وأوضح أمير قطر -في كلمة ألقاها في افتتاح دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثاني، الموافق لدور الانعقاد السنوي الـ55 لمجلس الشورى- أن السياسة التي اتبعتها الدولة قبل الأزمة الحالية مكنتها من استيعاب التداعيات حتى الآن، مشددا على أن بلاده لن تخرج من هذه الأزمة إلا أكثر مرونة وتكيفا مع المتغيرات العالمية.
قصص مقترحة
وأضاف الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن إستراتيجية دولة قطر للتعامل مع الأزمة الحالية شملت الحفاظ على الخدمات وسلاسل التزويد ودورة الحياة الاقتصادية.
وأكد أنه من الطبيعي أن تنعكس الأزمة سلبا على المالية العامة، إذ انخفض إجمالي الإيرادات في النصف الأول من العام بنسبة 42%، فيما انخفضت المصروفات العامة بنسبة 14%، لكن ذلك لم يمس بالخدمات الأساسية أو الأولويات التنموية.
وقال الشيخ تميم إن الدولة “لم تصب بالهلع وظلت تنظر إلى المستقبل بثقة بالاقتصاد الوطني”. وتابع “لقد قررنا عدم تقليص الخدمات الأساسية، وفضلنا عدم تغيير الأولويات التنموية، حرصا على ألا يتباطأ الزخم الاقتصادي الذي تعيشه قطر”.
وأضاف أن سياسات الدولة قبل الأزمة، والتي شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية، مكنت من استيعاب تداعيات هذه الأزمة حتى الآن.
استمرار النمو
وأوضح أمير قطر أن إغلاق مضيق هرمز، وما لحق ببعض منشآت الطاقة في مدينة راس لفان الصناعية من أضرار مباشرة، أدى إلى تعطل جزء مهم من صادرات الدولة، غير أن أثر تداعيات هذه التطورات الاقتصادية تركز بصورة رئيسية في قطاع الطاقة.
وقال “حرصنا على أن تواصل القطاعات غير الهيدروكربونية نموها لتبلغ مساهمتها نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود ومواصلة النمو في ظل ظروف استثنائية ومعقدة”.
وتابع أمير قطر أنه منذ اللحظة الأولى للأزمة، وضعت الدولة في صدارة أولوياتها حماية الإنسان وتأمين احتياجاته، وتعزيز النشاط الاقتصادي، مشيرا إلى أن أجهزة الدولة عملت -بالتعاون مع القطاع الخاص- على تنويع مسارات الإمداد، وتأمين السلع الأساسية والمخزونات الإستراتيجية.
تأمين الملاحة وأمن الطاقة
وأشار أمير قطر إلى أن بلاده تؤمّن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، وأن ما يمسها ينعكس بالضرورة على الأسواق والمستهلكين.
وشدد على ضرورة مضاعفة الجهود لتأمين الملاحة بالخليج ومضيق هرمز وحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية، مؤكدا أن بلاده حملت في هذه الأزمة مسؤولية حماية سيادتها والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
وقال أمير قطر “لدينا حزمة من المشاريع والفرص الاستثمارية تقدر قيمتها بنحو 221 مليار ريال (أكثر من 60 مليار دولار) على مدى السنوات الخمس المقبلة.
وأكد الشيخ تميم أن أعمال توسعة حقل الشمال للغاز تمضي وفق الخطط المقررة لزيادة الطاقة الإنتاجية للدولة من الغاز الطبيعي المسال، في حين أحرز مشروع “غولدن باس” في الولايات المتحدة تقدما ملحوظا، وسط توسع في استثمارات قطر للطاقة وشراكاتها الدولية.
إشارات قوية
وفي تعليقه على خطاب أمير قطر، قال مدير الاستثمار في شركة الأهلي للوساطة المالية وليد الفقهاء إن هذا الخطاب “جاء في مرحلة مفصلية من تاريخ المنطقة، ليؤكد ليس على قوة الاقتصاد القطري فحسب، بل على مرونته في التعامل مع تداعيات الأزمة التي تشهدها المنطقة”.
وأضاف الفقهاء -في حديث للجزيرة نت- أن خطاب أمير قطر “حمل دلائل قوية على أن الاقتصاد القطري قادر على الصمود والمناورة في ظل ظروف أزمة خطيرة تضرب المنطقة”.
وأشار إلى أنه “رغم عمق الأزمة إلا أنها لم تغير من السياسات التنموية وخطط التوسع في البلاد” كما أن خطاب الأمير “أكد استمرار مشروع توسعة حقل الشمال وضخ استثمارات تنموية كبيرة”.
واعتبر المتحدث نفسه أن “مشروع التوسعة هو بمثابة عصب النموذج الاقتصادي القطري” وأن مشروع “غولدن باس” خفف من تداعيات الصدمة الحالية.
وأشار الفقهاء إلى أن ضبط التكاليف والنفقات في ظل الظروف الحالية لم يعد مسؤولية المؤسسات فقط، بل أصبح مسؤولية المواطن أيضا ضمن شراكة حقيقية على هذا الصعيد.
وقال إن ضبط النفقات “أمر طبيعي في مثل هذه الأزمات الأخطر التي تصيب المنطقة ودولة قطر منذ سنوات”.

نظرة استثمارية بعيدة المدى
من جهته قال الخبير في شؤون النفط عامر الشوبكي إن من أبرز ما جاء في خطاب أمير قطر اليوم نظرة البلاد لما بعد الأزمة “بعدما أصبحت أكثر قدرة على حماية اقتصادها وتعزيز دورها على صعيد إمدادات العالم من الطاقة”.
وأضاف في حديث للجزيرة نت “نحن أمام اختبار استثنائي، فالضرر الذي أصاب منشآت الطاقة وتعطل جزء من الصادرات ألحقا الضرر بمصدر أساسي للدخل، ومع ذلك استمرت القطاعات غير النفطية في النمو”.
واعتبر الشوبكي أن استمرار هذا النمو يكشف أهمية ما بنته قطر قبل الأزمة من خطوط صمود ساعدها على امتصاص الصدمات، مشيرا إلى تراكم سنوات من الاستثمار والعمل المؤسسي وخطط تنويع الاقتصاد، وتعدد مواقع الإنتاج، وتنويع قاعدة المشترين.
وأشار إلى أن هذه المساعي والخطوات تجعل قطر دولة قادرة على الخروج من الأزمات بأكثر مرونة.
ووصف الشوبكي مشروع “غولدن باس” في الولايات المتحدة بكونه مصدرا مكن قطر من أن تصبح شريكا في نمو صناعة الغاز الأمريكي الذي يعد منافسا كبيرا على هذا الصعيد.
وقال إن قطر بذلك أضافت إلى مواردها المحلية مصدرا أمريكيا للإنتاج والعائد “وتملك طريقا إلى المستهلك الأوروبي لا يمر عبر مضيق هرمز”.
ورأى الشوبكي أن هذا المشروع يعكس عمق الرؤية الاستثمارية لقطر، التي بنيت على مدى سنوات لتسعف الآن البلاد في مواجهة تداعيات الأزمة الحالية بالمنطقة.
من جهته، قال رئيس مجلس إدارة غرفة قطر الشيخ خليفة بن جاسم بن محمد آل ثاني إن الرؤية التي حملها خطاب أمير قطر تعزز الثقة بمتانة الاقتصاد المحلي وقدرته على التكيف مع الأزمات، وتبرز أهمية مواصلة تنويع القاعدة الاقتصادية ودعم القطاعات الإنتاجية وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، بما يسهم في رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وترسيخ قدرته على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
وأكد في بيان للغرفة على أهمية مواصلة تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتوسيع دور هذا الأخير في النشاط الاقتصادي وتحفيز الاستثمارات في القطاعات ذات القيمة المضافة بما يدعم تحقيق أهداف التنمية الوطنية، ويعزز الاستدامة الاقتصادية ويفتح آفاقاً جديدة للنمو والتوسع أمام الشركات القطرية.



