إنه حفيظ كلشات، الذي اختار منذ أكثر من 15 عاما أن يكون حارسا متطوعا لهذه الكائنات، يقضي لياليه على الشاطئ حتى الفجر، يزيل من طريقها الشباك التالفة والحطب ومخلفات الصيد، ويراقب مواقع التعشيش حتى تتمكن السلاحف من أداء دورتها الطبيعية في أمان.
قصص مقترحة
نيوز عربي رافقت حفيظ خلال ليلة كاملة، وشاهدت كيف يتحول الشاطئ مع حلول الظلام إلى مساحة للحراسة والمراقبة، وتنتظر السلاحف اللحظة المناسبة للخروج من البحر.
حين خرجت السلاحف من البحر
يقول حفيظ إن قصته مع السلاحف بدأت عندما شاهدها تأتي إلى الشاطئ لوضع بيضها، بينما كان بعض الأشخاص يصطادونها. وكان المشهد كافيا ليقرر، مع مجموعة من رفاقه، أن يتدخلوا لحمايتها. ومنذ ذلك الوقت، واصلوا الحراسة دون مقابل.
يقول حفيظ إن السلحفاة تحتاج إلى الهدوء والظلام عندما تخرج من البحر، وأي ضوء أو حركة بشرية أو عائق قد يدفعها إلى العودة من حيث أتت؛ لذلك يبدأ عمله قبل وصولها. ينظف مسارها من العوائق، ويزيل الشباك والحطب والمخلفات، ثم يترك لها مساحة كافية لتختار المكان الذي ستضع فيه بيضها.
ليست مهمة سهلة، فالحارس يحتاج إلى الصبر والهدوء، وأن يراقب دون أن يتحول هو نفسه إلى مصدر إزعاج للسلاحف.
حفرة للبيض.. ثم عودة إلى البحر
حين تجد السلحفاة المكان المناسب، تبدأ عملية التعشيش. يراقب حفيظ بعينيه، دون أن يتدخل، مراحل العملية التي أصبحت مألوفة لديه طوال سنوات الحراسة. تحفر السلحفاة حفرة أولى، ثم تجهز حفرة أخرى تضع فيها البيض. وتستغرق عملية وضع البيض ما بين 20 و30 دقيقة، ثم تبدأ السلحفاة تغطية العش بالرمال لتخفيه بعناية.
ثم تبدأ رحلة العودة. تدفع جسدها الثقيل باتجاه البحر، وتختفي تدريجيا في الظلام، تاركة خلفها عشا صغيرا مدفونا في الرمال يحمل جيلا جديدا من السلاحف. بالنسبة إلى حفيظ، لا تنتهي المهمة بخروج السلحفاة إلى البحر، بل تبدأ مرحلة أخرى من المراقبة.
أربعة أنواع على شاطئ واحد
خلال سنوات عمله، تمكن حفيظ من رصد أربعة أنواع من السلاحف على ساحل الدمر: السلحفاة الخضراء، ومنقار الصقر، والزيتونية، والضخمة الرأس.
لكن ما لفت انتباهه خلال الموسم الحالي هو خروج أنواع مختلفة في الفترة نفسها، على خلاف ما اعتاد مشاهدته في مواسم سابقة. ويقول إن هذه الملاحظات الميدانية أصبحت جزءا من تجربته الطويلة مع السلاحف، إذ أصبح يعرف مواقع تعشيشها وحركتها والأخطار التي تواجهها. لكن أخطر ما يراه لا يأتي دائما من البحر.
على امتداد الشاطئ، يمكن أن تتحول قطعة من شبكة صيد مهملة إلى فخ قاتل. يقول حفيظ إن الشباك التالفة ومخلفات الصيد من أبرز الأخطار التي تواجه السلاحف. الصغار قد تعلق فيها بعد الفقس، ويمكن للسلاحف الكبيرة أن تعلق بها على اليابسة، وتظل عاجزة عن الحركة حتى تتعرض لأشعة الشمس. وهنا يبدأ سباق حفيظ ورفاقه مع الوقت. فكلما عثروا على سلحفاة عالقة، يحاولون تحريرها وإعادتها إلى البحر.
بالنسبة إليهم، إزالة شبكة من الرمال ليست مجرد عملية تنظيف؛ فقد تكون إنقاذا لكائن بحري قضى عقودا في البحر ثم انتهت رحلته بسبب قطعة بلاستيكية أو شبكة تركها إنسان خلفه.
السلاحف ليست مجرد كائنات جميلة
لكن حماية السلاحف لا ترتبط فقط بحب هذه الكائناتإذ يوضح عبد الباسط الغرابي، الأستاذ بكلية العلوم البيئية والأحياء البحرية في جامعة حضرموت، أن للسلاحف دورا في الحفاظ على التوازن البيئي البحري. فهي تتغذى على الأعشاب البحرية وقناديل البحر، كما تؤدي بعض أنواعها أدوارا مرتبطة بحماية الشعاب المرجانية. لذلك، فإن اختفاء السلاحف لا يعني فقدان كائن بحري فحسب، بل يمكن أن ينعكس على النظام البيئي الذي تعيش فيه.
الرمال تحدد جنس السلاحف
ولا تتوقف التهديدات عند الصيد والشباك. فهناك خطر آخر لا تراه العين بسهولة، لكنه يعمل داخل العش المدفون تحت الرمال: الحرارة. إذ يقول الغرابي إن جنس أجنة السلاحف يتأثر بدرجة الحرارة خلال فترة من مراحل الحضانة. ومع ارتفاع درجة حرارة الرمال، تميل النسب بصورة أكبر نحو الإناث.
ويرى حفيظ ذلك على الشاطئ بأم عينيه. ففي إحدى مجموعات الصغار التي فقست قبل نحو أسبوع، وجد ذكرا واحدا مقابل نحو 90 أنثى. وهو رقم صغير في الظاهر، لكنه بالنسبة للباحثين والمتطوعين يحمل دلالة كبيرة على ما يمكن أن تفعله التغيرات في درجات الحرارة بتوازن أعداد السلاحف مستقبلا.
أخطار تبدأ من الإنسان
الصيد الجائر، والشباك المهملة، والإضاءة، والمنشآت القريبة من مواقع التعشيش، وارتفاع درجات الحرارة، كلها تهديدات تتقاطع عند نقطة واحدة: تأثير الإنسان في البيئة التي تحتاج إليها السلاحف كي تستمر. فالضوء، مثلا، يمكن أن يربك السلحفاة التي تبحث عن طريق العودة إلى البحر. والمنشآت القريبة من الشاطئ يمكن أن تغير طبيعة مواقع التعشيش.
أما المخلفات، فتحول الرمال إلى مصائد غير مرئية. لكن في مناطق أخرى من اليمن، يحاول متطوعون مواجهة هذه الأخطار بإمكانات بسيطة.
وفي شرمة ومحيفيف، تغطى بعض مواقع التعشيش بسعف النخيل لتخفيض حرارة الرمال، وهو ما ساهم، وفق ما يورده التقرير، في رفع نسبة الفقس من 45% إلى 85%. كما تعمل الفرق على إرشاد صغار السلاحف نحو البحر، مما رفع نسبة وصولها إلى 90%.
حراسة بلا راتب
لا يملك حفيظ مختبرا ولا معدات متقدمة. فسلاحه في هذه المهمة مصباح وحذاء وخبرة أكثر من 15 عاما. يمشي في الظلام، يراقب الرمال، يزيل المخلفات، ويتوقف كلما ظهرت سلحفاة. لا يريد أن يقترب منها كثيرا. لا يريد إضاءة تعيقها. ولا يريد أن يترك شيئا في طريقها. فكل ما يريده هو أن تصل إلى المكان الذي اختارته، تضع بيضها، وتعود إلى البحر. ثم تبدأ رحلة جديدة.
ويرى الغرابي أن حماية السلاحف تحتاج إلى ما هو أبعد من جهود المتطوعين. ويدعو إلى تكثيف حملات التوعية في المدارس والمساجد، وتعريف الناس بأهمية هذه الكائنات ودورها في البيئة. كما يدعو الصيادين إلى عدم ترك مخلفاتهم في البحر والشواطئ، وإلى الحد من استهلاك لحوم السلاحف عبر مقاطعة المطاعم التي تقدمها، باعتبار أن تقليص الطلب يمكن أن يسهم في الحد من الصيد الجائر.
لكن حفيظ كلشات لا ينتظر كل ذلك كي يبدأ. فحين يحل الظلام، يعود إلى الشاطئ. وحين تظهر أول سلحفاة من البحر، تبدأ جولته. يمشي خلفها دون أن يقترب كثيرا، يزيل ما يعترض طريقها، ويراقبها حتى تنتهي من وضع بيضها. ثم يشاهدها وهي تعود إلى البحر. وحين تختفي السلحفاة في الأمواج، ويبقى العش تحت الرمال يعود حفيظ إلى جولته. فقد تكون هناك سلحفاة أخرى في مكان آخر تنتظر طريقا آمنا إلى الشاطئ.



