عادت تلك العبارات لتنتشر على مواقع التواصل الاجتماع بعد إعلان استشهاده أمس الجمعة، رفقة الشابين باسل تركمان ومؤمن جرادات، بقصف إسرائيلي استهدف مركبة ودراجة نارية أمام منزل قيد الإنشاء في حي “حرش السعادة” بمدينة جنين، شمال الضفة الغربية.
من هو قيس البيطاوي؟
ولد في مخيم جنين عام 2004، وسُمي قيس تيمنا باسم عمه الشهيد قيس البيطاوي، الذي استشهد في الانتفاضة الأولى (بدأت عام 1987)، وتأثر كأقرانه بأحداث المخيم المتعاقبة، وكان قريباً من ابن عمه الشهيد نور البيطاوي، قائد كتيبة جنين، الذي اغتاله الاحتلال بعد مطاردة طويلة في مدينة نابلس قبل نحو عام.
تقول شقيقة الشهيد، حلا البيطاوي إن خبر اغتياله “كان مفاجئا جدا” لأنها لم تتوقع أن يكون قيس قريبا من حرش السعادة، بل في منطقة أبعد من جنين كلها.
وتضيف في حديثها للجزيرة نت: “سمعت باستشهاد مجموعة من الشبان بعد عملية قصف، ولم أتوقع أبداً أن يكون قيس بينهم، لكن جيش الاحتلال داهم منزلنا وأبلغنا باستشهاده، ثم اعتقل والدي لعدة ساعات”.
آخر لقاء
تقول حلا إن آخر لقاء بشقيقها كان قبل النزوح من مخيم جنين (العام الماضي)، مشيرة إلى اعتقال زوجها ووالديها وخالها وعدداً من أقاربها للضغط على قيس كي يسلم نفسه “داهموا أماكن نزوحنا أكثر من مرة، وحققوا معنا دائماً، وفي كل مرة كنا نخبرهم أننا لا علم لنا بمكانه”.
عن صفات شقيقها، تقول “قيس الحنون، قريب من الكل، حذر دائماً، كان يخشى علينا، ويحاول حمايتنا من أي أذى قد يلحق بنا بسبب جهاده، قبل النزوح، كان يزورنا على فترات متباعدة، لأنه كان يخشى ملاحقة الاحتلال، ليس خوفاً على نفسه بقدر ما كان يخشى علينا ويحاول حمايتنا”.
وتؤكد أنه كان قريباً جداً من رفاقه الذين سبقوه إلى الشهادة، لكن العائلة فوجئت باستشهاد مؤمن جرادات وباسل تركمان مع قيس، لأنه لم يذكرهما أمام عائلته أبداً، وهو ما يدل على مدى حرصه وحذره.
وخلال الأيام الماضية، كثفت قوات الاحتلال اقتحاماتها لأحياء مدينة جنين، واعتقلت خلالها أقارب الشهيد البيطاوي للضغط عليه لتسليم نفسه.
في كتيبة جنين
التحق قيس بكتيبة جنين بعد تشكيلها في المخيم عام 2021 كقيادي في كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وبعد حرب الإبادة على قطاع غزة منذ 2023، ظهر في جنازات المقاومين وأنشطة الكتيبة في أزقة المخيم.
تعرض البيطاوي لعدة محاولات اغتيال، كان آخرها قبل عام ونصف، وأصيب ثلاث مرات، وظل مطارداً طوال تلك الفترة، واستطاع التخفي ونجح في عدم ترك أي أثر يدل على تواجده.
كما نجح في الإفلات من ملاحقة أجهزة أمن السلطة الفلسطينية خلال العملية العسكرية التي نفذتها داخل مخيم جنين، والتي سُمّيت “حماية وطن” أواخر عام 2024، لاعتقال المقاومين.
وفي مقابلة سابقة مع صحفيين في تلك الفترة قال قيس البيطاوي “لا أقبل أن أرى شقيقي من دمي في نابلس والخليل ورام الله يهان من مستوطن ويعتدى عليه وأقف متفرجاً، ولا أرضى أن أرى المستوطنات تتوسع على حساب أراضينا وأقف من دون مقاومة، إن لم نحصل على الحرية فسيكمل الجيل القادم ما بدأنا به، هذا الجيل لن ينسى الإبادة ولا دماء الشهداء”.

الاغتيال
استشهد البيطاوي بقصف نفذته طائرة مسيّرة إسرائيلية، ومنعت قوات الاحتلال التي هرعت إلى المكان طواقم الإسعاف من الوصول إلى المستهدفين وإسعافهم، أو نقل جثامينهم.
وفي حديثه للجزيرة نت، قال ضابط الإسعاف مراد خمايسة -للجزيرة نت- إنه طاقم الهلال الأحمر الفلسطيني وصل مكان القصف بعد ورود بلاغ من السكان، إلا أن جيش الاحتلال منعهم من الوصول.
وأضاف “بدأ الجنود بالصراخ علينا ومنعنا من الدخول إلى المنزل، كما قاموا بتفتيشنا وطلبوا منا رفع أيدينا. وتم احتجازنا أمام المنزل ومصادرة معدات طبية كانت بحوزتنا، إضافة إلى هواتفنا المحمولة”.

نار وانفجار
من جهته قال شاهد عيان على القصف -فضل عدم ذكر اسمه- إنه سمع صوت انفجار ضخم جداً، وعندما نظر من النافذة شاهد نارا كبيرة. وأضاف “خرجت مسرعاً إلى البيت المقصوف، ورأيت جثامين الشهداء على الأرض. كانوا أشلاء مقطعة. حاولت جمعها مع والدي الذي وصل بعدي بلحظات”.
وتابع أنه اتصل بإسعاف الهلال الأحمر وأبلغهم بوجود شهداء، وزودهم بتفاصيل الموقع لكن جيش الاحتلال داهم المكان واحتجز الجميع “كما هددنا بعدم ذكر أسماء الشهداء والتصريح بها، حتى تأكدوا من هوياتهم، وبعد نقل جثامينهم واحتجازها، سمحوا لنا بالخروج”.
ويضيف الشاهد “نحن أهالي مخيم جنين الذين هُجّرنا من المخيم، أصبحنا ملاحقين في كل مكان، ومهددين بالملاحقة والاعتقال دائماً. قيس هو أبرز المقاومين والمطلوبين من شباب المخيم، واغتالوه بعد عامين من الملاحقة”.
احتجاز الجثامين
واحتجزت قوات الاحتلال جثامين الشهداء الثلاثة، وصادرت المركبة والدراجة النارية من أمام المنزل، بينما واصلت طائرات مسيّرة التحليق فوق المنزل حتى صباح السبت.
وداخل المنزل اذي اغتيل فيه، بقيت مقتنيات الشهداء شاهدة على أيام طويلة عاشوها في منطقة الحرش، البعيدة نسبياً عن صخب المدينة وازدحامها: فراش وأغطية خفيفة، وبعض أواني الطبخ وركوة للقهوة.
عقب عملية الاغتيال، زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، “إحباط هجوم وشيك” في جنين.
بينما صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باغتيال “قائد بحماس في مخيم جنين ومساعديه”، واعتبر ما جرى ثمرة سياسته الهجومية في الضفة الغربية.
القسام تنعى
ونعت كتائب القسام، الشهيد البيطاوي، وقالت إنه لعب دوراً بارزاً في الإشراف على عدد من عمليات القسام وتنفيذها في محافظة جنين، والتي كان آخرها تفجير عبوة ناسفة في حي الجابريات بتاريخ 11 يونيو/حزيران 2026.
واعتبر مخيم جنين، على مدار السنوات الماضية، حاضنة للمقاومة في الضفة الغربية، حيث استطاع عدد من المقاتلين فيه تشكيل كتيبة مسلحة عُرفت باسم “كتيبة جنين”، وظهرت بشكل علني عام 2021.
وبرزت الكتيبة في عمليات إطلاق النار على الحواجز العسكرية ونقاط وجود جيش الاحتلال، إضافة إلى تنفيذ عمليات في عدة مناطق في الضفة الغربية، وفي المستوطنات وداخل الخط الأخضر. كما عُرفت بتصديها لاقتحامات جيش الاحتلال لمدينة جنين ومخيمها.
وكان أبرز إنجاز مسجل للكتيبة “معركة بأس جنين” عام 2023، حيث استطاعت إلحاق أضرار مادية بآليات الاحتلال التي اقتحمت المخيم، إضافة إلى اعتراف الاحتلال بمقتل ضابط في جيشه وإصابة آخرين.

المخيم الشاهد
ويعد مخيم جنين ثاني أكبر مخيمات الضفة الغربية بعد مخيم بلاطة في مدينة نابلس، وقد أُنشئ عام 1953، ويبلغ عدد سكانه أكثر من 17 ألف نسمة.
وشهد المخيم عام 2002 اجتياحاً إسرائيلياً استمر 14 يوماً، عُرف بمعركة جنين، حيث دمر الاحتلال قرابة 10% من مبانيه بشكل كامل، فيما تمكنت فصائل المقاومة المسلحة فيه من قتل 13 جندياً بعد تنفيذ كمين داخل أحد المباني.
ومنذ عام 2021 وحتى بداية عملية “السور الحديدي” أوائل 2025، التي أدت إلى تدمير المخيم وتهجير سكانه، شهد المخيم أكثر من 16 اقتحاماً عسكرياً إسرائيلياً، واستشهد عدد كبير من سكانه، واغتال الاحتلال أسماء بارزة من المقاومين، منهم فاروق سلامة، وجميل العموري، وداوود الزبيدي، وعبد الله جلامنة، ونور البيطاوي، ومحمد الزبيدي، وغيرهم.






