فجر الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول، شنت القوات المصرية موجة هجومية ثانية انطلاقا من مواقعها في الشريط الغربي في سيناء، عبر أربعة محاور رئيسية امتدت من الشمال إلى الجنوب؛ ففي الشمال، تقدم اللواء 15 المدرع المستقل من رأس كوبري الفرقة 18 مشاة باتجاه تقاطع الطريق الساحلي المطل على البحر الأبيض المتوسط مع الطريق العرضي رقم 3. وفي الوسط، تحركت الفرقة 21 المدرعة، من رأس كوبري الفرقة 16 مشاة نحو الطاسة، وهي عقدة طرق بالغة الأهمية ومركز لتجمع الاحتياطيات الإسرائيلية. وإلى الجنوب، تحرك اللواء 11 مشاة ميكانيكي من الفرقة السابعة باتجاه الجدي، في حين اندفع اللواء الثالث المدرع من الفرقة الرابعة المدرعة جنوبا نحو متلا.
قصص مقترحة
كانت الخطة بذلك تضرب على جبهة شديدة الاتساع، إذ تفصل عشرات الكيلومترات بين محاور الهجوم المختلفة، لكن أعنف جولات القتال تركزت في محور الطاسة، حيث شكّلت الفرقة 21 المدرعة بقيادة إبراهيم العرابي المجهود الرئيسي للجيش الثاني. ونُظمت الفرقة في تشكيلين؛ ضم الأول اللواء الأول المدرع إلى اليمين واللواء 14 المدرع إلى اليسار، بينما تمركز خلفهما اللواء 18 مشاة ميكانيكي. وفي ظل هذا الانتشار، لم يكن أمام قادة الوحدات سوى وقت محدود للإعداد؛ فقد تلقى قائدا اللواءين المدرعين مهامهما مساء 13 أكتوبر/تشرين الأول، ولم يبق أمامهما قبل حلول الظلام سوى وقت قصير للاستطلاع، في حين لم يتلق اللواء 18 الميكانيكي مهمته النهائية إلا عند الرابعة فجرا، أي قبل نحو ساعتين ونصف فقط من موعد الهجوم.
وفي السادسة والنصف صباحا، تحرك اللواءان الأول والرابع عشر شرقا، بعد تمهيد جوي ومدفعي سبق تقدمهما، لكنهما اصطدما قرابة الثامنة صباحا بخط دفاع أعدته إسرائيل على مواقع مجهزة من شمال الطريق الأوسط إلى جنوبه. تعرض اللواء الأول المدرع منذ بداية الاشتباك لنيران مدفعية بعيدة المدى ونيران الدبابات والصواريخ المضادة للدروع، وفي الدقائق الأولى من المعركة قُتل قائده محمد توفيق أبو شادي وقائد مدفعية اللواء، كما انقطع الاتصال بين قيادة اللواء وبعض وحداته، ما أضعف السيطرة على تشكيلاته. وبحلول نحو الواحدة والنصف ظهرا، كان موقف الفرقة 21 المدرعة قد أصبح حرجا، فبدأ قائدها إعادة تنظيم ما تبقى من قواته داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة.
في أقصى الشمال، كان اللواء 15 المدرع المستقل يتقدم نحو بالوظة. وتحركت مفرزته الأمامية بعد تمهيد مدفعي، لكنها لم تكد تتقدم بضعة كيلومترات حتى اصطدمت بموقع دفاعي إسرائيلي قوي يسيطر على الطريق الساحلي. وحاول اللواء الالتفاف على الموقع، ثم عاد إلى مهاجمته مباشرة بعد قصف مدفعي، غير أن دباباته تعرضت لنيران كثيفة من المدفعية والدبابات والأسلحة المضادة للدروع من الأمام والجوانب.
وفي نحو الحادية عشرة والنصف، أمر قائد اللواء بالتوقف على الخط الذي وصل إليه وعدم دفع التشكيل الثاني، ثم صدر مساء الأمر بالعودة إلى رأس كوبري الفرقة 18. وفي أقصى الجنوب، كان اللواء الثالث المدرع من الفرقة 4 المدرعة مكلفا بالتقدم في اتجاه المدخل الغربي لممر متلا، لكنه، بدلًا من التحرك مباشرة على الطريق الرئيسي، اختار قائده نور الدين عبد العزيز الالتفاف عبر وادي مبعوق ووادي المر، متجنبا الدفاعات الإسرائيلية الأقوى على الطريق. واستطاع اللواء بهذا المسار التقدم إلى عمق يقارب 25 كيلومترا شرق القناة، والوصول إلى منطقة تبعد نحو ستة كيلومترات فقط عن المدخل الغربي لمتلا.
لكن هذا النجاح وضع اللواء بعيدا عن بقية القوات، وأبعده بدرجة كبيرة عن مظلة الدفاع الجوي. وعند نحو الثامنة صباحا، بدأ يصطدم بقوات إسرائيلية مدرعة وبأسلحة مضادة للدبابات، قبل أن يتعرض لهجمات جوية قوية. وأُصيب مركز قيادة اللواء، وقُتل قائده نور الدين عبد العزيز، فتعثرت القيادة والسيطرة في الوقت الذي كانت فيه الدبابات الأمامية تخوض قتالًا شديدًا. ومع ذلك، تمكنت أجزاء من اللواء من البقاء في مواقع متقدمة عدة ساعات، وطلبت القيادة الأمامية دعما بالمشاة والمدفعية والطيران للحفاظ على الخط واستئناف الهجوم، لكن هذا الدعم لم يكن متاحا. وفي النهاية، أمرت القيادة بالانسحاب، فعادت بقايا اللواء إلى رأس كوبري الفرقة 18 مساء 14 أكتوبر/تشرين الأول.
“في شهاداتهم حول الحرب والإعداد لها، وقع خلاف شديد بين العسكريين المصريين بشأن قضية تطوير الهجوم”
وكان محور الجدي أكثر غرابة؛ إذ لم يُبلّغ اللواء 11 مشاة ميكانيكي، الذي كان مفترضا أن يهاجم مع بقية القوات صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول، في الوقت المناسب بتأجيل العملية من يوم 13 إلى يوم 14، ولذلك خرج وحده في السادسة والنصف صباح 13 أكتوبر/تشرين الأول وخاض قتالا طويلا، قبل أن يعود إلى رأس الكوبري قرب الثانية صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول. ولهذا تأجل هجومه إلى الواحدة ظهرا، مع تدعيمه بكتيبة دبابات من اللواء 25 المدرع المستقل. وفي نحو الواحدة ظهرا، اندفعت كتيبة الدبابات التابعة للواء 25، وتمكنت من قطع نحو سبعة كيلومترات خلال خمس عشرة دقيقة واقتربت من هدفها، لكن عند الواحدة والربع تقريبا صدر أمر بإلغاء دفع اللواء 11 الميكانيكي وسحب كتيبة الدبابات، بعد أن أصبح تعثر الهجوم على المحاور الأخرى واضحًا.
ومع انقشاع غبار المعركة، ظهرت كلفتها في حجم الخسائر التي تكبدتها القوات المصرية، وإن اختلفت المصادر في تقديرها بدقة. تقدر دراسة للجيش الأمريكي الخسائر العامة في محاولة الاختراق بنحو 200 دبابة، وتقدم رقما أكثر تحديدا للفرقة 21، صاحبة الخسائر الرئيسية في الشمال، وهو 188 دبابة من نحو 200 أو 210 دبابات شاركت في اللواءين الأماميين. وكان الإسرائيليون قد توصلوا أصلا إلى وجود فجوة بين الجيشين الثاني والثالث قرب الدفرسوار، لكنهم ظلوا مترددين في المخاطرة بالعبور، غير أن معركة 14 أكتوبر/تشرين الأول جعلت الظروف أكثر ملاءمة لهم. وتمكنت القوات الإسرائيلية المدرعة من اختراق الصفوف المصرية، والعبور إلى الضفة الغربية لقناة السويس، وتهديد نيوز عربي المصري، ثم الالتفاف حول خليج السويس بغرض حصار الجيش الثالث الميداني، المسؤول عن القطاع الجنوبي من الجهد العسكري المصري في تلك الحرب، والممتد حول خليج السويس.

جدل التخطيط وتطوير الهجوم
في شهاداتهم حول الحرب والإعداد لها، وقع خلاف شديد بين العسكريين المصريين بشأن قضية تطوير الهجوم. حمّل الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان الجيش المصري أثناء الحرب، الرئيس محمد أنور السادات مسؤولية الفشل في تطوير الهجوم، مدّعيًا أن الخطة القتالية للجيش المصري لم تتضمن تطوير الهجوم، وأن القرار كان قرارا سياسيا مندفعًا أصدره الرئيس ضد إرادة القادة العسكريين. أما المشير محمد عبد الغني الجمسي الذي كان رئيسا لهيئة عمليات القوات المسلحة أثناء الحرب، فقد عارض رواية الشاذلي مؤكدًا أن الخطة القتالية تضمنت تطوير الهجوم كجزء أساسي منها. وتعقدت الصورة بفعل الخلاف حول تطور الخطط القتالية لتحرير سيناء التي جرى العمل عليها منذ هزيمة يونيو/حزيران 1967، في ضوء رواية الفريق أول محمد فوزي الذي كان وزيرا للدفاع بين عامي 1967 و1971.
تقول الرواية إن فكرة الحرب الهجومية لتحرير سيناء موجودة منذ عهد جمال عبد الناصر في صورة تصور متدرج ومتكامل للحرب. وفقًا لفوزي، أصدر عبد الناصر بعد هزيمة يونيو/حزيران توجيها إستراتيجيا يقضي بأن يكون الهدف النهائي للقوات المسلحة هو تحرير سيناء بالقوة والوصول إلى الحدود الدولية المصرية. وشُكلت داخل القيادة العامة لجان عسكرية، ارتبط عمل بعضها باسم عبد المنعم رياض، وانتهت إلى ما يسميه فوزي “الخطة 200”. ولا يقدم فوزي هذه الخطة بوصفها خطة معركة واحدة، بل إطارا إستراتيجيا شاملا لتحرير سيناء تتفرع منه خطط مرحلية وعملياتية مختلفة.
“تقول رواية الفريق محمد فوزي إن فكرة الحرب الهجومية لتحرير سيناء موجودة منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر”
ليس التضارب بين تلك الشهادات تضاربا معرفيًا فحسب، وإنما هو أيضًا تضارب تأويلي يرجع إلى مفهوم “الخطة”. ففي العقيدة العسكرية الأمريكية، يجري التمييز بين خطة مفاهيمية تحدد الهدف العام واتجاه العمليات، لكنها تحتاج إلى توسع وتعديل كبيرين قبل أن تصبح خطة تنفيذية، وتسمى التصور الإستراتيجي (Concept Plan). أما الخطة العملياتية (OPLAN) فتحدد القوات المطلوبة والإمدادات والتوقيتات وكيفية نقل الموارد إلى مسرح العمليات. فالخطة التي بُني عليها العبور عمليًا كانت محدودة، تستهدف التقدم في سيناء بعمق يتراوح تقريبًا بين 10 و15 كيلومترًا، ثم التحول إلى الدفاع داخل مظلة الصواريخ المصرية. لكن قبل الحرب وُضعت أيضًا على الورق مرحلة ثانية لتطوير الهجوم شرقا باتجاه المضايق بعد “وقفة تعبوية”.

يروي الفريق الشاذلي أنه عندما تولى رئاسة الأركان في مايو/أيار 1971 وجد أن الخطة 200 ذات طابع دفاعي، وأن القوات المسلحة لم تمتلك آنذاك خطة هجومية متكاملة وقابلة للتنفيذ لتحرير سيناء. في رواية فوزي، كانت “غرانيت” هي المرحلة الأولى العملية من الخطة 200. ولم تكن في نظره مجرد غارات أو عمليات تعرضية محدودة كما وصفها الشاذلي، بل عملية هجومية واسعة تبدأ بعبور قناة السويس واقتحام خط بارليف والتقدم في سيناء حتى الوصول إلى خط المضايق الإستراتيجية وتأمينه. وبعد الوصول إلى هذا الخط، تبدأ المرحلة التالية من الخطة 200 التي تقوم على استئناف التقدم شرقا حتى الوصول إلى الحدود الدولية.
تأتي أكثر نقاط رواية فوزي إثارة للجدل في قوله إن القوات المسلحة كانت، بحلول أواخر سنة 1970، قد وصلت إلى مستوى من إعادة البناء يسمح ببدء معركة التحرير. ويروي أنه أبلغ عبد الناصر بأن القوات ستكون قادرة على البدء في العمليات بعد انتهاء وقف إطلاق النار وفق مبادرة وزير الخارجية الأمريكي روجرز، وأنه حصل في أوائل سبتمبر/أيلول 1970، أثناء وجوده مع عبد الناصر في مرسى مطروح، على تصديق شفهي على تنفيذ الخطة 100، بحيث تبدأ العملية بـ”غرانيت”، والتقدم إلى المضايق، وذلك بعد انتهاء وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه. وبحسب هذه الرواية، فإن وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر/أيلول 1970 أوقفت تنفيذ خطة استعدت لها القوات بالفعل، أو على الأقل تجهزت لبدء مرحلتها الأولى. وهذه من أكثر النقاط التي عارضها الشاذلي والفريق محمد صادق، وزير الحربية بين عامي 1971 و1972، إذ شكّكا في قدرة العسكرية المصرية حينذاك على تنفيذ عملية بهذا الحجم.
ولا يتوقف فوزي عند عهد عبد الناصر، بل يقول إن السادات ناقش معه في ربيع 1971 إمكانية تنفيذ “غرانيت”، وإن مواعيد طرحت لبدء العمليات في مايو/أيار أو أوائل يونيو/حزيران قبل أن يتراجع السادات عن التنفيذ. ويربط فوزي جزءا من خلافه الأخير مع السادات واستقالته في مايو/أيار 1971 بهذه القضية. لكن المؤرخ العسكري المصري جمال حماد ناقش رواية فوزي، مؤكدا أنه اطلع على الوثيقة التي استند إليها بشأن عمليات يونيو/حزيران 1971، وأنها تتحدث عن عمليات محدودة لا تشير بوضوح إلى “غرانيت” أو المضايق أو تحرير سيناء. كما أن الفريق محمد صادق نفى بعض التفاصيل التي وردت في رواية فوزي بشأن إعداد وثيقة الحرب.

بعد رحيل فوزي، ظهر خلاف بين وزير الحربية محمد صادق ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي. مال صادق إلى إعداد خطة تصل بالقوات إلى المضايق، بينما رأى الشاذلي أن إمكانيات القوات المسلحة الفعلية لا تسمح بذلك. وقد انتقد فوزي مفهوم “الحرب المحدودة” الذي دافع عنه السادات والشاذلي كلاهما رغم اختلافهما. ففي نظره، كان يجب أن يكون العبور بداية لعملية تحرير سيناء، لا أن يصبح هو الغاية العسكرية الأساسية للحرب.
عندما تولى سعد الدين الشاذلي رئاسة أركان القوات المسلحة سنة 1971، كانت المشكلة العسكرية المصرية واضحة، فالجيش المصري لا يستطيع خوض حرب في عمق سيناء في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي، بينما تستطيع شبكة الدفاع الجوي المصرية حماية القوات لمسافة محدودة فقط شرق القناة. لذلك صاغ الشاذلي مشروعه الأساسي الذي أطلق عليه اسم “المآذن العالية”، الذي تضمن عبور القوات المصرية للقناة، وتحطيم خط بارليف، ثم إنشاء رؤوس كباري متماسكة تتحول إلى مناطق للدفاع المكاني، بحيث تضطر المدرعات الإسرائيلية إلى مهاجمة قوات مشاة مصرية مزودة بكثافة بالصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات وتعمل تحت حماية شبكة الدفاع الجوي.
“لم يكن عدم التقدم إلى عمق سيناء عيبا أو نقصا عارضا في تصور الشاذلي بل كان استجابة للمعطيات العسكرية”
بهذا المعنى، لم يكن عدم التقدم إلى عمق سيناء عيبا أو نقصا عارضا في تصور الشاذلي، بل كان معطى بُني عليه التصور. فالقوة المصرية لم تكن، في تقديره، قادرة على منافسة إسرائيل في حرب حركة مفتوحة تتدخل فيها القوات الجوية الإسرائيلية بحُرية. لذلك كان الهدف هو إجبار إسرائيل على خوض معركة تناسب المزايا المصرية وتحد من التفوق الإسرائيلي. ومن هنا، أصر الشاذلي بعد الحرب على أن الابتعاد عن مظلة الصواريخ كان يعني التخلي عن أحد أهم الأسس التي بُني عليها نجاح العبور.
لكن دخول سوريا في التخطيط لحرب مشتركة خلق مشكلة إستراتيجية. فسوريا كانت تستهدف استعادة الجولان، وهو مسرح صغير نسبيًا وقريب من نيوز عربي الإسرائيلي، بينما كان توقف المصريين على بعد 10 أو 15 كيلومترا من قناة السويس يعني أن الجبهة المصرية لن تشكّل ضغطا عسكريا كافيا على إسرائيل يجبرها على توزيع قواتها بين الجبهتين، بما يمكن السوريين من تحرير الجولان. وكان السوريون يخشون أن تتمكن إسرائيل من احتواء المصريين عند القناة، ثم تحول الجزء الأكبر من قواتها الجوية والمدرعة إلى الجبهة السورية.
لذلك احتاجت مصر إلى أن تطرح على سوريا تصورا مصريا أوسع يصل في النهاية إلى المضايق الإستراتيجية في سيناء، وعلى رأسها مضيقا متلا والجدي. وفي هذا السياق، أعيد إحياء وتعديل خطة “غرانيت 2″، وارتبطت في التخطيط الأوسع للحرب بما سُمي لاحقًا خطة بدر. وأصبح التصور المكتوب يتضمن مرحلة أولى للعبور وإنشاء رؤوس الكباري، تعقبها “وقفة تعبوية” يعاد خلالها تنظيم القوات وتقدير الموقف، ثم مرحلة ثانية محتملة لتطوير الهجوم شرقا في اتجاه المضايق. ومن ثمّ، ليس دقيقا على الأرجح القول إن فكرة الوصول إلى المضايق لم تكن مطروحة تماما قبل الحرب؛ إذ جرى تقديم هذا التصور للسوريين وتوثيقه رسميا، بينما يظل الخلاف محصورا في تفسير مدى جديته ومرونته.
“غرانيت 2”
تقوم رواية الشاذلي على أن وجود خطة مكتوبة لتطوير الهجوم لا يعني أن القيادة كانت تنوي تنفيذها تلقائيًا. يروي الشاذلي أن المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية المصري، طلب منه في ربيع 1973 إعداد خطة تصل إلى المضايق. اعترض الشاذلي على الطلب من وجهة نظر عسكرية، لكن أحمد إسماعيل أوضح له، بحسب رواية الشاذلي، أن وجود مثل هذه الخطة ضروري في التعامل مع السوريين، فضلًا عن إمكانية استخدامها إذا تغير الموقف بصورة استثنائية، كأن تتعرض القوات الجوية الإسرائيلية لانهيار كبير، أو تنسحب القوات الإسرائيلية إلى عمق سيناء بما يخلق فرصة لا يمكن تجاهلها. ومن هنا، يبدو أن تطوير الهجوم إلى المضايق لم يكن ضمن خطة العمليات الأساسية كمرحلة آلية، وإنما كان خيارا مشروطا بنتائج المرحلة الأولى، وهو ما يندرج ضمن ما يعرف بـ”الفروع واللواحق” (Branches and Sequels)، أي العمليات اللاحقة التي يجري تنفيذها بناء على نتيجة المرحلة الحالية، لا كمرحلة لا بد من تنفيذها في الإطار العملياتي الأصلي.
ويعتبر الشاذلي “غرانيت 2 المعدلة” خطة احتمالية أو احتياطية، وليست مرحلة كان يُفترض أن تأتي بصورة آلية بعد نجاح العبور. أما الخطة التي تدربت عليها القوات فعليًا، والتي اعتقد قادة الجيشين الثاني والثالث أنهم سيطبقونها، فكانت في نظره تقوم على التقدم المحدود ثم التوقف والدفاع. واستند الشاذلي في ذلك أيضا إلى أن المرحلة الأولى من الحرب تدربت عليها القوات بتفاصيل شديدة الدقة، في حين لم تخضع المرحلة الثانية المحتملة للدرجة نفسها من التدريب والتنظيم والتنسيق.
“يعتبر الشاذلي غرانيت 2 المعدلة خطة احتمالية أو احتياطية، وليست مرحلة كان يُفترض أن تأتي بصورة آلية بعد نجاح العبور”
أما محمد عبد الغني الجمسي، فيقدم رواية مختلفة؛ إذ يقول إن إدخال “غرانيت 2 المعدلة” ضمن خطة بدر عنى أن التسلسل العملياتي المكتوب يتضمن فعلا إنشاء رؤوس الكباري، ثم الوقفة التعبوية، ثم تطوير الهجوم باتجاه المضايق. ولذلك لم يكن تطوير الهجوم في رأيه فكرة اختُرعت فجأة في منتصف الحرب لإنقاذ سوريا، بل كان مفهوما سبق إعداده داخل التخطيط المصري.
لكن الجمسي لا ينكر أن هجوم 14 أكتوبر/تشرين الأول تعثر وأدى إلى خسائر كبيرة. ويكمن اختلافه مع الشاذلي في تفسير هذا التعثر. فالجمسي يميل إلى أن طول الوقفة التعبوية أتاح للإسرائيليين الوقت لحشد الاحتياط وتنظيم دفاعاتهم، وأن فرصة تطوير الهجوم ربما كانت أفضل قبلها بعدة أيام. ومن هنا، ظهرت الرواية التي تبناها الصحفي محمد حسنين هيكل، ومفادها أن مصر ربما أضاعت فرصة يومي 8 أو 9 أكتوبر/تشرين الأول، عندما كانت القوات الإسرائيلية لا تزال تعاني آثار الهجمات المضادة الفاشلة على رؤوس الكباري المصرية.

رفض الشاذلي هذا الطرح من أساسه. فبالنسبة إليه، لم تكن المشكلة أن الهجوم حدث يوم 14 بدلا من 8 أو 9 أكتوبر/تشرين الأول، بل إن فكرة التقدم بعيدا عن مظلة الدفاع الجوي كانت نفسها شديدة الخطورة، بصرف النظر عن اليوم الذي يجري فيه ذلك. ومن وجهة نظره، كان هذا سيحول طبيعة الحرب من معركة دفاعية منظمة تستفيد فيها مصر من الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات إلى حرب مدرعات مفتوحة، وهي تحديدا البيئة التي تتمتع فيها إسرائيل بتفوق أكبر.
وتبدو شهادة المشير أحمد إسماعيل بعد الحرب في موقع وسط بين الروايتين. فقد تحدث عن أن الخطة الأصلية كانت تقضي بنجاح العبور وتأمين رؤوس الكباري، ثم القيام بوقفة تعبوية يعاد خلالها تقدير الموقف قبل اتخاذ القرار بشأن الخطوة التالية. وهذا يعني أن الوصول إلى رؤوس الكباري لم يكن بالضرورة نهاية كل عمل هجومي مصري، لكنه يعني أيضا أن التقدم إلى المضايق لم يكن خطوة تلقائية مقررة سلفا في موعد ثابت، أي أننا أمام خطة لاحقة كما وصفنا.
وفي هذا السياق، تكتسب اعتراضات قائدي الجيشين الثاني والثالث أهمية كبيرة في هذا الجدل. فقد عارض عبد المنعم واصل، قائد الجيش الثالث، تطوير الهجوم، معتبرا أن القوات ستخرج بذلك إلى أرض تسمح لإسرائيل باستغلال تفوقها الجوي والمدرع، وأن الأفضل هو استقبال الهجوم الإسرائيلي داخل المواقع المصرية المحمية. كما عارض سعد مأمون، قائد الجيش الثاني، التطوير. وعندما تلقيا التعليمات في 12 أكتوبر/تشرين الأول، أبديا اعتراضهما وأكدا صعوبة وخطورة تنفيذ المهمة، واستُدعيا إلى مركز القيادة حيث استمر النقاش، قبل أن يؤجل الهجوم من 13 إلى صباح 14 أكتوبر/تشرين الأول.
تدعم هذه الواقعة حجة الشاذلي. فإذا كان تطوير الهجوم هو ببساطة المرحلة الثانية المعروفة والمتفق عليها من البداية، لم يكن هناك مجال واسع للتحفظ من جانب قائدي الجيشين على مهمة مقررة بالفعل، ما لم تستجد وقائع تحول دون تنفيذها. وقد أشار المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة لاحقا إلى المعضلة نفسها. فإذا كان التطوير نية فعلية للقيادة العامة منذ البداية، فمن المنطقي أن تكون القيادات والوحدات الرئيسية قد أعدت نفسها له، بينما ذكر عدد من القادة أنهم لم يعرفوا بالنية الفعلية لتنفيذه إلا في 12 أكتوبر/تشرين الأول.
ويضاف إلى ذلك أن هجوم 14 أكتوبر/تشرين الأول نفسه لم يكن مطابقا تماما لخطة التطوير الأصلية. فالتصور القديم كان يتحدث عن نقل مركز ثقل القوات المصرية شرقًا والتقدم إلى خط المضايق، الذي يبعد في بعض المناطق عشرات الكيلومترات عن القناة، ثم إنشاء خط دفاع جديد هناك. لكن بحلول 14 أكتوبر/تشرين الأول، كان الموقف الإستراتيجي قد تغير. فقد تمكنت إسرائيل من احتواء الخطر الأكبر على الجبهة السورية، وأصبحت قادرة على تركيز قوات أكبر في سيناء، ولم يعد واقعيًا دفع الجبهة المصرية كلها نحو المضايق.

لذلك، نفّذت القوات في 14 أكتوبر/تشرين الأول هجمات مدرعة على عدة محاور انطلقت من رؤوس الكباري باتجاه الشرق، بينما ظلت رؤوس الكباري الأساسية في مواقعها. وبذلك كانت العملية نسخة محدودة ومعدلة من فكرة تطوير الهجوم الأصلية، لا تنفيذا حرفيا للمرحلة الثانية التي ظهرت في التخطيط السابق. أما السبب المباشر لاتخاذ قرار التطوير في ذلك التوقيت، فكان على الأرجح تدهور الوضع على الجبهة السورية. فبعد النجاح السوري المبكر في الجولان، شنت إسرائيل هجومًا مضادًا استعادت به مساحات واسعة، وبدأت تهدد نيوز عربي السوري. وضغطت دمشق على القاهرة من أجل تحرك مصري يخفف الضغط عليها. وبحسب رواية الشاذلي وقائدي الجيشين الثاني والثالث، أوضح أحمد إسماعيل أن هناك اعتبارا سياسيا يحتم تطوير الهجوم للمساعدة في تخفيف الضغط الإسرائيلي على سوريا.
اعترض الشاذلي على هذا المنطق أيضا، معتبرًا أن إسرائيل تستطيع مواجهة التحرك المصري من دون أن تضطر بالضرورة إلى سحب القدر المطلوب من قواتها من الجبهة السورية، بينما ستدفع مصر ثمنا كبيرًا بخروج المدرعات من الحماية التي وفرتها لها منظومة الدفاع الجوي. وانتهى هجوم 14 أكتوبر/تشرين الأول إلى فشل القوات المصرية في تحقيق أهدافها وتكبدها خسائر كبيرة في الدبابات، قبل أن تعود الوحدات المهاجمة إلى مناطق رؤوس الكباري.
“الخلاف بين روايتي الشاذلي والجمسي يؤكد ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من العمل العسكري”
وبذلك، فإن الخلاف بين روايتي الشاذلي والجمسي يؤكد ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من العمل العسكري. المستوى الأول هو المفهوم العملياتي الأساسي الذي صُمم عليه العبور وتدربت عليه القوات: اقتحام القناة وخط بارليف، والتقدم نحو 10 إلى 15 كيلومترا، ثم الدفاع تحت مظلة الصواريخ. أما المستوى الثاني فهو خطة الحرب المكتوبة الأوسع، التي احتوت بالفعل على تصور لمرحلة ثانية يمكن فيها تطوير الهجوم باتجاه المضايق بعد وقفة تعبوية. أما المستوى الثالث فهو النية التنفيذية الفعلية للقيادة في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، وهنا لا توجد أدلة حاسمة على أنها كانت ملتزمة منذ البداية بتنفيذ تلك المرحلة الثانية بصرف النظر عن تطورات المعركة.
ما بعد الحرب
يتمسك معارضو الرئيس المصري الراحل أنور السادات واتفاقية السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل، على خلفية نتائج حرب أكتوبر 1973، برواية الفريق سعد الدين الشاذلي ونقده اللاذع لقرار الرئيس السادات بتطوير الهجوم المصري في الرابع عشر من أكتوبر. ويرى هؤلاء المعارضون أن قرار السادات أضاع فرصة تحقيق انتصار مصري يفرض واقعًا ميدانيًا يحقق مزيدا من المكتسبات السياسية، دون الاضطرار إلى تقديم التنازلات التي قدمتها مصر لعقد اتفاقية السلام مع إسرائيل، وعلى رأسها “قبول مصر بالسلام المنفرد دون التوصل إلى تسوية حاسمة للقضية الفلسطينية”.
غير أن التمسك برواية الشاذلي يعني قبولا مبدئيا بفكرة “الحرب المحدودة”، بل بما يمكن وصفه بـ”الحرب المحدودة جدا”. فرغم ما تبدو عليه رواية الشاذلي من اتساق وحذق عسكري، فإنها تغفل حقيقة أن استعادة شريط حدودي بعمق عشرة كيلومترات في قلب سيناء لم تكن كفيلة بأن تحقق لمصر أكثر مما حققته نتائج هذه الحرب، التي شملت الالتفاف حول الجيش الثالث الميداني في سيناء وعزله عن خطوط إمداده، فضلا عن اختراق المدرعات الإسرائيلية للعمق المصري.
إن نقاش تطوير الهجوم هو في جوهره نقاش الحرب المحدودة، ونقاش الحرب المحدودة هو الوجه العسكري للنقاش السياسي الأوسع حول ما عنته هزيمة 1967، وما أسماه الرئيس جمال عبد الناصر “إزالة آثار العدوان”. لقد تمسكت مصر طويلا، ضمن اتفاق عربي أوسع، بأن السلام مع إسرائيل رهين بحل القضية الفلسطينية حلا عادلا، لا يقتصر على إقامة دولة فلسطينية، بل يشمل تنفيذ حق العودة لملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948، والحفاظ على القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
ارتبط هذا الالتزام المصري والعربي تجاه القضية الفلسطينية بمشروع عربي أوسع شكّل الخطاب الناصري قيمه الأساسية، وعلى رأسها تحقيق التنمية الاقتصادية والصناعية، وحماية العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني. وجاءت هزيمة 1967 لتوجه ضربة إلى هذا المشروع المصري العربي برمته، ولم تتمكن حرب أكتوبر، على ما حققته من إنجازات، من إزالة كل آثار العدوان، إذ انتهت نتائجها العسكرية إلى وضع لم تستطع مصر فيه الحفاظ على مكتسباتها العسكرية المحدودة وتطويرها سياسيا إلا بالتراجع – ولو جزئيا – عن ربط السلام مع إسرائيل بالقضية الفلسطينية.
ومع رحيل الرئيس السادات، تبنى نظام مبارك في عقده الأول، بدعم من تصور إستراتيجي للمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، خطابًا شعبويًا يصور اتفاقية السلام مع إسرائيل باعتبارها ضرورة مرحلية على طريق الإعداد لاستكمال إزالة آثار العدوان واستعادة المشروع المصري العربي للتنمية والتحرير. لقد تحولت الوقفة التعبوية العسكرية في الخطة المصرية لحرب أكتوبر إلى وقفة تعبوية سياسية امتدت لعقود تالية. ولكن بدلا من استثمار تلك الوقفة السياسية الطويلة في استعادة التنمية المفوتة، وجدت مصر نفسها تتأخر يوما بعد يوم، وتتسع الفجوة بينها وبين جارتها اللدود.
لقد تحررت سيناء بالفعل بإنجازات وتضحيات عسكرية وسياسية كبرى، لكن استعادة مصر لمشروعها الاجتماعي والسياسي الوطني تعثرت منذ ذلك الوقت. وبقيت آثار العدوان ممتدة، وبقي الهجوم المصري والعربي في انتظار التطوير الذي لم يتحقق.



