وذكرت مجلة “إيكونوميست” أن بكين تعمل على توسيع قدراتها في إعادة تدوير البطاريات والمعادن النادرة والأجهزة الإلكترونية، مستفيدة من حجم صناعاتها الضخم، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والألومنيوم لتصنيع السيارات الكهربائية والروبوتات وتوربينات الرياح ومراكز البيانات.
قصص مقترحة
وتستهدف الصين توفير 510 ملايين طن سنويا من المواد الصناعية عبر إعادة التدوير بحلول عام 2030، بزيادة تقارب الثلث مقارنة بالمستويات الحالية، ضمن توجه للانتقال من نموذج اقتصادي يعتمد على استخراج المواد الخام واستهلاكها والتخلص منها، إلى ما يعرف بـ”الاقتصاد الدائري”، الذي يعيد استخدام المخلفات في عمليات الإنتاج.
أهداف الإنتاج
وبحسب خطة عمل أصدرتها اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025، تستهدف البلاد زيادة استخدام المواد المعاد تدويرها في صناعات السيارات والإلكترونيات والبطاريات والمنسوجات والتغليف، مع تطوير أنظمة جمع المخلفات وفرزها ومعالجتها.
وتحدد الخطة مجموعة من المستهدفات السنوية بحلول عام 2030، تشمل:
- أكثر من 300 مليون طن من الصلب المعاد تدويره.
- أكثر من 80 مليون طن من الورق المعاد تدويره.
- أكثر من 25 مليون طن من المعادن غير الحديدية المعاد تدويرها.
- أكثر من 19.5 مليون طن من البلاستيك المعاد تدويره.
وكان حجم المواد المسترجعة من أكبر عشر فئات من الموارد القابلة لإعادة التدوير في الصين قد تجاوز 400 مليون طن خلال عام 2024، وفق البيانات الواردة في الخطة.
وتشير بيانات وزارة التجارة الصينية، التي أوردتها “إيكونوميست”، إلى ارتفاع الكميات المسترجعة من السيارات الخردة والمعادن غير الحديدية والنفايات الكهربائية والبطاريات بصورة ملحوظة خلال الفترة من 2013 إلى 2025.
تدوير البطاريات
تبرز بطاريات السيارات الكهربائية باعتبارها إحدى أهم أولويات الإستراتيجية الصينية، نظرا إلى احتوائها على معادن مرتفعة القيمة يمكن استعادتها واستخدامها مجددا في التصنيع.
وتنتج عمليات تفكيك البطاريات المستهلكة مادة تعرف باسم “الكتلة السوداء”، وهي مسحوق يحتوي على معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، يمكن فصلها وإعادة إدخالها في سلاسل الإنتاج.
وبحسب “إيكونوميست”، تمتلك الصين نحو 85% من القدرة العالمية على إعادة تدوير البطاريات، مستفيدة من تكامل أنشطة التصنيع والتدوير لدى شركاتها الكبرى.
وتعد شركة “سي إيه تي إل”، أكبر منتج للبطاريات في العالم، مثالا على هذا التكامل، إذ تتولى شركتها التابعة “برونب” إعادة تدوير البطاريات المستهلكة، وهي أكبر شركة لإعادة تدوير البطاريات عالميا.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن المواد المستخرجة من إعادة تدوير البطاريات قد تلبي ما بين 20% و30% من الطلب العالمي على معادن البطاريات بحلول عام 2050.

نفايات التكنولوجيا
تواجه الصين تحديا متزايدا مع اقتراب أعداد كبيرة من معدات الطاقة النظيفة من نهاية عمرها التشغيلي.
وتتوقع بكين أن تبلغ المخلفات السنوية بحلول عام 2030 نحو مليون طن من بطاريات السيارات الكهربائية، ونصف مليون طن من توربينات الرياح، وما بين 1.5 ومليوني طن من الألواح الشمسية.
وتحتوي هذه المعدات على مواد مرتفعة القيمة، بينها الفضة المستخدمة في الألواح الشمسية والنيوديميوم، وهو أحد العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في توربينات الرياح.
وتواجه عمليات جمع هذه المعدات وتفكيكها واستخلاص المعادن منها تحديات فنية ولوجستية، لا سيما في المناطق البعيدة عن منشآت إعادة التدوير والمعالجة.
وتشير “إيكونوميست” إلى أن جزءا من قدرات إعادة تدوير البطاريات في الصين لا يزال غير مستغل، نتيجة وصول البطاريات المستهلكة إلى تجار خردة غير رسميين أو التخلص منها بطرق تحول دون استعادة كامل محتواها المعدني.
ولمعالجة هذه الاختلالات، أنشأت الصين في عام 2024 مجموعة حكومية متخصصة في إعادة تدوير الموارد، بهدف تنسيق عمليات الجمع والمعالجة، مع توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في فرز المخلفات.
كما ألزمت السلطات، اعتبارا من أبريل/نيسان الماضي، شركات تصنيع البطاريات والسيارات الكهربائية بمنح منتجاتها هويات رقمية لتتبعها طوال دورة حياتها، وتحمل مسؤولية إعادة تدوير البطاريات التي تنتجها.
أمن الموارد
لا تقتصر أهداف بكين على خفض المخلفات والتلوث، إذ أصبحت إعادة التدوير جزءا من إستراتيجيتها لتأمين إمدادات المعادن المستخدمة في الصناعات المتقدمة.
ورغم سيطرة الصين على جانب كبير من قدرات تكرير المعادن عالميا، فإنها تعتمد على الواردات لتوفير معظم الخامات المعدنية اللازمة لهذه الصناعات.
وتسعى السلطات الصينية إلى تقليص هذا الاعتماد، في وقت تعمل فيه الاقتصادات الغربية على خفض اعتمادها على سلاسل التوريد الصينية.
وفي المقابل، أعلن الاتحاد الأوروبي عزمه تشديد القيود على تصدير مخلفات البطاريات اعتبارا من نوفمبر/تشرين الثاني، بهدف تشجيع معالجتها داخل أوروبا، بينما حظرت الولايات المتحدة صادرات مادة “الكتلة السوداء” في أغسطس/آب الماضي.
ومع تصاعد المنافسة على هذه الموارد، بدأت الصين تخفيف بعض القيود التي فرضتها سابقا على استيراد المخلفات، إذ سمحت باستيراد أنواع من خردة النحاس والألومنيوم في عام 2024، قبل السماح باستيراد “الكتلة السوداء” خلال 2025.
وخفضت بكين في يناير/كانون الثاني الرسوم الجمركية على واردات هذه المادة من 6.5% إلى 3%، مع خطط لزيادة استيراد المواد المعاد تدويرها عالية الجودة خلال السنوات الخمس المقبلة.
وترى الشركات الصينية العاملة في القطاع أن ارتفاع تكاليف إعادة التدوير وصعوبة توسيع قدرات المعالجة خارج الصين قد يحدان من قدرة المنافسين الغربيين على تقليص الفجوة، رغم سعيهم إلى الاحتفاظ بالمخلفات الغنية بالمعادن داخل أسواقهم.



