لكن هذه البنية التحتية، رغم كفاءتها الكبيرة، تعاني من نقاط ضعف جوهرية، إذ إنها معرضة للأضرار والاستهداف المتعمد في أوقات النزاع، كما أن التنصت المباشر عليها يظل ممكنا من الناحية التقنية، وإن كان شديد التعقيد ومحدود الجدوى أمام البيانات المشفرة.
ومع تصاعد المخاوف بشأن مرونة هذه البنية، يتزايد الاستثمار في طبقات اتصال بديلة أو مكملة في الفضاء، ويبرز هنا نمط من الاتصالات يعرف بالروابط البصرية بين الأقمار الاصطناعية.
وتعيد هذه التقنية الأساسية في بعض الشبكات المدارية الحديثة رسم خرائط النفوذ العسكري، حيث تعتمد الجيوش الحديثة على البيانات في الوقت الحقيقي، مثل صور الأقمار الاصطناعية وبيانات التحذير الصاروخي وتتبع الأهداف.
(بيكسلز)
من الكابلات البحرية إلى الشبكة الضوئية المدارية
اعتمدت الاتصالات الفضائية تقليديا بدرجة كبيرة على الترددات الراديوية، التي تتميز بقدرتها على العمل عبر مسافات واسعة، لكنها تواجه ازدحام الطيف ومخاطر التشويش والاعتراض.
في حين تعمل الروابط البصرية بين الأقمار الاصطناعية بطريقة مختلفة، حيث يحمل كل قمر اصطناعي طرفية بصرية صغيرة أقرب إلى تلسكوب مزود بليزر يطلق شعاعا ضوئيا دقيق التركيز بطول موجي قريب من الأشعة تحت الحمراء.
ويلتقط القمر المقابل هذا الشعاع ويعيد إطلاق شعاع مماثل في الاتجاه المعاكس، مما يشكل شبكة متداخلة من الوصلات الضوئية المتقاطعة القادرة على نقل عشرات الغيغابت في الثانية بين أقمار تفصل بينها آلاف الكيلومترات.
ومن أبرز مزايا هذه التقنية السرعة الفائقة، حيث وصلت معدلات نقل البيانات عبر أجهزة الاتصال الضوئي الحديثة في بعض التجارب إلى عشرات ومئات الغيغابتات في الثانية.
وفي الصين، على سبيل المثال، نفذ رابط بين قمرين بسرعة 100 غيغابت في الثانية، فيما بلغت تجربة أخرى بين قمر ومحطة أرضية 120 غيغابتا في الثانية.
ويتيح هذا العرض الترددي نقل الخرائط الاستخبارية عالية الدقة، وفيديوهات الاستطلاع المباشر، وبيانات الرادارات ذات الفتحة الاصطناعية إلى مراكز القيادة.
كما أن شعاع الليزر ضيق جدا ولا يتشتت إلا بزاوية صغيرة، مما يجعل اعتراضه من قبل طرف خارجي أمرا بالغ الصعوبة، وأي محاولة للتنصت تتطلب وضع جهاز استقبال في مسار الشعاع بدقة متناهية.
ولا تستجيب الروابط البصرية للتشويش الراديوي بالطريقة نفسها التي تستجيب بها وصلات الترددات اللاسلكية.
وفي بيئة حرب إلكترونية معادية، تسمح الروابط البصرية بين الأقمار بمواصلة نقل البيانات داخل المدار حتى عند تعطل بعض المسارات الأرضية، وتفسر هذه الميزة تدافع القوى العسكرية نحو بناء بنى تحتية مدارية قائمة على الليزر بدلا من الاعتماد الحصري على الترددات الراديوية التقليدية.
وبالإضافة إلى ذلك، تقلل هذه الروابط الاعتماد على المحطات الأرضية، مما يتيح نقل البيانات عبر المحيطات والمناطق القطبية دون الحاجة إلى بنية تحتية أرضية معادية أو ضعيفة.
وعلى الجانب الآخر، تبقى الكابلات البحرية عرضة للتخريب، حيث أبرزت حوادث قطع الكابلات في البحر الأحمر أو بحر البلطيق في السنوات الأخيرة هذا الضعف.
وفي سيناريو صراع كبير، قد يؤدي قطع عدد محدود من الكابلات إلى تعطيل اتصالات حيوية، وهنا تبرز الشبكات المدارية كبديل أو مكمل إستراتيجي، قادر على توفير استمرار العمليات حتى في ظل انقطاع البنية الأرضية والبحرية.
وفي عام 2024، دعم حلف شمال الأطلسي (ناتو) مشروعا يبحث صراحة في إمكانية إعادة توجيه البيانات إلى الفضاء عند تعرض البنية التحتية تحت البحر للانقطاع، في محاولة لبناء بنية أكثر مرونة تجمع بين الاتصالات عبر الأقمار والكابلات البحرية.

واشنطن ومبدأ القيادة والسيطرة الموحدة
تتبنى الولايات المتحدة نموذجا يجمع بين القوة الصناعية للقطاع الخاص والتمويل العسكري، حيث أنشأت وزارة الدفاع وكالة تطوير الفضاء في عام 2019، وكلفتها ببناء منظومة فضائية جديدة أطلقت عليها اسم “بنية الفضاء القتالي الممتدة”.
وتهدف هذه المنظومة إلى إطلاق مئات الأقمار الاصطناعية الصغيرة والرخيصة نسبيا في المدار الأرضي المنخفض لتشكيل طبقة النقل وطبقة التتبع.
وتعد طبقة النقل العمود الفقري للمنظومة، وتتكون من مئات الأقمار الاصطناعية المزودة بأجهزة اتصال ضوئي لربطها بالأقمار المجاورة، مما يشكل شبكة اتصالات فضائية مغلقة ومحمية تنقل عبرها البيانات التكتيكية العالمية.
في حين تتكون طبقة التتبع من أقمار اصطناعية مجهزة بحساسات الأشعة تحت الحمراء المتقدمة للرصد المبكر ولتتبع الصواريخ الباليستية والصواريخ فرط الصوتية.
وترتبط هذه الطبقة بطبقة النقل مباشرة عبر روابط الليزر لنقل بيانات الهدف فوريا، مع إمكانية معالجة جزء من البيانات على متن الأقمار وتمريرها عبر الشبكة المدارية بدلا من الاعتماد الكامل على دورة النقل الأرضية.
وتتسارع عمليات إطلاق أقمار هذه المنظومة من أجل توفير تغطية اتصالات ليزرية عسكرية مخصصة لمناطق العمليات الحرجة، وقد منحت الوكالة عقودا بمليارات الدولارات لشركات، مثل “لوكهيد مارتن “، لتطوير هذه الأقمار.
كما تعاونت قوة الفضاء الأمريكية مع “سبيس إكس” من أجل تطوير كوكبة اتصالات عسكرية مخصصة كانت تعرف في مرحلة سابقة باسم “ميلنت” تضم نحو 480 قمرا اصطناعيا في المدار الأرضي المنخفض، قبل أن يعاد تنظيم البرنامج لاحقا ضمن بنية “شبكة بيانات الفضاء”.
فيما تدير وتمول وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة مشاريع كبرى تركز على بناء شبكات اتصالات بصرية مدارية موحدة تعتمد على الليزر لنقل البيانات بسرعة فائقة بين الأقمار الاصطناعية.
ويهدف برنامج الوكالة المسمى “سبيس باكون”، أو “عقدة الاتصالات التكيفية الفضائية”، إلى تطوير أجهزة طرفية للاتصالات البصرية قادرة على الترجمة بين بروتوكولات مختلفة من أجل ربط الأقمار الاصطناعية الحكومية والتجارية.
في حين يسعى مشروعها المسمى “بلاك جاك” إلى إثبات جدوى الشبكات المدارية المتداخلة في المدار الأرضي المنخفض، حيث نجحت مهمة “ماندريك تو” في تحقيق رابط بصري بين قمرين اصطناعيين لنحو 40 دقيقة وعلى مسافة 114 كيلومترا ونقلت أكثر من 280 غيغابتا.
وفي موازاة الجهد الحكومي، بدأت “سبيس إكس” منذ عام 2021 بتركيب روابط ليزر على أقمار “ستارلينك”، كما طورت برنامج “ستارشيلد” المخصص للجهات الحكومية والدفاعية، مستفيدة من تقنيات ومنظومة “ستارلينك” التجارية، بما فيها الاتصالات الليزرية بين الأقمار.
وتتيح “سبيس إكس” من الناحية التقنية دمج طرفيات “ستارلينك” الليزرية في أقمار الشركاء لدعم شبكة “ستارشيلد”، مما يعني إمكانية نقل البيانات العسكرية عبر البنية التحتية التجارية الأوسع.
وتتكامل هذه المنظومات المدارية مباشرة مع بروتوكولات الراديو التكتيكية التقليدية بطريقة تقلص الزمن الفاصل بين اكتشاف التهديد ونقل بياناته إلى منصات القيادة أو الاشتباك، مجسدة هدف وزارة الدفاع في تحقيق عقيدة القيادة والسيطرة الموحدة لجميع المجالات.

(بيكسلز)
الاستجابة الصينية والتحدي المداري المضاد
على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، تتبنى الصين نهجا أكثر مركزية، وتبني منظومتها عبر مشروعين متوازيين، هما “غووانغ” و”تشيان فان”، لأنها ترى في الشبكات المدارية الليزرية ضرورة إستراتيجية لتقليل الاعتماد على البنية الغربية، ولتعزيز قدراتها في منطقة غرب المحيط الهادئ.
وتخطط شركة “تشاينا سات نيت” الحكومية، التي تدير كوكبة “غووانغ” أو الشبكة الوطنية، لإطلاق قرابة 13 ألف قمر موزعة على مجموعتين مداريتين، الأولى على ارتفاع يتراوح بين 500 و600 كيلومتر، والثانية على ارتفاع نحو 1145 كيلومترا.
بحلول منتصف مارس/آذار كانت الصين قد أطلقت 163 قمرا، قبل أن يرتفع العدد إلى نحو 195 قمرا في أغسطس/آب، فيما تشير خطط الوكالة إلى تسريع الوتيرة إلى 310 أقمار هذا العام، و900 قمر في العام المقبل، ومن ثم 3600 قمر سنويا ابتداء من عام 2028.
ورغم الطابع المدني المعلن للمشروع المملوك بالكامل للدولة، تشير التقارير إلى أن الأقمار تحمل حمولات متعددة تشمل رادار فتحة اصطناعية ومنظومات استشعار بصري عن بعد وروابط اتصال ليزرية، مما يجعلها مناسبة للاستخدام المزدوج.
ويرى محللون أن هذه البنية قد تكون ذات قيمة للاستخدامات العسكرية بحكم طبيعتها ثنائية الاستخدام، حيث تشير التقارير الغربية إلى مخاوف من أن “غووانغ” قد تشكل جزءا من شبكة قتال فضائية قادرة على ربط المستشعرات بالمطلقين بسرعة.
وبالإضافة إلى كوكبة “غووانغ”، يظهر “تشيان فان” المدعوم من حكومة شنغهاي المحلية وشركة “شنغهاي سبيسكوم” للتقنيات الفضائية، بصفته مشروعا أكثر توجها تجاريا وانفتاحا على الأسواق الدولية.
وأطلق المشروع حتى الآن أكثر من 200 قمر من أصل 15 ألفا مستهدفة، ووقع اتفاقيات تجريبية مع دول عديدة، في محاولة لتقديم نفسه كبديل لمشروع “ستارلينك” أمام دول لا ترغب في الاعتماد على مزود أمريكي للاتصالات الفضائية.
وتملك الصين خبرة متقدمة في الاتصالات الكمومية عبر الأقمار الاصطناعية، وهي تقنية منفصلة لكنها قد تتكامل مستقبلا مع شبكات الاتصالات البصرية.
كما نجحت بكين في تحقيق اتصال ليزري بين قمر ومحطة أرضية بسرعة بلغت 120 غيغابتا في الثانية، مع تحقيق اتصال مستقر ونقل أكثر من 12 تيرابتا من البيانات خلال 108 ثوان.
وإلى جانب ذلك، أعلنت تحقيق اتصال ليزري ثنائي الاتجاه بين قمر في المدار الأرضي المرتفع ومحطة أرضية على مسافة تتجاوز 35 ألف كيلومتر، بسرعة غيغابت واحد في الثانية، مع استمرار الاتصال لأكثر من ثلاث ساعات.
وتعمل بكين أيضا على مشروع “الحزام والطريق الفضائي”، الذي يهدف إلى توفير خدمات الاتصالات والملاحة للدول الحليفة، مما يوسع نفوذها الجيوسياسي.
وعلى عكس النموذج الأمريكي الذي يعتمد على شركات خاصة، تسيطر الشركات الحكومية الصينية على مجمل المشاريع، مما يمنح الجيش الصيني سيطرة كاملة دون الحاجة إلى مفاوضات مع القطاع الخاص.
وتجمع الصين هذه المشاريع ضمن رؤية أوسع تتبناها خططها الوطنية التي تدفع نحو تكامل أوسع بين الاتصالات والملاحة والاستشعار والبنية الرقمية.

(بيكسلز)
المدار الآمن الذي لم يكتمل بعد
لا تعيد شبكات الليزر الفضائية رسم جغرافيا الاتصالات العسكرية فقط، إنما قد تعيد توزيع النفوذ الإستراتيجي نفسه.
وكما منحت السيطرة على نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيقي هرمز ومالاكا، نفوذا كبيرا، تتيح الشبكات المدارية نقل الأوامر والبيانات إلى القوات المنتشرة على مسافات بعيدة عبر مسارات فضائية أقل اعتمادا على البنية الأرضية.
لكن هذه الميزة تجعل الأقمار وروابطها أهدافا محتملة في أي صراع، سواء عبر الأسلحة المضادة للأقمار أو الهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة التوجيه والتحكم.
كما أن صعوبة التشويش الراديوي على الروابط البصرية لا تعني حصانتها، إذ يمكن أن تستهدف تقنيات الطاقة الموجهة المستشعرات والأجهزة البصرية نفسها.
وفي المقابل، تواجه هذه الشبكات تحديات تقنية وتشغيلية، أبرزها الحاجة إلى أنظمة توجيه وتتبع فائقة الدقة للحفاظ على الشعاع بين أقمار تتحرك بسرعات عالية، إلى جانب ضرورة تحقيق التوافق بين أقمار ومعدات من موردين مختلفين.
كما لا تلغي الشبكات المدارية الحاجة إلى المحطات الأرضية، التي يجب توزيعها جغرافيا للحد من تأثير السحب والاضطرابات الجوية.
وتفرض الكلفة بدورها تحديا كبيرا، إذ تشير تقديرات مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي إلى أن كلفة “بنية الفضاء القتالي الممتدة” قد تقترب من 35 مليار دولار حتى السنة المالية 2029، فيما أثارت الوكالة نفسها تساؤلات بشأن إثبات الجدوى التقنية الكاملة لبعض مراحل البرنامج.
ويضاف إلى ذلك خطر الحطام الفضائي الناجم عن تزايد أعداد الأقمار والاصطدامات المحتملة، فضلا عن استمرار وجود فجوات في تنظيم بعض الأنشطة والأسلحة العسكرية في الفضاء، بما قد يزيد مخاطر سباق تسلح مداري.
ختاما، تسير واشنطن عبر شراكة حثيثة بين القطاع العسكري والشركات التجارية لتأسيس معايير الاتصال المداري الموحد، بينما تطور بكين نموذجا قائما على الدمج المدني والعسكري مع اختراقات تقنية في نظم التشفير الكمومي المداري.
ومع استمرار هذا السباق نحو الفضاء، لا يبدو أن الشبكات المدارية قد تستبدل الكابلات البحرية بقدر ما قد تضيف إليها طبقة جديدة من المرونة والاتصال الإستراتيجي، لتتحول البنية العالمية للاتصالات تدريجيا إلى منظومة هجينة تمتد من قاع البحار إلى مدارات الأرض.



