الخرطوم- في 11 أبريل/ نيسان 2025، اقتحمت قوات الدعم السريع مخيم زمزم للنازحين شمال دارفور. أحرقت الأكواخ والمتاجر، وأعدمت المسعفين، وأطلقت النار على المدنيين الفارين. وكان من بين القتلى والد النازح عبد الله حران.
ومن بين أنقاض المخيم المحترق، تمكن حران من الهرب ولم يحمل معه سوى شهادة جامعية. مرّ على بوابات الخروج التي فتشها جنود الدعم السريع، ولم يعثروا عليها وقد ظلت مطوية في ثنايا ملابسه، لكنه اكتشف لاحقا أن الشهادة التي كانت أمله بمستقبل مشرق لم تعد تساوي شيئا في خيام النزوح التي لجأ إليها.
يقول حران للجزيرة نت من أحد مخيمات النزوح بمنطقة طويلة غربي السودان “عندما نجوت، ظننت أن شهادتي ستنقذني. لكنني وجدت أن الحرب قتلت كل شيء، حتى أحلامي”.
هجرة العقول والكفاءات
وفي مخيمات النزوح المكتظة التي تحاصر بلدة طويلة، وفي مخيمات شرق تشاد حيث يعيش آلاف اللاجئين، تتكرر يوميا مشاهد مؤلمة لشباب وفتيات يحملون شهادات جامعية، كانوا يعتبرونها بوابتهم لحياة أفضل، لكن الحرب حولتها إلى مجرد أوراق بلا قيمة في ظل انهيار اقتصادي شامل.
يقول آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين في دارفور -للجزيرة نت- إن النزوح لم يستثنِ أحدا، بل طال حملة الشهادات الجامعية والكوادر المؤهلة، محولا إياهم إلى “عالة” على المساعدات الإنسانية.
ويضيف أن من أخطر تداعيات الحرب هجرة العقول والكفاءات إلى الخارج، التي فرّغت الإقليم من طاقاته البشرية وأطالت أمد معاناته. ويحذر من أن استمرار ذلك سيحرم دارفور من قادة المستقبل، ويطيل اعتماده على الإغاثة.
ويدعو المتحدث المجتمعَ الدولي والمنظمات الإنسانية إلى وضع برامج عاجلة للتدخل، تستهدف وقف نزف الكفاءات وإعادة تأهيل الشباب ليكونوا جزءا من الحل، لا ضحايا للحرب.
وتحولت طويلة شمال دارفور إلى معسكر جديد لضحايا الحرب، بعد تدفق الآلاف من النازحين الهاربين من القصف من مدينة الفاشر ومخيمي زمزم وأبو شوك. ووجد خريجو الجامعات أنفسهم عالقين بين جوع يلتهم الأجساد وبطالة تلتهم الأحلام.
أعمال هامشية
يقول آدم رمضان آدم (34 عاما) وهو خريج كلية الدراسات الزراعية من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، ونازح في مخيمات دارفور، للجزيرة نت “حلمت أن أصبح مهندسا زراعيا وأبني مشاريع تغذي الجوعى. لكنني اليوم أعيش على مساعدات عينية لا تكفي، وأنتظر وجبة قد لا تسد رمقي أنا وأسرتي”.
ويضيف “شهادتي الجامعية التي حملتها سنوات، لم تعد تساوي شيئا. تحولت إلى مجرد ورقة تذكارية. فقررت العمل في أي شيء مثل بيع مياه، وحمل بضائع، لأطعم أسرتي التي تعوّل عليّ”.
ومن جانبه، يؤكد مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور والمقيم حاليا في مخيمات شرق تشاد -للجزيرة نت- أن نحو 70% من الشباب اللاجئين في مخيمات شرق تشاد يحملون شهادات جامعية، لكنهم يمارسون أعمالا هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم.
ويوضح أن الحرب دمرت كل شيء، وأصبح الخريجون في مقدمة ضحايا هذه الكارثة، فالأغلبية نظموا أنفسهم عبر مبادرات جماعية، مثل المطابخ الخيرية لتقديم المساعدة، بينما لا يزال آخرون عاطلين عن العمل، إذ لا يملكون رأس مال لتنفيذ أي مشروع.
وبحسب أحدث بيانات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين الصادرة في 16 أغسطس/آب 2026، بلغ عدد اللاجئين السودانيين الذين عبروا إلى تشاد منذ أبريل/نيسان 2023 نحو 942 ألفا و954 لاجئا. وتمركز معظمهم في ولاية وداي (55% منهم) يليها وادي فيرا (25%) وسيلا (11%) وإنيدي إيست (9%).
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن النساء والأطفال يشكلون 86% من الوافدين الجدد، مما يعني أن نسبة كبيرة من الرجال والشباب الخريجين موجودون في تشاد، لكنهم يعانون من غياب فرص العمل.

أبواب مغلقة
رحمة الطيب، وهي خريجة كلية الطب البيطري بجامعة نيالا دفعة 2019، كانت تحلم بوظيفة في عيادة خاصة أو وحدة حكومية. لكن الحرب أغلقت كل الأبواب.
وتقول للجزيرة نت من مخيم النزوح بطويلة “كنت أحلم أن أعالج الحيوانات وأساعد المزارعين، لكن اليوم أصبحت أنا من يحتاج إلى من يعالج جوعي وألمي. شهادتي لم تعد تختلف عن أي ورقة أخرى، محفوظة في حقيبة بلا فائدة”.
وتضيف “كل يوم أستيقظ على صوت أطفالي يسألونني عن الطعام، ولا أملك سوى الانتظار في طابور المطبخ الخيري. أشعر أن سنوات دراستي كانت حلما تبخر مع أول قنبلة سقطت على الفاشر”.
أما نادية عبد الله، خريجة كلية الشريعة والقانون بجامعة أم درمان الإسلامية فرع الفاشر دفعة 2022، فلم تحصل على شهادتها الجامعية حتى اليوم بسبب إغلاق الجامعات. وتوضح للجزيرة نت أنها استلمت إفادة من الفرع، لكنها احترقت في الهجوم على مدينة المالحة في مارس/آذار 2025.
وتقول نادية “أحمل إفادة تخرج، لكن بدون شهادة رسمية. وهذا يعني أنني لا أستطيع التقدم لأي وظيفة. الحرب سرقت مني حلمي مرتين: مرة عندما أوقفت الدراسة، وأخرى عندما أحرقت ورقتي”.
بصيص أمل
ورغم هذه المعاناة، تبقى بصيص أمل. ففي 21 مايو/أيار 2026، احتفلت جامعة الجنينة -التي نزحت إلى أدري شرق تشاد- بتخريج الدفعة السابعة من طلاب كلية التربية في المنفى، في مشهد يؤكد أن التعليم لم يمت رغم الحرب.
وأتاحت الشراكة بين مفوضية اللاجئين ومؤسسة “ماستر كارد” الخيرية، التي انطلقت عام 2025، فرصا تعليمية للطلاب المتضررين من النزوح في السودان عبر برنامج المنح الدراسية للاجئين. ففي 4 أغسطس/آب 2026، خططت الشراكة لدعم 175 طالبا لاجئا، وفقا لتقرير المفوضية.
كما أكدت الأمم المتحدة، يوم 9 من الشهر نفسه، أن مئات الطلاب اللاجئين والنازحين تمكنوا من مواصلة تعليمهم بفضل هذا البرنامج.
وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، حصل 30 طالبا لاجئا سودانيا على منح دراسية للدراسة في جامعة بانغي، ضمن الدفعة الأولى من المستفيدين، حسب تقرير المفوضية الصادر في 28 يوليو/تموز 2025.
وقد سعت نيوز عربي للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول أوضاع الخريجين والمتضررين في مناطق سيطرتها، لكنها لم تتلق ردا حتى لحظة نشر التقرير.



