قد يكون السبب في ذلك أطفالا يخشى الزوجان من تأثرهم بالانفصال، أو اعتمادا ماليا يجعل المغادرة صعبة، أو ضغوطا عائلية واجتماعية، أو ببساطة لأن أحدهما لم يحسم بعد ما إذا كان يريد إنهاء الزواج فعلا.
قصص مقترحة
وفي أحيان أخرى، لا تكون العلاقة سيئة طوال الوقت؛ فقد تتخلل فترات التوتر لحظات هادئة وأيام جيدة تجعل قرار الانفصال أكثر تعقيدا.
في هذه المنطقة الرمادية، لا يكون السؤال دائما “هل أبقى أم أرحل؟”، فقد لا يكون أي من الخيارين متاحا الآن. يصبح السؤال الأكثر واقعية: كيف أعيش هذه المرحلة من دون أن يبتلع الزواج حياتي كلها، أو تتحول أيامي إلى محاولة مستمرة لتحمل علاقة لم تعد تمنحني ما كانت تمنحه من قبل؟
ابدأ بما يمكنك تغييره
أحد أصعب جوانب الزواج غير السعيد هو التعلق بفكرة أن الشريك سيتغير يوما ما، وما يصاحبها من سنوات يقضيها أحد الطرفين في محاولة إقناعه بالتغيير أو انتظار عودة العلاقة إلى ما كانت عليه في بدايتها.
وتوضح المعالجة النفسية كاثرين كولين، في مقال لها على “سايكولوجي توداي” (Psychology Today)، أن قبول ما لا يمكن تغييره لا يعني الاستسلام أو تبرير السلوك المؤذي، بل التخلي عن محاولة إجبار الطرف الآخر على أن يصبح الشخص الذي نريده.
أحيانا يكون هذا القبول مؤلما، لأنه يتطلب التخلي عن توقعات قديمة، لكنه يتيح توجيه الانتباه إلى ما يمكن التحكم فيه فعلا: طريقة التواصل، والحدود الشخصية، وردود الفعل، وكيفية إدارة الخلافات.
بهذه الطريقة، لا يصبح الهدف تغيير الشريك، بل استعادة قدر من السيطرة على الطريقة التي يعيش بها الشخص العلاقة ويتعامل مع ما لا يستطيع تغييره.
اترك لنفسك حياة خارج الزواج
عندما تصبح العلاقة مصدر التوتر الرئيسي في الحياة، قد يجد الشخص نفسه يفكر فيها طوال الوقت: هل تحدثنا؟ هل تشاجرنا؟ لماذا تصرف بهذه الطريقة؟ وكيف سيكون الغد؟ ومع تكرار الانشغال بالخلافات، تتقلص المساحة التي يتركها لبقية جوانب حياته.
وهذا ما توضحه دراسة كندية أجريت في جامعة كولومبيا البريطانية ونشرت عام 2014 في مجلة “جورنال أوف فاميلي فسيولوجي” (Journal of Family Psychology)، وتابعت 87 زوجا وزوجة، و وجدت ارتباطا بين التفكير المتكرر في مشكلات العلاقة والانسحاب منها وبين ارتفاع التوتر الزوجي.
بمعنى آخر، قد لا يساعد حمل الخلافات من المنزل إلى بقية اليوم على حلها، بل من الممكن أن يزيد الضغط على الطرفين.
لذلك لا ينبغي أن تتوقف الحياة عند حدود الزواج. فالعودة إلى هواية، أو ممارسة الرياضة، أو مواصلة العمل والدراسة، أو الحفاظ على لقاءات منتظمة مع الأصدقاء، تمنح الشخص مساحات أخرى للراحة والمعنى.
هذه الأشياء لن تجعل الزواج سعيدا بالضرورة، لكنها تساعد على ألا تصبح العلاقة غير السعيدة هي محور الحياة كلها.
راقب طريقة الخلاف
حين تكون المشكلات عميقة فإن طريقة إدارة الخلاف قد تحدد ما إذا كان التوتر سيتفاقم أم يمكن احتواؤه. ويحذر خبراء العلاقات من أربعة أنماط تواصل مدمرة شائعة في العلاقات المتوترة: الانتقاد، والدفاعية، والاحتقار، والانسحاب من الحوار.
ولا يعني ذلك أن كل خلاف علامة على فشل الزواج، لكن طريقة التعامل معه قد تجعل الحياة اليومية أكثر احتمالا أو أكثر إنهاكا. لذلك، قد يكون تغيير لغة الحوار أكثر فائدة من محاولة كسب كل نقاش؛ فبدلا من قول “أنت لا تفعل شيئا أبدا”، يمكن التعبير عن المشكلة من زاوية التجربة الشخصية: “أشعر بأنني أتحمل هذا الأمر وحدي، وأحتاج إلى مساعدتك”.
كما يفيد تحمل مسؤولية السلوك الشخصي، وإيقاف النقاش مؤقتا عندما تشتد الانفعالات و العودة إليه بعد الهدوء بدلا من الاستمرار في حوار قد يتحول إلى تبادل للاتهامات ويزيد المسافة بين الطرفين.

لا تجعل الأطفال طرفا في الزواج
قد يكون الأبناء أحد أهم أسباب تعقيد قرار الطلاق، لكن وجودهم يجعل إدارة الخلاف أكثر أهمية.
فليس الخلاف بين الوالدين في حد ذاته هو المشكلة، وإنما تعرض الأطفال المستمر لصراع شديد أو شعورهم بأنهم عالقون في المنتصف، وهو ما قد يؤثر في صحتهم النفسية وسلوكهم وقدرتهم على التكيف.
لذلك، إذا كان البقاء في الزواج هو الخيار الحالي، فمن المهم حماية الأبناء من الصراع قدر الإمكان: بمعنى ألا يتحولوا إلى رسل بين الوالدين، أو مستمعين لشكاوى أحدهما، أو أن يتحولوا إلى طرف مطالب بالانحياز.
وحتى التعليقات السلبية على الطرف الآخر أمام الطفل قد تدفعه إلى الانحياز و تؤثر على صحته النفسية.
هل البقاء محكوم عليه بالتعاسة؟
ليس بالضرورة أن يصبح الاستمرار في العلاقة قرارا خاطئا. ففي دراسة أميركية أجراها مجموعة من الباحثين الأمريكيين فى جامعة شيكاغو و جامعة مينيسوتا عام 2002 بعنوان “هل يجعل الطلاق الناس سعداء؟”، تم تحليل بيانات المسح الوطني الأمريكي للأسر وتتبع أزواج غير سعداء على مدى خمس سنوات.
ووجدت الدراسة أن 64% ممن تجنبوا الطلاق أصبحوا سعداء في زواجهم، وأن الطلاق لم يجعل غير السعداء أكثر سعادة بصورة عامة.
ومع هذا فلا تصح قراءة هذه الدراسة على أنها دعوة إلى الصبر على أي علاقة مهما كانت فلكل علاقة خصوصيتها وظروفها.
كما تحذر إيلي بوردن، الأخصائية النفسية من خلال موقع “هيلث لاين” (Healthline) من أن الزواج غير السعيد قد يسهم في الاكتئاب والقلق ويغذي الخلافات المتكررة، كما يمكن أن تؤدي الزيجات غير السعيدة إلى توتر شديد، مما ينعكس سلبا على الصحة الجسدية.
ابحث عن مساعدة
ليس ضروريا أن تكون الاستعانة بمعالج نفسي أو متخصص في العلاقات خطوة تمهد للطلاق؛ بل قد تكون وسيلة لفهم ما يحدث داخل العلاقة، ووضع حدود أكثر وضوحا، وتعلم طرق أكثر هدوءا للتواصل، أو حتى الوصول إلى قرار أكثر وضوحا بشأن المستقبل.
وتشير الجمعية الأميركية لعلم النفس إلى أن بعض أشكال العلاج الزوجي تركز على أنماط التواصل والسلوكيات السلبية لدى الأزواج الذين يواجهون ضغوطا في علاقتهم.
لكن لفكرة “التعايش” حدودا لا ينبغي تجاوزها. فإذا تضمن الزواج عنفا جسديا أو جنسيا، أو تهديدا، أو ملاحقة، أو إساءة نفسية شديدة، لا تصبح المسألة حينها مجرد علاقة غير سعيدة تحتاج إلى تواصل أفضل، بل موقفا يستدعي طلب المساعدة والحماية المناسبة.
التعايش مع زواج غير سعيد لا يعني إقناع النفس بالسعادة، ولا التخلي عن احتمال التغيير. أحيانا يكون القرار الأكثر واقعية هو تقليل الاستنزاف اليومي، ومنح النفس مساحة لفهم ما تريده فعلا من المستقبل.



