ومنذ سيطرتهم على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، كانت البيضاء إحدى أبرز المحافظات التي تسابق الحوثيون لإحكام قبضتهم عليها، مما يعكس الأهمية البالغة لهذه المحافظة وموقعها الجغرافي الإستراتيجي.
واستطاعت جماعة الحوثي منذ وقت مبكر السيطرة على عاصمة المحافظة التي تحمل الاسم ذاته وعدد من المديريات، فيما ظلت مديريات أخرى تحت سيطرة القوات الحكومية و”المقاومة الشعبية” وفق وسائل إعلام محلية.
وخلال السنوات الماضية ظلت المحافظة مسرحا للمواجهات والمعارك على خطوط التماس بين الجانبين، فضلاً عن اندلاع اشتباكات متكررة داخل المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين مع مسلحي القبائل المناوئين لهم.
وفي سبتمبر/أيلول 2021، أحكم الحوثيون سيطرتهم على كامل المحافظة عقب عملية عسكرية واسعة استهدفت 3 مديريات رئيسية هي: الصومعة، مسورة، أجزاء من مكيراس.
موقع استثنائي ونقطة التقاء
توصف البيضاء بأنها قلب اليمن نظرا لموقعها الذي يتوسط البلاد، ويبلغ إجمالي مساحتها حوالي 9314 كيلومترا مربعا بتضاريس متنوعة بين مرتفعات جبلية وصحاري وهضاب وسهول.
وتتكون المحافظة من 20 مديرية هي: مدينة البيضاء ومديرية البيضاء ونعمان ورداع وناطح ومسورة والصومعة والزاهر وذي ناعم والطفة ومكيراس والسوادية وردمان والقريشية وولد الربيع والعرش وصباح والرياشية والشرية والملاجم.
لكن الأهم عسكريا لطرفي الصراع أن البيضاء نقطة ارتكاز تتصل بعدد 8 محافظات، وهو ما يجعلها عقدة وصل حيوية بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه، ومحورا يؤثر بشكل مباشر على سير المعارك.
وتتصل البيضاء جغرافيا بمحافظات: صنعاء وذمار وإب الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إضافة إلى مأرب النفطية التي يتقاسم الطرفان السيطرة عليها وتعد من أبرز الجبهات المشتعلة، فضلا عن محافظات شبوة ولحج وأبين والضالع الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية.
بالنسبة للحوثيين فإن استمرار السيطرة على البيضاء يمثل حائط صد وتأمين للمحافظات الواقعة تحت سيطرتهم وخاصة العاصمة صنعاء من أي اختراق يهدد معاقلهم، كما أنها تسهل عمليات الإمداد لمقاتليهم على الكثير من خطوط التماس مع القوات الحكومية في المحافظات المجاورة والقريبة.
كما تشكل البيضاء للحوثيين منصة للانطلاق وتوسيع جبهات المواجهة مع المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، كما تعد موقعا لإطلاق الصواريخ من المرتفعات الجبلية باتجاه السفن في خليج عدن وبحر العرب، وفق وسائل إعلام يمنية.
ونهاية يوليو/تموز الماضي، نقلت صحيفة غارديان البريطانية عن مصادر أن تحركات القوات الحكومية داخل اليمن تشمل حشد القوات استعدادا لما قد يكون هجوما على محافظة البيضاء.
ولعل ذلك الثقل الإستراتيجي للبيضاء يفسر اندفاع القوات الحكومية للتركيز على المحافظة وإعلانها في السابع من سبتمبر/أيلول الجاري عملية عسكرية باتجاهها لانتزاعها من الحوثيين.
وقالت الحكومة إن قواتها تمكنت خلال العملية من تحرير عدد من المواقع في جبهة الزاهر شملت حيد الخزان والفليحان، وتواصل تقدمها نحو عزلة الناصفة.
ويبدو أن القوات الحكومية تهدف إلى تحقيق اختراق في جبهة البيضاء للسيطرة عليها كهدف أولي يؤمن المحافظات الواقعة تحت سيطرتها وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن ويكبح أي محاولات تمدد للحوثيين باتجاهها.
كما أن الحكومة ربما تراهن في نجاح عمليتها في البيضاء على إسناد مسلحي القبائل الداعمين لها والذين خاضوا خلال السنوات الماضية جولات من المواجهات والمعارك خلفت سقوط ضحايا من الطرفين.
وتمنح أي سيطرة للقوات الحكومية على البيضاء منفذا إستراتيجيا باتجاه العاصمة صنعاء، وهو ما سيشكل ضغطا كبيرا على الحوثيين، ويهدد سلطتهم وسيطرتهم الميدانية على أهم مدينة تمثل مركز الدولة اليمنية السياسي والسيادي.
تقاطعات طرق وخط اقتراب من صنعاء
اعتبر المحلل العسكري والإستراتيجي اليمني العميد الركن محمد الكميم -في تصريح للجزيرة نت- أن محافظة البيضاء إستراتيجية بكل المقاييس كما يصفها البعض بأنها قلب الجمهورية.
وأشار إلى أن البيضاء لديها تقاطعات طرق مع المحافظات الثماني التي تتصل معها، منها ما هو واقع بيد الحوثيين ومنها ما هو بيد الحكومة الشرعية.
ويرى الكميم أن سيطرة القوات الحكومية على البيضاء تعني أن المحافظات المحاذية لها الواقعة تحت سيطرة الحكومة ستصبح مؤمنة تأمينا كاملا، كما أن ذلك سيقطع الطريق أمام الحوثيين في موقع مهم إستراتيجي وهو تقاطع طريق تعز الرابط بين محافظات ذمار وتعز وإب.
وبيّن أن استعادة الحكومة للبيضاء سيساعد في قطع خطوط الإمداد وتضييقها على الحوثيين باتجاه تعز وإب والضالع ولحج وصولا إلى عدن.
ويضيف أن البيضاء تمثل أحد خطوط الاقتراب الرئيسية إلى أمانة العاصمة صنعاء أو إلى محافظة صنعاء بدون المرور بمحافظة ذمار.
ووفقا للكميم فإن القوات الحكومية تستطيع التحرك باتجاه مديريات محاذية لمحافظة ذمار وتستطيع الوصول إلى صنعاء بشكل أسرع بدون عوائق جبلية كبيرة جدا، مما يؤهلها لتأمين العاصمة بشكل تلقائي.



