• Home  
  • العالم لن يعود.. قد يكون هذا خطأنا الأكبر خليجيا في زمن الاضطرابات | سياسة
- أخر الأخبار - سياسة

العالم لن يعود.. قد يكون هذا خطأنا الأكبر خليجيا في زمن الاضطرابات | سياسة

من السهل النظر إلى اللحظة الخليجية الراهنة بوصفها مرحلة انتظار مفتوحة على الاحتمالات: الحرب توقفت من دون أن يبدأ السلام، والمفاوضات مع إيران مستمرة من…

من السهل النظر إلى اللحظة الخليجية الراهنة بوصفها مرحلة انتظار مفتوحة على الاحتمالات: الحرب توقفت من دون أن يبدأ السلام، والمفاوضات مع إيران مستمرة من دون تسوية الملفات الكبرى، والممرات البحرية تعمل تحت ظل قابلية دائمة للتعطيل، فيما تتنقل الدبلوماسية بين العواصم بحثا عن صيغة تعيد المنطقة إلى قدر من الاستقرار الذي عرفته سابقا.

لكن هذا التصور قد يكون مضللا في جوهره؛ لأنه يفترض ضمنا أن ما نعيشه اضطراب مؤقت في نظام إقليمي ثابت، بينما قد تكون الحقيقة أن الاضطراب نفسه أصبح جزءا من النظام الجديد.

قصص مقترحة

ماذا لو أصبحت السنوات المقبلة سلسلة متصلة من الهدنات والتصعيدات المحدودة والضغوط على الملاحة والمفاوضات المتقطعة والعقوبات والتهديدات العسكرية، من دون حرب شاملة تحسم الصراع ولا تسوية سياسية تنهيه؟ عندها يصبح السؤال الأكثر إلحاحا بالنسبة إلى دول الخليج مختلفا تماما: ليس متى تنتهي الأزمة مع إيران، بل كيف يُبنى نموذج اقتصادي قادر على الازدهار في منطقة قد لا تستعيد استقرارها السابق.

بدت هذه المسألة حاضرة بقوة في نيويورك، حيث تزامنت النسخة الخاصة من منتدى قطر الاقتصادي مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فتحولت المدينة، خلال أيام قليلة، إلى مساحة مكثفة للنقاش حول تحولات النظام الدولي وأزماته المفتوحة.

وعلى هامش الاجتماعات الرسمية، انعقدت عشرات المؤتمرات والندوات واللقاءات العلنية والمغلقة، شاركتُ في بعضها، وجمعت مسؤولين ودبلوماسيين وخبراء ومستثمرين من اتجاهات مختلفة.

وكان الشرق الأوسط والخليج في قلب هذه النقاشات، وفي مقدمتها ارتدادات المواجهة مع إيران، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل الطاقة، وحدود ما يمكن أن تصنعه الدبلوماسية في مرحلة لا تزال فيها الملفات الكبرى معلّقة، فيما تبدو التسويات النهائية أبعد من أن تكون في متناول اليد.

أكبر خطأ إستراتيجي يمكن أن ترتكبه دول الخليج الآن هو التعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها اضطرابا مؤقتا يسبق العودة إلى ما كان عليه العالم. فقد لا يعود ذلك العالم أبدا

الحرب بين السياسة والاقتصاد

لفترة طويلة تعاملت دول الخليج مع الاقتصاد والأمن باعتبارهما مجالين يمكن الفصل بينهما نسبيا؛ فالسياسة الخارجية تدير الأزمات، والمؤسسات العسكرية تحمي الحدود، بينما تواصل الموانئ وشركات الطاقة والصناديق السيادية والمطارات إدارة الاقتصاد بمنطقها الخاص. لكن الحرب الأخيرة أضعفت هذا الفصل إلى حد يجعل استعادته أمرا مشكوكا فيه.

فعندما يصبح مضيق هرمز جزءا من الصراع، لا يبقى الأمر عسكريا؛ إذ تنتقل الأزمة في غضون ساعات إلى شركات التأمين وأسعار الشحن وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وقرارات المستثمرين.

وعندما يمتد عدم الاستقرار إلى البحر الأحمر وباب المندب يصبح الضغط مضاعفا، لأن اثنين من أهم الممرات التي تربط الخليج بالاقتصاد العالمي يتحولان في الوقت نفسه إلى جزء من بيئة أمنية مضطربة.

وهذه ليست مشكلة ملاحة بقدر ما هي مشكلة في النموذج الاقتصادي الخليجي نفسه. فقد بُني جانب مهم من هذا النموذج على افتراض ضمني مفاده أن الطرق التي تصل الخليج بالاقتصاد العالمي ستظل مفتوحة مهما اختلفت دول المنطقة سياسيا. ذلك الافتراض لم يعد مضمونا، وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الأزمة الحالية: لقد أثبتت أن الجغرافيا التي صنعت القيمة الإستراتيجية للخليج يمكن أن تتحول، في اللحظة نفسها، إلى مصدر هشاشته.

المشكلة الأخرى أن طهران ليست مضطرة إلى خوض حرب شاملة كي تفرض تكلفة إستراتيجية على المنطقة، وهذا تحديدا ما يجعل مرحلة “اللاحرب واللاسلم” أخطر مما تبدو. فبين الحرب والسلام تمتد مساحة واسعة من الأدوات: الضغط على الملاحة، والتهديد بإغلاق المضائق، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والقوى المسلحة الحليفة، والعقوبات المضادة، والتصعيد المحسوب الذي يبقى دائما تحت عتبة الحرب الكبرى.

هذه الأدوات قد لا تُغلق الاقتصاد الخليجي، لكنها قادرة على رفع تكلفة تشغيله، وهو فارق جوهري. فالهدف في المنافسة الجيوسياسية ليس دائما تدمير اقتصاد الخصم، بل يكفي أحيانا جعله أكثر كلفة وأقل قابلية للتنبؤ.

وإذا ارتفعت أقساط التأمين، وتغيرت مسارات السفن، واضطرت الشركات إلى بناء مخزونات أكبر، وتضخمت تكاليف الحماية، وبدأ المستثمر يضيف “علاوة مخاطر جيوسياسية” إلى حساباته، فإن الصراع يكون قد دخل الاقتصاد فعليا حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة في حرب جديدة.

كان العصر السابق عصر إدارة الوفرة؛ أما العصر الذي يتشكل الآن فهو عصر إدارة المخاطر. والفارق بين الدول التي ستنجح وتلك التي ستدفع الثمن لن يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الأصول التي تمتلكها، بل بقدرتها على مواصلة العمل

من الحماية إلى المناعة الإستراتيجية

من هنا تأتي أهمية المناقشات على هامش اجتماعات الأمم المتحدة. فالجهود الدولية مطلوبة، والدبلوماسية مرغوبة، والوساطة الخليجية ضرورية، ومنع العودة إلى حرب مفتوحة يجب أن يبقى أولوية لا تقبل المساومة. لكن ثمة خطرا حقيقيا في تحميل الدبلوماسية أكثر مما تستطيع أن تحتمل.

فحتى أفضل اتفاق سياسي مع إيران لن يغير حقيقة أن الخليج يقع بجوار قوة إقليمية كبيرة، وأن هرمز سيظل نقطة اختناق عالمية، وأن البحر الأحمر سيبقى معرضا لتداعيات أزمات اليمن والقرن الأفريقي والصراع الإقليمي الأوسع. ولهذا لا تستطيع السياسة الخليجية أن تقوم على منع الحرب وحده، بل يجب أن تقوم أيضا على تقليل الثمن إذا وقعت الأزمة، وعند هذه النقطة يتغير تعريف الأمن نفسه.

على مدى عقود أنفقت دول الخليج مبالغ هائلة على الحماية العسكرية، لكن الحروب الأخيرة تشير إلى أن امتلاك منظومات دفاع متطورة لا يحل المشكلة كاملة. فيمكن اعتراض الصاروخ، لكن لا يمكن اعتراض ارتفاع أقساط التأمين؛ ويمكن حماية منشأة نفطية، لكن يصعب حماية سلسلة إمداد تمتد آلاف الكيلومترات؛ ويمكن الدفاع عن ميناء، لكن ما قيمة ذلك إذا أصبح الطريق البحري المؤدي إليه غير آمن؟

لهذا تحتاج دول الخليج إلى الانتقال من مفهوم الحماية إلى مفهوم أوسع هو المناعة الإستراتيجية. فالحماية تعني منع الصدمة، أما المناعة فتعني أن تستمر الدولة في العمل عندما تقع الصدمة.

وهذا يتطلب التفكير في الأمن الاقتصادي بالطريقة نفسها التي يُفكر بها في الأمن العسكري، أي عبر خطوط أنابيب بديلة وممرات لوجيستية متعددة ومخزونات إستراتيجية وربط أعمق لشبكات الكهرباء وحماية للكابلات البحرية ومراكز البيانات وقدرات سيبرانية مشتركة وخطط خليجية لاستمرارية الغذاء والدواء والطاقة والشحن.

وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن يكون السؤال كيف نحمي هرمز وباب المندب، بل كيف نجعل الاقتصاد الخليجي أقل اعتمادا على بقاء الممرات البحرية مفتوحة طوال الوقت.

لقد نجحت دول الخليج في المرحلة السابقة لأنها عرفت كيف تحوّل الطاقة إلى ثروة، والثروة إلى بنية تحتية، والبنية التحتية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي. أما المرحلة المقبلة فتتطلب معادلة مختلفة: تحويل الثروة إلى قدرة على امتصاص الصدمات

العودة إلى الوضع السابق

أكبر خطأ إستراتيجي يمكن أن ترتكبه دول الخليج الآن هو التعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها اضطرابا مؤقتا يسبق العودة إلى ما كان عليه العالم. فقد لا يعود ذلك العالم أبدا: قد تستمر المفاوضات مع إيران من دون اتفاق نهائي، وقد تتوالى الهدنات من دون سلام، وقد يبقى هرمز مفتوحا معظم الوقت لكنه معرض للضغط في كل أزمة، وقد يتراجع التصعيد في البحر الأحمر ثم يعود مع الأزمة التالية. هذه ليست استثناءات مؤقتة بالضرورة، بل قد تكون القواعد الجديدة للمنطقة.

وسيكون من الخطأ اختزال التحديات كلها في إيران، لأن المشكلة الهيكلية ستبقى قائمة حتى لو جرى التوصل غدا إلى تفاهم أمريكي إيراني. فالنظام الدولي نفسه أصبح أقل استقرارا: المنافسة الأمريكية الصينية تتصاعد، والتجارة أصبحت أكثر تسييسا، والتكنولوجيا صارت جزءا من الأمن القومي، وسلاسل الإمداد يُعاد تصميمها، وباتت الطاقة والرقائق والبيانات والموانئ والعقوبات أدوات قوة بامتياز.

بمعنى آخر، الخليج لا يدخل مرحلة جديدة مع إيران فحسب، بل يدخل عالما جديدا، والميزة التي امتلكها طويلا الطاقة والجغرافيا ستظل مصدر قوة لكنها لن تكون كافية.

ولهذا، فإن التحدي الخليجي لم يعد يقتصر على إدارة الأزمة الراهنة أو احتواء تداعياتها، بل يمتد إلى إعادة تصميم نموذج النمو نفسه ليتكيف مع عالم أقل استقرارا وأكثر عرضة للصدمات.

لقد نجحت دول الخليج في المرحلة السابقة لأنها عرفت كيف تحوّل الطاقة إلى ثروة، والثروة إلى بنية تحتية، والبنية التحتية إلى نفوذ اقتصادي وسياسي. أما المرحلة المقبلة فتتطلب معادلة مختلفة: تحويل الثروة إلى قدرة على امتصاص الصدمات، والجغرافيا من مصدر انكشاف إلى شبكة بدائل، والاستثمار من مجرد بحث عن العائد إلى أداة لبناء القوة والمرونة والاستقلال الإستراتيجي.

كان العصر السابق عصر إدارة الوفرة؛ أما العصر الذي يتشكل الآن فهو عصر إدارة المخاطر. والفارق بين الدول التي ستنجح وتلك التي ستدفع الثمن لن يُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو الأصول التي تمتلكها، بل بقدرتها على مواصلة العمل عندما تتعطل الممرات، وتضطرب الأسواق، وترتفع كلفة الجغرافيا، ويهتز العالم من حولها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة نيوز عربي.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678