمرا هذه الاتهامات، لكن مجلس الأمن أدان تحركاتها وطالبها بسحب قواتها من المناطق المتنازع عليها، وفي يونيو/حزيران 2010، وافق الطرفان على وساطة قطرية لتسوية الخلاف.

وفي الصومال، ارتبطت سياسة أفورقي بمواجهة النفوذ الإثيوبي. فقد تدخلت أديس أبابا في ديسمبر/كانون الأول 2006 لإسقاط اتحاد المحاكم الإسلامية، بينما استضافت أسمرا شخصيات وجماعات صومالية معارضة للتدخل الإثيوبي. وفي سبتمبر/أيلول 2007، تأسس “تحالف إعادة تحرير الصومال” في مؤتمر عقد بالعاصمة الإريترية، بمشاركة قيادات من اتحاد المحاكم الإسلامية السابق، بهدف تنظيم المعارضة للحكومة الانتقالية المدعومة من إثيوبيا. لكن التحالف الصومالي لم يحافظ على وحدته، فقد انقسم بعد مفاوضات جيبوتي عام 2008، وانضم جناح بقيادة الشيخ شريف شيخ أحمد إلى العملية السياسية، قبل انتخابه رئيسا للصومال مطلع عام 2009، بينما واصل جناح آخر بقيادة الشيخ حسن ظاهر عويس معارضة الحكومة من أسمرا.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2009، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على إريتريا بموجب القرار 1907، شملت حظرا على الأسلحة وتجميد أصول وحظر سفر بحق شخصيات وكيانات إريترية، على خلفية اتهامات بدعم الجماعات المسلحة في الصومال، ورفضها سحب قواتها من المنطقة المتنازع عليها مع جيبوتي. وكانت أسمرا قد علقت عضويتها في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية “إيغاد” عام 2007، متهمة المنظمة بالانحياز إلى إثيوبيا والولايات المتحدة. وبذلك، تراجعت مشاركة إريتريا في المؤسسات الإقليمية، وتزايدت عزلتها الدبلوماسية. وعادت إريتريا إلى “إيغاد” عام 2023، ثم انسحبت منها نهائيا في ديسمبر/كانون الأول 2025.

ومع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، اكتسب الساحل الإريتري أهمية لدى التحالف الذي قادته السعودية، وأقامت الإمارات قاعدة عسكرية في عصب استخدمت ميناءها ومطارها في دعم عملياتها باليمن، قبل أن تفككها بين عامي 2019 و2021. وأتاح هذا التقارب فرصة لتخفيف العزلة التي واجهتها أسمرا، وسهل الدفع باتجاه المصالحة الإثيوبية الإريترية، التي رفع مجلس الأمن على إثرها العقوبات المفروضة على إريتريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

المواجهة مع آبي أحمد

في الثامن من يوليو/تموز 2018، وصل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى أسمرا، واستقبله الرئيس أفورقي وسط احتفالات شعبية، ووقع الرجلان في اليوم التالي إعلانا لإنهاء حالة الحرب واستعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، ثم زار أفورقي أديس أبابا في 14 يوليو/تموز. وخلال الأسابيع التالية، استؤنفت الرحلات الجوية بين العاصمتين، وتبادل البلدان السفراء، وأُعيد فتح المعابر الحدودية في سبتمبر/أيلول.

جاءت المصالحة بعدما تولى آبي أحمد رئاسة الوزراء في أبريل/نيسان 2018، وأعلنت حكومته في يونيو/حزيران استعدادها لتنفيذ اتفاق الجزائر وقبول قرار لجنة الحدود الصادر عام 2002. وقد مثل ذلك تراجعا عن موقف الحكومات الإثيوبية السابقة، التي رفضت تسليم بادمي لإريتريا رغم الحكم الدولي.

وأسهمت في المصالحة رغبة الطرفين في إضعاف نفوذ الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي هيمنت على الائتلاف الحاكم في إثيوبيا منذ سقوط نظام منغستو حتى وصول آبي إلى السلطة. وكانت جبهة تيغراي تمثل الخصم الرئيسي لأفورقي، فيما رغب آبي في تقليص نفوذ النخب التي حكمت البلاد في العقود السابقة.

وانعكس هذا التوافق على علاقات البلدين بالجماعات المسلحة الإثيوبية المعارضة. ففي الأشهر التالية للمصالحة، وقعت الحكومة الإثيوبية اتفاقات مع عدد من هذه الجماعات، من بينها جبهة تحرير أورومو في أغسطس/آب 2018، والجبهة الوطنية لتحرير أوغادين في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، ووُقع الاتفاقان في أسمرا. وكانت إريتريا قد استضافت هذه التنظيمات ودعمتها خلال سنوات العداء مع أديس أبابا، فأصبح إنهاء الصراع بين الحكومتين جزءا من إعادة ترتيب التحالفات داخل إثيوبيا.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، وقع أفورقي وآبي اتفاقا إضافيا للسلام والصداقة في مدينة جدة السعودية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2020، اندلعت الحرب في إقليم تيغراي، بعد هجوم شنته قوات تيغراي على مواقع القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي، وشاركت في القتال القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات إقليم أمهرة، إلى جانب القوات الإريترية التي دخلت شمال إثيوبيا.

وتغيرت موازين القوى أثناء الحرب أكثر من مرة، فقد انسحبت القوات الإثيوبية من مدينة ميكيلي في يونيو/حزيران 2021، وزحفت قوات تيغراي جنوبا نحو أديس أبابا، قبل أن تتمكن الحكومة الفيدرالية وحلفاؤها من استعادة المبادرة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه. ومع تراجع قوات تيغراي وتزايد الضغوط الدولية، دخلت الحكومة الإثيوبية في مفاوضات مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، انتهت بتوقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، برعاية الاتحاد الأفريقي.

ونص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح قوات تيغراي وإعادة بسط سلطة الحكومة الفيدرالية على الإقليم، إلى جانب تشكيل إدارة انتقالية وإعادة الخدمات الأساسية. لكنه لم يشمل إريتريا، رغم مشاركتها في الحرب، كما لم ينص على القضاء على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أو استبعادها نهائيا من الحياة السياسية. وفي مقابلة مع التلفزيون الإريتري في فبراير/شباط 2023، وصف أفورقي اتفاق بريتوريا بأنه من صنع واشنطن لإنقاذ الجبهة من هزيمة عسكرية كاملة، وإن قال إنه لا يعترض عليه إذا نُفذ بالكامل.

وتزامن هذا الخلاف مع تدهور العلاقات بين آبي أحمد وبعض حلفائه السابقين من الأمهرة، الذين رفضوا ترتيبات ما بعد الحرب، خصوصا بشأن الأراضي المتنازع عليها مع تيغراي، وحملت ميليشيات “فانو” السلاح ضد الحكومة منذ عام 2023. واتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم جماعات أمهرية مسلحة وبالإبقاء على قوات داخل أراض إثيوبية، بينما نفت أسمرا الاتهامات الموجهة إليها.

وبرز الخلاف الأخطر مع إعلان آبي أحمد أن حصول إثيوبيا على منفذ بحري يمثل ضرورة اقتصادية وإستراتيجية لدولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحدث رئيس الوزراء الإثيوبي عن أهمية الوصول إلى البحر الأحمر، واستحضر روابط إثيوبيا التاريخية بساحله، وهو الساحل الذي خسرته، ومعه ميناء عصب، باستقلال إريتريا. وفي يناير/كانون الثاني 2024، وقعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الانفصالي تتيح لها منفذا على البحر الأحمر.

ومع تصاعد التوتر، اتجهت أسمرا إلى تعزيز علاقاتها مع دول تشاركها القلق من السياسات الإثيوبية، خصوصا مصر والصومال. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، استضاف أفورقي في أسمرا قمة ثلاثية مع الرئيسين المصري والصومالي، واتفق المجتمعون على تشكيل لجنة ثلاثية من وزراء الخارجية لتعزيز التعاون.

وخلال عامي 2025 و2026، تزايدت مؤشرات التوتر بين أسمرا وأديس أبابا، مع تبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة وتحريك القوات في المناطق الحدودية، وصولا إلى اتهام إثيوبيا لإريتريا بإدخال قواتها إلى تيغراي، كما أصبحت الانقسامات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عاملا إضافيا في تأزيم المشهد، بعدما تقارب بعض قياداتها مع أسمرا، رغم العداء الذي جمع الطرفين خلال الحرب السابقة.

وتواجه إريتريا اليوم تحديين رئيسيين، أولهما حرب مع إثيوبيا بدأت فعليا على أرض تيغراي، وقد تتسع إلى مواجهة مباشرة بين الجيشين، في وقت تتصاعد فيه التوترات في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي مواجهة التفوق الإثيوبي في الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية، يسعى أفورقي إلى تعزيز تحالفاته الإقليمية لتحسين وضع بلاده، وقد شارك في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في قمة العلمين مع قادة مصر والسودان والصومال، التي أكد إعلانها الختامي أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المطلة عليه. ومن ثم، ستؤثر قدرته على إدارة علاقاته مع القاهرة والخرطوم ومقديشو ودول الخليج في خياراته تجاه إثيوبيا، دون أن تلغي هذه العلاقات قيود الجغرافيا ومحدودية الموارد الإريترية.

أما التحدي الثاني، فيتعلق بمستقبل البلاد بعد أفورقي، الذي بلغ الثمانين من عمره، في ظل غياب ترتيبات دستورية لتنظيم انتقال السلطة. ولذلك، تعتمد قدرة النظام على التعامل مع هذه المرحلة على مدى توافق النخبة الحاكمة بشأن ترتيبات انتقال السلطة. فقد يستمر النظام مع إدخال تعديلات على أسلوب الحكم والسياسات العامة، وقد تؤدي المنافسة على خلافة أفورقي إلى انقسامات داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية تدخل البلاد في مرحلة من عدم الاستقرار، تزيد من خطورتها التوترات الحدودية والضغوط الاقتصادية. ويتداخل التحديان، إذ قد تؤدي الحرب مع إثيوبيا إلى أزمة داخلية، كما قد تؤثر الخلافات الداخلية على قدرة إريتريا على مواجهة التهديدات الخارجية.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678