• Home  
  • حين تكتب المرأة فلسطين.. من سخرية البقاء إلى فخ “الميلودراما”.. قراءة سيميائية في ثلاث سرديات روائية | ثقافة
- أخر الأخبار - المغرب العربي

حين تكتب المرأة فلسطين.. من سخرية البقاء إلى فخ “الميلودراما”.. قراءة سيميائية في ثلاث سرديات روائية | ثقافة

تُحدث الكتابة النسائية الفلسطينية تحولا جذريا في زاوية النظر إلى القضية. فحين تكتب المرأة، فإنها لا تدخل إلى الرواية من بوابة المنبر السياسي أو ساحات…

تُحدث الكتابة النسائية الفلسطينية تحولا جذريا في زاوية النظر إلى القضية. فحين تكتب المرأة، فإنها لا تدخل إلى الرواية من بوابة المنبر السياسي أو ساحات المعارك، بل تتسلل إليها عبر أبواب أكثر حميمية: البيت، والجسد، والعائلة، والذاكرة، والحب، والطعام، والملابس، وتفاصيل العلاقات اليومية.

لا يعني هذا أن فلسطين تختفي بوصفها قضية وطنية وتاريخا سياسيا مثقلاً، لكنها قطعا لا تذوب في هذا الإطار المباشر، بل تتشكل في التفاصيل الدقيقة التي تجعل القضية الكبرى قضية تخص “الناس العاديين”. ولا تدعي هذه القراءة أن هذا العاديّ الإنسانيّ لا يظهر في أدب الرجل، إنما هي محاولة للغوص عميقا في عالم النساء الأديبات.

قصص مقترحة

ومن هذه الزاوية، يمكننا قراءة المشهد عبر ثلاث روايات تنتمي إلى أجيال وتجارب وأساليب مختلفة: “بينما ينام العالم” لسوزان أبو الهوى، و”بدلة إنكليزية وبقرة يهودية” لسعاد العامري، و”حبي الأول” لسحر خليفة. ثلاث روايات لا تقدم صورة واحدة لفلسطين، بل ثلاث سرديات: فلسطين التي فُقدت، وفلسطين التي عيشت، وفلسطين التي تُستعاد.

عتبات النص.. أين تختبئ فلسطين؟

يبدأ الاشتباك السيميائي الماكر مع القارئ من عتبة العنوان، بوصفه المفتاح الأول للنص:

في “بينما ينام العالم”، تضعنا سوزان أبو الهوى أمام مفارقة زمنية وأخلاقية في آن معا. الفعل “ينام” يحيل إلى السكون واللامبالاة، بينما يفرض الظرف “بينما” حدوث شيء في اللحظة ذاتها. ما يوحي بأن النوم هنا “فعل تغافل”، هكذا يتحول العنوان إلى سؤال أخلاقي معلق: ماذا يحدث لفلسطين في اللحظة التي يختار فيها العالم أن ينام؟

وتزداد المفارقة حين نعرف أن الرواية تمتد عبر أجيال من عائلة اقتُلعت من قرية “عين حوض” عام 1948، لتغدو عبارة “بينما ينام العالم” حاملا لكل ما يخبر عنه الحدث: فبينما ينام العالم تقع النكبة، ويُهجّر الفلسطينيون، وتحدث مجازر وولادات، ووطن يضيع، وامرأة تحمل في قلبها واجب أن تروي ذاكرة عائلتها (وصولاً إلى الجيل الذي يكتب على الإنترنت اليوم) كوسيلة لمقاومة هذا الموت. ليصبح النوم علامة على النسيان، والرواية علامة على التذكّر.

أما العنوان الأكثر استفزازا سيميائيا، فيعود لسعاد العامري في “بدلة إنكليزية وبقرة يهودية”. يقوم هذا العنوان على تركيب ثنائي غير متوقع؛ فـ “البدلة” تمثل الرغبة في الصعود الاجتماعي والدخول إلى عالم كان مغلقا أمام الفقراء، وتحمل في الوقت عينه أثر الاستعمار البريطاني. أما “البقرة” فتحيل إلى واقع الاحتلال وإلى علاقة الفلسطيني بالطعام والفقر.

وحين تتوالى الأحداث، ندرك أن البقرة اليهودية كانت سببا في تحول مسار حياة البطلة (شمس)، وأن فرحة البطل (صبحي) ببدلته الإنجليزية لم ترَ النور أبدا بسبب النكبة. تكمن براعة العامري في أنها لا تضع اسم فلسطين في العنوان، بل تجعله حاضرا في شيئين يوميين، لتشفر تورط الإنجليز وضلوع اليهود في تحويل مسار حياة الفلسطينيين. إنه تضاد سيميائي يضع القضية بين مخلبين: مادي استعماري (يُبرز الإيغو)، وأسطوري استيطاني (يُبرز المقدس المستهجن).

في المقابل، يبدو عنوان سحر خليفة “حبي الأول” رومانسيا للوهلة الأولى، لكن الرواية تمارس “إزاحة دلالية” مدهشة. فالحب الأول (ربيع) يصبح رمزا لفلسطين الشابة وللمقاومة والبيت العائلي. وهكذا يتحول الحب من علاقة شخصية إلى استعارة كبرى لحب الوطن. وإذا كان عنوان أبو الهوى عنوانا لـ”الزمن”، وعنوان العامري لـ”الأشياء”، فإن عنوان خليفة هو عنوان لـ”الشعور”.

ثلاث طرائق لتوثيق البقاء

تتخذ كل روائية مسارا مختلفا لتوثيق المأساة:

سوزان أبو الهوى (الذاكرة العائلية كملحمة): تكتب أبو الهوى فلسطين من الخارج والداخل (فلسطينية أمريكية تكتب بالإنجليزية)، وتحوّل تجربة اللجوء إلى رواية عالمية تخاطب القارئ الغربي لتقاوم السرديات المهيمنة. أنسنت أبو الهوى التاريخ؛ فالنكبة ليست رقما، إنها أم فقدت، وطفل اختُطف، وامرأة تخاف من الماضي، وتحاصر نفسها بـ”ذنب الحياة” لأنها فقدت كل أحبتها، فتغدو علاقتها بابنتها مشوهة ومربكة، ولا تبرأ إلا حين تلمس موطن الألم وتقترب من الابنة التي ستحكي الحكاية.

تراكم الكاتبة الأحداث الموجعة وتوالي المصائب بشحنة عاطفية هائلة ومباشرة، لدرجة أنك كقارئ ستصاب حرفيا بـ”ضيق في التنفس” وأنت تقرأ، وستحتاج للتوقف وتسأل نفسك: كيف أمكن لإنسان أن يحتمل كل هذا؟ وسيجيبك الواقع الذي نتابعه على الشاشات في حرب الإبادة الراهنة: كيف للحرب أن تستمر وللإنسان أن يبقى.

سعاد العامري (فلسطين التي تسخر من مأساتها): في نص العامري، لا نحتاج إلى بناء ملحمة مأساوية حتى نقول إن الفلسطيني خسر وطنه. إنها تفعل شيئا أكثر دهاءً: تجعل القارئ يعيش فلسطين قبل أن يعرف أنه أمام رواية عن النكبة. مدينة يافا، الطبقات، الملابس، الطعام، البريطانيون، اليهود؛ كل ذلك يدخل كنسيج اجتماعي مُفصل على قياس شعب مزقته النكبة.

هذه الإشارة شبه الساخرة تقدم السخرية نفسها كفعل مقاومة يمنع المأساة من ابتلاع الحياة. حتى إن الناظر إلى تقبّل البطلين لافتراقهما، سيشعر أنه تقبُّل مَن فهم المأساة وعرف أين يقف منها؛ تقبل يشي بما فعله الفلسطينيون بعد النكبة.. لقد عاشوا رغم كل شيء. تبكينا أبو الهوى على فلسطين، بينما ترينا العامري كيف كان الفلسطيني يعيش وكيف استطاع أن يبقى.

سحر خليفة (الحب بوصفه أرشيفا): هي الأكثر التصاقا بفكرة استعادة التاريخ. تعود البطلة “نضال” إلى بيتها في نابلس بعد عقود من المنفى لتبدأ إعادة بنائه بالتوازي مع استعادة الماضي. البيت (وهو للمفارقة ما يطلقه الإسرائيليون على دولتهم) يصبح أرشيفا ماديا للذاكرة.

البيت = الوطن، وترميم البيت = ترميم الذاكرة والتجذر في التاريخ. ولا تكتفي الرواية بذاكرة نضال، بل تُدخل “مذكرات الخال أمين” كوثيقة داخل النص. وهنا نلحظ الفرق: سوزان أبو الهوى تجعل الذاكرة رواية، بينما سحر خليفة تجعل الرواية تحقيقا وتنقيبا في الذاكرة.

فلسطين بين التراث والتاريخ والحاضر

تكشف المقارنة أن الروايات الثلاث تتعامل مع التراث بأساليب متباينة، وتتفق على أن الأفعال اليومية للنساء (من حفظ ثقافة الأكل إلى الحكي والتطريز) هي أشكال من المقاومة غير العنيفة.

عند أبو الهوى، تصبح القرية والزيتون علامات على عالم مفقود غدا التراث فيه “ذاكرة مهددة”. وعند العامري، التراث هو “فعل حيوي يومي”، يمنح روايتها قيمة توثيقية تذكّرنا بأن فلسطين لم تكن “قضية” قبل 1948، بل مجتمعا طبيعيا يعيش ويتنافس. في حين تجعل خليفة من التراث (كالطعام النابلسي وتفاصيل العائلة) مادة حية لـ”استعادة التاريخ”.

الميزان النقدي: ما لها وما عليها

بعيدا عن المجاملة المرتبطة بعدالة القضية، حققت هذه الروايات إنجازات ضخمة، أبرزها: “أنسنة القضية”؛ فبدل أن يصبح الفلسطيني خبرا، غدا شخصا له وجه ومخاوف وذاكرة. و”حماية الذاكرة الثقافية” بجعل الأدب مستودعا ضد النسيان. و”توسيع صورة المقاومة” لتشمل الطعام والاسم والذاكرة وامرأة تروي لأطفالها. فضلا عن “الوصول العالمي” (رواية أبو الهوى تجاوزت مبيعاتها المليون نسخة)، و”إعادة كتابة التاريخ من منظور المهمشين”.

لكن، وفي المقابل، تواجه الكتابة الفلسطينية واقعا دائم الخطورة يتمثل في هيمنة “القضية الوطنية” على الفن. وهو أمر طبيعي ومفهوم في ظل قلب فلسطيني لا يزال ينزف، لكن حين يصبح الهدف الوطني أقوى من البناء النفسي للشخصية، تتحول الشخوص إلى مجرد “رموز”.

وحين تصبح المأساة أقوى من البناء الروائي، يتحول التاريخ إلى “ميلودراما” وتكثيف مُتقصّد. وحين يكون القارئ متعاطفا سلفا، قد يفقد النص قدرته على إنتاج المفاجأة الفنية.

وهنا، تبدو العامري الأكثر اقتصادا فنيا في تحويل السياسة إلى أدب، بينما تميل أبو الهوى إلى التعبئة العاطفية، وتميل خليفة إلى مزج التاريخ بالتأمل.

خلاصة.. الكلمات الثلاث

يمكن اختزال الروايات الثلاث في ثلاث كلمات: أبو الهوى: الذاكرة. العامري: الحياة. خليفة: الاستعادة.
تسأل الأولى: كيف نحفظ فلسطين عندما ينسى العالم؟ وتسأل الثانية: كيف نُظهر أن فلسطين كانت حياة كاملة قبل أن تصبح مأساة؟ وتسأل الثالثة: كيف نستعيد تاريخا لم ينتهِ بعد؟

في النهاية, أعادت الكتابة النسائية تعريف الموضوع الوطني، فالتاريخ يُحمل في أجساد النساء وبيوتهن. لكن المفارقة تظل قائمة: هل تستطيع الرواية الفلسطينية أن تكون “رواية عظيمة” فنيا، لا مجرد رواية عظيمة عن “المأساة الفلسطينية”؟ هذا هو الاختبار الأهم؛ فالمعيار ليس في مقدار ما تقوله الرواية عن فلسطين، وإنما بقدر ما تنجح في تحويل فلسطين إلى “أدب” يبقى حتى عندما يتغير الخبر السياسي، وتغيب اللحظة التي كُتبت من أجلها.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678