وتثير المستجدات الميدانية والتكنولوجية تساؤلات ملحة عما إذا كان العالم يقف على أعتاب صراع تقليدي أوسع نطاقا، أم حربا غير تقليدية تعتمد على تدمير البنية التحتية وإحداث شلل كامل في مقدرات العدو دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
اقرأ أيضا
شواهد من التاريخ المعاصر
في مقال تحليلي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، يرى كاتب العمود بريت ستيفنز في قراءته للسوابق التاريخية أن الحرب العالمية الثانية لم تبدأ ببساطة يوم غزت ألمانيا جارتها بولندا في الأول من سبتمبر/أيلول 1939، وإنما كانت نتاج تراكم طويل من الحروب والأزمات الإقليمية بدأ بالغزو الياباني لمنشوريا عام 1931، ثم تجمعت تدريجيا في صراع عالمي واحد.
واستهل ستيفنز بالتذكير بمقال كان قد كتبه عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، بعنوان “هكذا تبدأ الحرب العالمية الثالثة”.
وبعد أكثر من 4 أعوام، يعود ليبدي اندهاشه من أن توقعاته تلك قد أصابت شيئا من الحقيقة، ويستند في ذلك إلى تشابهات يراها بين ثلاثينيات القرن الماضي والمرحلة الراهنة، أبرزها تعدد بؤر الصراع، وتقارب القوى المناوئة للغرب، وتردد الديمقراطيات وانقساماتها، والتحولات السريعة في التكنولوجيا العسكرية.
ويشير الكاتب إلى أن روسيا، رغم انتكاساتها في ساحة القتال، لم تتراجع عن سياسة المخاطرة، بل وسعت تهديداتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لتشمل مولدوفا وبولندا وألمانيا وغيرها.
وفي الشرق الأوسط، تحولت هجمات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام 2023 -بحسب ستيفنز- إلى سلسلة من المواجهات شملت إسرائيل وحزب الله والحوثيين وإيران، قبل أن تتسع إلى حرب بين إيران والولايات المتحدة ودول خليجية.
كما باتت ساحات الحرب مترابطة، فالهجمات الأوكرانية بعيدة المدى لتعطيل إمدادات عسكرية إيرانية إلى روسيا، على سبيل المثال، تأتي في سياق صراع يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.
المعطيات تشير إلى أن روسيا تعمل على تحديث القوات المسلحة لكوريا الشمالية مقابل الحصول على ملايين القذائف والإمدادات البشرية، في حين تمد الصين موسكو بالجزء الأكبر من المكونات الإلكترونية التي تدخل في صناعة الطائرات المسيرة
على أن الأكثر إثارة للقلق -في تقدير ستيفنز- هو ما يسميه “محور الاستبداد” الذي لم يعد مجرد تقارب سياسي، بل أصبح تحالفا عسكريا تنفيذيا متكامل الأركان.
وأكد في هذا الصدد أن المعطيات تشير إلى أن روسيا تعمل على تحديث القوات المسلحة لكوريا الشمالية مقابل الحصول على ملايين القذائف والإمدادات البشرية، في حين تمد الصين موسكو بالجزء الأكبر من المكونات الإلكترونية التي تدخل في صناعة الطائرات المسيرة.
وفي السياق ذاته، توفر روسيا معلومات استخباراتية حيوية لإيران لاستهداف مواقع السفن الأمريكية في الشرق الأوسط، وسط تقارير صادرة عن معهد السياسة الإستراتيجية الأسترالي تنبه إلى إمكانية استدعاء أسطول الغواصات الروسي في المحيط الهادي حال اندلاع صراع حول تايوان.
في المقابل، يحذر ستيفنز من عامل آخر وهو ضعف الجاهزية الغربية، لا سيما في ظل التباطؤ الصناعي والتحديات الاقتصادية، لافتا إلى أن الحرب مع إيران كشفت نقصا في الذخائر وحساسية الولايات المتحدة تجاه الخسائر البشرية والكلفة الاقتصادية التي تتكبدها.
وقال إن تجربة الحرب في أوكرانيا أظهرت مدى التغير السريع في أساليب القتال وظهور تكتيكات الطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لدرجة جعلت بعض المعدات التقليدية السابقة أقل فاعلية.
وأضاف أن التغطيات الصحفية أشارت إلى أن “الدبابات التي زودت بها واشنطن وحلفاؤها أوكرانيا باتت تقبع في الغالب عاطلة ومختبئة في الغابات وينسج العنكبوت خيوطه حولها”.
ويحذر ستيفنز من أن النكسات الاقتصادية المحتملة قد تزيد الأمور سوءا، مشيرا إلى أنه “في فترات الضائقة الاقتصادية، تصبح الديمقراطيات تقريبا أكثر نفورا من المخاطرة، بينما تصبح الديكتاتوريات أكثر عرضة لها”.
سيناريوهات الصراع
وفي اتجاه متصل يرى المسؤول السابق في البيت الأبيض والبنتاغون دوغ ماكينون -في مقال بصحيفة ذا هيل- أن نمط الصراعات المستقبلية قد يتجاوز التوقعات التقليدية للحرب العالمية الثالثة.
وبدلا من اللجوء للترسانات النووية والدمار الشامل، يستحضر ماكينون التنبؤ المنسوب لعالم الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين الذي قال فيه: “لا أعرف بأي أسلحة ستخاض الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستخاض بالحجارة والعصي”.
لكن ماكينون يقدم قراءة مختلفة تفرض أن الخصوم قد يتجاوزون المواجهة العسكرية المباشرة لتنفيذ هجوم سيبراني رقمي يمثل حقبة “الحرب العالمية الرابعة”.
ويتضمن سيناريو الصراع السيبراني ملامح شلل تام للدولة المستهدفة دون حاجة لتدمير المنشآت أو تجمعات السكان. ووفق هذا السيناريو، يمكن لخصم كبير -مثل الصين- أن يبدأ الحرب بهجمات إلكترونية متزامنة تستهدف شبكات المياه والكهرباء، والنظام المالي، ووسائل النقل، وسلاسل الإمداد، والأقمار الصناعية.
ثم تأتي مرحلة التضليل باستخدام مقاطع الفيديو والصور المزيفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لإرباك الجمهور وتأليب الرأي العام ضد القيادات السياسية، قبل أن تدخل ملايين الطائرات المسيّرة إلى المعركة.
ويؤكد ماكينون أن هذا التهديد ليس محض خيال علمي، إذ كشفت تقارير صادرة عام 2018 من مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي عن وجود ثغرات إلكترونية حرجة في معظم أنظمة الأسلحة الرئيسية التي خضعت للاختبار خلال الفترة بين 2012 و2017، بما في ذلك شبكات مياه ومرافق اعتُبرت حيوية في عدة ولايات أمريكية مؤخرا.
ويختم المسؤول السابق في البيت الأبيض تحليله بالإشارة إلى أن التوسع غير المحسوب في الاعتماد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي يزيد من هشاشة المجتمعات المتقدمة أمام التهديدات الرقمية، متوقفا عند المثل القائل “في بلاد العميان، الأعور ملك”.
واختتم مقاله بالتأكيد أنه مع انتشار التكنولوجيا الفائقة والمفتونة بالذكاء الاصطناعي، فإن البلدة والآلات ذات التكنولوجيا الأكثر بدائية هي التي ستنجو.
ولعل تتابع التطورات الجيوسياسية وتسارع الاعتماد على التقنيات المعقدة يضعان النظام الدولي أمام معادلة حاشدة بالمخاطر، تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالأزمات الرقمية والاقتصادية.
ويبقى استخلاص الدروس من السوابق التاريخية هو السبيل الأساسي لتفادي سيناريوهات صراع ربما لا تبقي على المكتسبات الحضارية الحالية.



