ومع وصوله إلى الحكومة، انتقل سموتريتش من التنظير إلى التنفيذ، فلم يكتفِ بدفع التوسع الاستيطاني، بل سعى للسيطرة على الآليات الإدارية والقانونية التي تحدد أين وكيف ومتى يُبنى الاستيطان، محولا إياه من مشروع توسعي إلى منظومة لإعادة تشكيل واقع الضفة.
الاستيطان كإدارة
مع تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو أواخر 2022، جعل سموتريتش السيطرة على الملفات المدنية في الضفة الغربية مطلبا أساسيا، وحصل في فبراير/شباط 2023 على صلاحيات واسعة في “الإدارة المدنية” إحدى أذرع الجيش، تشمل مجالات:
- التخطيط والبناء.
- الأراضي وإنفاذ قوانين البناء.
- إنشاء “إدارة الاستيطان” في وزارة الدفاع تحت مسؤوليته باعتباره وزيرا في وزارة الدفاع.
نقلت هذه الخطوة جانبا كبيرا من إدارة الاستيطان من المسار العسكري إلى منظومة مدنية خاضعة لنفوذ سياسي مباشر، ما جعل التحول لا يتعلق فقط بزيادة البناء، بل أيضا بتسريع الإجراءات التي تسبقه؛ فكلما تقلصت مراحل المصادقة، تراجعت فرص تعطيل المخططات أو تجميدها، وأصبح انتقالها من التخطيط إلى التنفيذ أسرع وأكثر قابلية للتراكم على الأرض.
التخطيط والبناء
في يونيو/حزيران 2023، غيّرت الحكومة الإسرائيلية إجراءات التخطيط في المستوطنات، ومنحت سموتريتش دورا مركزيا في المصادقة على خطط البناء، مع تقليص الحاجة إلى موافقة وزير الدفاع، ما سرع المسار البيروقراطي بشكل كبير.
وبعد أن كانت المخططات تمر بسلسلة طويلة من المراحل والموافقات في لجان التنظيم و”مجلس التخطيط الأعلى” التابع للجيش، أصبح الطريق أقصر وأكثر سرعة.
وبحسب حركة “السلام الآن” الإسرائيلية، يكمن جوهر التحول في “تقليص الزمن” اللازم لتحويل المخططات إلى واقع، وليس فقط زيادة عددها، فكلما تسارعت الإجراءات، تراكم التوسع الاستيطاني على الأرض وأصبح التراجع عنه أكثر صعوبة.
السيطرة على الأرض
لم توقف صلاحيات سموتريتش عند التخطيط والبناء؛ بل امتدت إلى ملفات الأراضي، بحسب تقرير منظمة “بتسيلم ” لحقوق الإنسان، بما في ذلك مسح الأراضي وتسجيلها وإعلانها “أراضي دولة “، وهي ملفات شديدة الأهمية في إعادة تشكيل السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية. وهنا يصبح الاستيطان عملية تبدأ قبل ظهور الجرافات.
فالأرض التي يجري تسجيلها أو إعادة تصنيف وضعها القانوني، والمساحة التي يجري إدخالها في مخطط استيطاني، والبؤرة التي يجري دفع إجراءات شرعنتها، كلها تمثل مراحل في صناعة واقع جديد على الأرض.
ومن هذا المنظور، فإن تسريع الإجراءات الإدارية لا يقل أهمية عن بناء آلاف الوحدات السكنية؛ لأن كل قرار يصدر بسرعة أكبر يضيف طبقة جديدة إلى واقع يصعب تغييره لاحقا.

إدارة الاستيطان
في عام 2024، اتسع التحول بنقل صلاحيات مدنية وقانونية إضافية من الإدارة العسكرية إلى موظفين مدنيين مرتبطين بالهيكل الذي يشرف عليه سموتريتش، وشملت التخطيط والبناء والأراضي والبنية التحتية وإدارة المجالس الإقليمية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن سموتريتش نقل وحدات الخدمات التابعة للإدارة المدنية من مقرها في بيت إيل إلى مبنى جديد في “مجمع بنيامين” بين جبع ومخماس شمال القدس، في خطوة تعزز طابعها المدني وتبعدها عن المنظومة العسكرية، حسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
وبذلك لم يعد التغيير يقتصر على تسريع القرار، بل طال أيضا الجهة التي تتخذه والإطار الذي يحكمه، لتنتقل إدارة ملفات الأرض والتخطيط تدريجيا من منظومة عسكرية إلى جهاز مدني يعمل تحت سلطة سياسية داعمة لتوسيع الاستيطان.
تسريع ماكينة الإنتاج
إن تأثير سموتريتش لا يُقاس فقط بعدد المستوطنات أو الوحدات السكنية التي جرى دفعها خلال فترة وجوده في الحكومة، بل بالتغيير الذي أدخله على “سرعة ماكينة الاستيطان نفسها”، حسب توثيق ورصد منظمة “ييش دين”، وهي منظمة إسرائيلية من المتطوعين في مجال حقوق الإنسان في الضفة الغربية.
فبدلا من انتظار سنوات حتى تتراكم الموافقات، جرى تقليص مراحل إدارية، وتجميع صلاحيات، ونقل مسؤوليات إلى جهاز يخضع لنفوذ سياسي مباشر. والنتيجة هي تقليص المسافة الزمنية بين الفكرة والمخطط، وبين المخطط والمصادقة، وبين المصادقة وتحويل الأرض إلى واقع عمراني.
وهذه السرعة تحمل بعدا سياسيا واضحا، إذ إنه كلما تسارعت وتيرة صناعة الحقائق على الأرض، تراجعت فرص إعادة الوضع إلى ما كان عليه.
سباق مع الزمن
في جوهر رؤية سموتريتش، يمثل الزمن عاملا حاسما في الصراع، فكل توسع استيطاني، وشق للطرق، وتغيير في وضع الأراضي، يجعل إعادة رسم الخريطة أكثر صعوبة.
لذلك، تقول منظمة “النظر في عيون الاحتلال” (إسرائيلية يسارية): لا يمثل اختصار الإجراءات مجرد تبسيط بيروقراطي، بل جزء من المشروع السياسي نفسه: تسريع البناء وتغيير الواقع قبل أن تلحق به الاعتراضات والضغوط.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي أحدثه سموتريتش في منظومة الاستيطان، ما كان يستغرق سنوات بات يمكن إنجازه خلال أشهر، وما كان يحتاج إلى أشهر اختُصر إلى أيام في بعض مراحل المسار الإداري.
وهكذا تحولت سياسة الاستيطان من قرارات متفرقة إلى منظومة أسرع وأكثر تنظيما، تجمع بين التخطيط والأرض والإدارة والقانون.

سجل التوسع الاستيطاني
حسب معطيات منظمات وهيئات توثيقية إسرائيلية، بلغ عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية نحو 780 ألفا، بينهم 446.4 ألفا في الضفة و333.6 ألفا في القدس الشرقية، فيما وصل عدد المستوطنات والبؤر إلى نحو 592 موقعا، بينها 192 مستوطنة رسمية و400 بؤرة.
وارتفع عدد البؤر، خصوصا الرعوية، بنحو 40% منذ تشكيل الحكومة الحالية، فيما صُنّف أكثر من 25.9 ألف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) كـ”أراضي دولة “، وباتت المزارع الرعوية تسيطر فعليا على أكثر من 1.1 مليون دونم، بينها نحو 750 ألف دونم خلال فترة الحكومة الحالية.
وفي قطاع البناء، تقدمت مخططات لأكثر من 40 ألف وحدة استيطانية، بالتوازي مع طرح عطاءات لآلاف الوحدات، وشرعنة أكثر من 100 بؤرة.
كما أقيمت 26 بؤرة على الأقل داخل المنطقة “ب”، بينما خصصت الحكومة نحو 847 مليون شيكل (الدولار يساوي 3 شواكل) ضمن التزامات متعددة السنوات لدعم الاستيطان والبنية التحتية، بينها مشاريع لشق أكثر من 223 كيلومترا من الطرق.
إعادة رسم الملكية
بالتوازي مع كل ما سبق، عمل سموتريتش على اختصار الطريق من المخطط الاستيطاني إلى البناء، والخطوة التالية تتجاوز البناء إلى إعادة تنظيم ملكية الأرض وتحديد أصحاب الحقوق فيها.
ففي عام 2026، انتقلت إسرائيل إلى بناء منظومة مؤسساتية ورقمية لإعادة تشغيل تسوية (تسجيل) الأراضي في الضفة الغربية، بعد أكثر من خمسة عقود على تجميدها رسميا.
وفي 15 فبراير/شباط الماضي، قررت الحكومة استئناف التسوية في المنطقة “ج” والتي تشكل 60% من الضفة وتخضع لسيطرة إسرائيلية؛ بهدف تسجيل ما لا يقل عن 15% من الأراضي غير المسواة بحلول عام 2030، بميزانية بلغت 244.1 مليون شيكل و35 وظيفة جديدة.
تزامنا مع ذلك، بدأت إقامة أدوات التنفيذ؛ ففي 25 مايو/أيار أطلقت الحكومة منصة رقمية لمعاملات الأراضي، وبعد ثلاثة أيام طرحت وزارة القضاء مناقصة لاختيار جهة تتولى إدارة عمليات التسوية في الضفة وشرق القدس، حسب موقع الحكومة الإسرائيلية.
أين الحساسية؟
تكمن الحساسية الأكبر في التسوية إذ إن معظم أراضي المنطقة “ج” لم تدخل أصلا في تسوية نهائية. وتقدر حركة السلام الآن مساحة المنطقة “ج” بنحو 3.3 ملايين دونم، منها قرابة 1.9 مليون دونم خارج التسوية النهائية. وإذا نفذ الهدف الحكومي المعلن، فإن نسبة 15% من هذه الأراضي قد تعني إدخال نحو 290 ألف دونم في عمليات التسوية حتى عام 2030.
وهذا رقم لا يتعلق بعشرات أو مئات قطع الأراضي، وإنما بمساحة واسعة من الضفة الغربية يمكن أن تنتقل من وضع ملكية غير محسوم في السجل النهائي إلى سجل رسمي تحدد فيه الدولة أصحاب الحقوق وحدود القطع.

لماذا الآن؟
إعادة تشغيل التسوية لم تكن قرارا مفاجئا في عام 2026، بل سبقتها عملية إعداد مؤسساتية بدأت منذ سنوات:
- 2019: درست النيابة العسكرية الإسرائيلية إمكانية استئنافها بالتعاون مع وزارة القضاء والجيش والإدارة المدنية.
- 11 مايو/أيار 2025: قرر المجلس الوزاري المصغر “الكابينت ” بدء إجراءات التسوية في المنطقة “ج” وإعداد التعديلات العسكرية اللازمة.
- فبراير/شباط 2026: انتقل المشروع إلى مرحلة التنفيذ، مع تخصيص ميزانية، واستحداث وظائف، وتحديد جهات تنفيذ وأهداف وجدول زمني، ليصبح برنامجا حكوميا طويل الأمد لإعادة تنظيم ملكية الأراضي، لا مجرد إجراء قانوني محدود، بحسب موقع الكنيست.
هنا يلتقي المسار مع تحولات سموتريتش في ملف الاستيطان، فبينما يسرّع التخطيط والبناء والبنية التحتية تغيير الواقع على الأرض، تعيد تسوية الأراضي تحديد ملكيتها وتسجيل الحقوق فيها.
وبذلك لا يقتصر المشروع على توسيع الاستيطان، بل يتجه إلى بناء منظومة حكومية مستمرة لإعادة تنظيم ملكية الأراضي في المنطقة “ج”، بما يحسم مستقبلا من يملك الأرض وكيف تثبت حقوقه فيها.



