• Home  
  • مافيا النفايات.. تجارة بمليارات الدولارات تهدد البيئة وتلاحق الصحفيين بالاغتيال | سياسة
- أخر الأخبار - بيئة

مافيا النفايات.. تجارة بمليارات الدولارات تهدد البيئة وتلاحق الصحفيين بالاغتيال | سياسة

تكشف قصة الاتجار غير القانوني بالنفايات عن جانب مظلم من التجارة العالمية، حيث تتحول المخلفات الصناعية والإلكترونية والمواد الخطرة إلى مصدر للأرباح، بينما تتحمل دول…

تكشف قصة الاتجار غير القانوني بالنفايات عن جانب مظلم من التجارة العالمية، حيث تتحول المخلفات الصناعية والإلكترونية والمواد الخطرة إلى مصدر للأرباح، بينما تتحمل دول نامية أعباءها البيئية والصحية.

وبينما تسعى دول إلى التخلص من نفاياتها بأقل التكاليف، يستغل مهربون ثغرات القوانين وضعف الرقابة لنقل هذه المخلفات عبر الحدود، تحت غطاء شحنات من الأجهزة المستعملة أو المواد المخصصة لإعادة التدوير.

وعرض برنامج “للقصة بقية”، الذي بُث مساء الاثنين على شاشة نيوز عربي، تحقيقا بعنوان “مافيا النفايات” تتبع مسارات هذه التجارة، من الشواطئ الصومالية التي عُثر قربها على حاويات تحوم الشبهات حول محتوياتها، إلى أسواق النفايات في أوروبا وآسيا وأفريقيا، مسلطا الضوء على الثغرات التي تتيح استمرارها، وعلى المخاطر التي يواجهها الصحفيون والباحثون الذين يسعون إلى كشف خفاياها.

قصص مقترحة

وتشير تقديرات مجموعة العمل المالي، الواردة في التحقيق، إلى أن عائدات التهريب غير المشروع للنفايات تتراوح بين 10 و12 مليار دولار سنويا، في حين أورد “للقصة بقية” تقديرا أمميا يصل إلى نحو 18 مليار دولار.

وتعكس هذه الأرقام حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة بهذه التجارة، التي باتت، وفق خبراء، من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، مستفيدة من الفوارق في تكاليف المعالجة والرقابة بين الدول.

الصومال.. حاويات غامضة وملف لم يُحسم

تعدّ الصومال من أبرز المحطات التي تناولها التحقيق، إذ تشير المعلومات الواردة فيه إلى تعرض سواحلها لشحنات من النفايات الخطرة أُلقيت بصورة سرية، مستفيدة من تدهور الأوضاع السياسية والأمنية ودخول البلاد في حرب أهلية أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

وينقل التحقيق عن الخبير البيئي الإيطالي فرانشيسكو بالامارا أن هذه الممارسات بدأت في إيطاليا خلال منتصف الثمانينيات، في ظل عدم كفاية المنشآت المتاحة للتخلص من النفايات الصناعية التي تنتجها البلاد. ومع ارتفاع تكاليف المعالجة، اتجهت جهات إلى البحث عن وجهات خارجية أقل تكلفة، بما أتاح فرصا للتهريب والتخلص غير القانوني من المخلفات.

وفي عام 1994، توجهت الصحفية الإيطالية إيلاريا ألبي ومساعدها المصور ميران هروفاتين إلى الصومال للتحقيق في تهريب الأسلحة والنفايات السامة. وقُتل الاثنان في مقديشو خلال مهمتهما الصحفية. ووفق ما أورده التحقيق، فقد ربطت اعترافات أحد المتهمين بالانتماء إلى المافيا الإيطالية هذه الجريمة بجهات متورطة في تلك الأنشطة، فيما لا تزال ملابسات ملف النفايات ومسؤولية الأطراف المعنية بها في حاجة إلى إجابات حاسمة.

وعاد التحقيق إلى مواقع قريبة من العاصمة الصومالية لرصد حاويات يُشتبه في احتوائها على مواد خطرة. وقال الصحفي الصومالي علي بشير إن سكان المنطقة تحدثوا عن العثور على مادة زيتية سوداء داخل إحدى الحاويات، يُحتمل أن تكون من المواد العازلة المستخدمة في محطات نووية، مشيرا إلى وجود علامات تحذيرية على بعض الحاويات.

كما نقل التحقيق عن الباحث الصومالي عبد القادر أحمد أن مئات الآلاف من الحاويات المُحْكمة الإغلاق ظهرت على طول الساحل الصومالي بعد تسونامي المحيط الهندي عام 2004، وأن سكان المناطق الساحلية أبلغوا عن أمراض جلدية وأعراض صحية غير مألوفة. غير أن الخبير بالامارا شدد على صعوبة تحديد طبيعة النفايات التي جرى التخلص منها بصورة غير قانونية، وكذلك الجهات المسؤولة عنها، مؤكدا أن الشكوك القائمة لا تغني عن تحقيقات ميدانية قادرة على الوصول إلى أدلة واضحة.

وتُبرز هذه الحالة صعوبة محاسبة المتورطين عندما تتداخل الأنشطة غير المشروعة مع النزاعات وضعف مؤسسات الدولة، ويصبح الوصول إلى مواقع التخلص من النفايات وفحصها وتحديد مصدرها مهمة شديدة التعقيد.

اتفاقية بازل.. إطار قانوني وثغرات في التنفيذ

دفعت المخاطر المتزايدة الناجمة عن نقل النفايات عبر الحدود إلى تحركات دولية، من بينها إعلان مبادئ القاهرة التوجيهية عام 1987، ثم اتفاقية بازل عام 1989، التي تستهدف تنظيم نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، ووضع ضوابط لحماية البيئة وصحة الإنسان.

وتوضح الباحثة البيئية مارينا سيلفا أن الاتفاقية تنظم حركة أنواع من النفايات المصنفة خطرة، إلى جانب مواد تقع في نطاق ملتبس قد تبدو آمنة في بعض الظروف، لكنها قد تشكل تهديدا بيئيا وصحيا. وتقوم إحدى آلياتها الأساسية على إخضاع الشحنات العابرة للحدود لضوابط وإجراءات موافقة من الدول المعنية.

لكن وجود الاتفاقيات لا يعني بالضرورة توقف التهريب. فبحسب الأرقام التي أوردها التحقيق، فإن الاتحاد الأوروبي يصدر نحو 33 مليون طن من النفايات إلى الخارج، بينما تشير تقديرات مكتب مكافحة الاحتيال الأوروبي إلى أن نحو 30% من إجمالي شحنات النفايات تتم بصورة غير مشروعة، وتحقق أرباحا تقدر بنحو 9.5 مليارات يورو سنويا.

ويعزو التحقيق استمرار هذه الممارسات إلى ضعف التنسيق بين السلطات الوطنية، ونقص الإمكانات اللازمة للرقابة على الحدود، فضلا عن قدرة المهربين على استغلال اختلاف التصنيفات والإجراءات القانونية. وأشارت المفوضية الأوروبية، في رد كتابي على أسئلة البرنامج، إلى أن الشحنات غير القانونية تجد طريقها إلى الخارج عبر المسارات الأقل مقاومة، نتيجة أوجه القصور في الإمكانات والتنسيق.

وتكمن إحدى أبرز الثغرات في تحديد ما إن كانت الشحنة نفايات خطرة تستوجب المعالجة الخاصة، أم مواد مستعملة يمكن إعادة استخدامها أو تدويرها. فإدراج الشحنة ضمن فئة الأجهزة القابلة للاستخدام قد يتيح مرورها، حتى إذا تحولت بعد وصولها إلى البلد المستورد إلى مخلفات يصعب التعامل معها بأمان.

من المغرب إلى لبنان وفلسطين.. مخاطر تتجاوز الحدود

لا تقتصر القضية على الصومال، إذ تناول التحقيق نماذج من دول أخرى تواجه تحديات في تنظيم استيراد النفايات والتأكد من سلامة الشحنات.

ففي المغرب، تمثل النفايات غير الخطرة موردا لبعض الصناعات التحويلية، مثل البلاستيك والكرتون والمعادن، كما تستخدم بعض المخلفات وقودا في عمليات صناعية. وأوضح مصطفى بنرامل، رئيس جمعية المنارات للإيكولوجيا والتنمية، أن المغرب استورد أكثر من مليون و600 ألف طن من النفايات خلال عامي 2016 و2019، وفقا لما أورده التحقيق.

غير أن الاستفادة الصناعية من المخلفات لا تلغي مخاطر التهريب. ففي يونيو/حزيران 2023، ضبطت السلطات الإسبانية، بالتعاون مع اليوروبول، شحنات غير قانونية كانت معدة للتصدير إلى الخارج، من بينها 2300 طن من النفايات البلاستيكية منتهية الصلاحية كانت في طريقها إلى المغرب. ويشير هذا المثال إلى ضرورة التمييز بين الاستيراد القانوني للمواد القابلة للتدوير ونقل المخلفات التي لا تستوفي الشروط البيئية.

وفي لبنان، رصد التحقيق محاولات لإدخال نفايات إلكترونية وبطاريات رصاص مستعملة تحت مسمى الأجهزة أو المواد القابلة للتدوير. وأوضح الخبير البيئي والتنموي فاروق المير أن توصيف البضائع المستعملة يمثل موضوع خلاف ورقابة، إذ قد تدخل أجهزة كهربائية وإلكترونية إلى البلاد، ثم يتبين أن التعامل معها ينطوي على مخاطر تتجاوز قيمتها الاقتصادية.

أما في الأراضي الفلسطينية، فيتحدث بلال عموص، مسؤول وحدة البيئة في مركز مختبرات جامعة بيرزيت، عن ضبط شحنات من المخلفات الصناعية والطبية، وعن آثار عمليات الحرق واستخلاص المعادن في التربة والنباتات. وتشمل الملوثات التي أشار إليها الرصاص والكادميوم والزئبق، فضلا عن مخلفات كيميائية سائلة يمكن أن تتسرب إلى المياه الجوفية.

وفيما يتعلق بغزة، شدد عموص على أن حجم الدمار ومخلفات الحرب يجعل تقييم الأضرار البيئية بدقة أمرا بالغ الصعوبة، في ظل نقص الدراسات والعينات المخبرية الكافية. وحذر من أن تضرر الأراضي الزراعية ومصادر المياه وتلوث الهواء يمثل خطرا واسع النطاق، مع بقاء حجم الأضرار الفعلي غير محسوم علميا.

الرقابة والمساءلة.. من يتحمل المسؤولية؟

من جانبه، رأى نجيب صعب، الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية، أن ثغرات تصنيف النفايات وضعف تطبيق الاتفاقيات الدولية يتيحان للمهربين الالتفاف على القوانين. وقد لا يكتشف التلاعب إلا بعد سنوات من وصول الشحنات، عندما تبدأ آثار التلوث في الظهور، وهو ما يجعل إثبات المسؤولية ومعالجة الأضرار أكثر صعوبة.

ودعا صعب إلى تعزيز قدرات الدول المستوردة على فحص الشحنات، وإنشاء مختبرات متخصصة، وتدريب الخبراء، وتطوير أنظمة إلكترونية لتتبع النفايات منذ خروجها من بلد المنشأ حتى وصولها إلى وجهتها النهائية. كما شدد على أهمية تمكين مؤسسات المجتمع المدني من المشاركة في الرقابة، وفرض عقوبات تتجاوز الأرباح التي يجنيها المهربون، حتى لا يصبح دفع الغرامة أقل كلفة من الالتزام بالقانون.

ولا يرى الخبراء أن الحل يكمن في منع جميع أشكال نقل المخلفات، إذ يمكن لبعض المواد أن تدخل في صناعات التدوير بصورة آمنة ومنظمة. لكن ذلك يتطلب تصنيفا دقيقا، وإشرافا مستقلا، وضمانات تمنع التخلص من الأجزاء غير القابلة للاستفادة بطرق تضر بالبيئة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الاقتصاد الدائري الذي يقوم على تقليل إنتاج النفايات، وإطالة عمر المنتجات، وإعادة استخدامها وتدويرها، مع تحميل الشركات المصنعة مسؤولية التعامل مع منتجاتها بعد انتهاء عمرها التشغيلي.

وتخلص قصة “مافيا النفايات” إلى أن مواجهة هذه التجارة لا تتوقف عند سن القوانين، بل تتطلب إرادة فعلية لتطبيقها، وتعاونا دوليا يحد من التهرب من المسؤولية، ودعما للدول التي تفتقر إلى أدوات الفحص والمراقبة. فبين الأرباح التي تحققها الشبكات غير القانونية والأضرار التي قد تبقى آثارها لعقود، تظل حماية الإنسان والبيئة مرهونة بكشف مسارات النفايات، ومحاسبة المسؤولين عن تهريبها، ومنع تحويل الدول الأضعف إلى وجهة للتخلص من مخلفات الآخرين.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678