وقالت الصحيفة التي اطلعت على نسخة من القرار المؤرخ في سبتمبر/ أيلول الماضي، إن العبارات الواردة فيه قد تغير كل شيء بالنسبة لآلاف اللاجئين السوريين.
قصص مقترحة
وأوضحت أن القرارات تصل في هذه الأيام إلى فئتين من السوريين، من سُجلت بحقهم مخالفات لدى الشرطة، ومن غادروا ألمانيا مؤقتا ثم عادوا إليها، كما أشارت إلى أن المكتب يستند في قراراته إلى أن سقوط نظام بشار الأسد أنهى “الحرب الأهلية” في سوريا وأحدث “تغيرا جوهريا في الظروف الفعلية ” ويعني ذلك أن الحماية الممنوحة لمئات آلاف السوريين في ألمانيا قد تكون مهددة بالانتهاء.
حجج المكتب الاتحادي
يرى المكتب الاتحادي، وفق ما نقلت الصحيفة، أن الحكومة الانتقالية في سوريا تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتحظى باعتراف دولي، أما الجماعات الأخرى، ومنها تنظيم الدولة الإسلامية، فتشكل بحسب تقديره تحديا أمنيا، لكنها لا تمثل “بديلا حقيقيا للسلطة”.
ومن أبرز الحجج التي يسوقها القرار إحصائية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تفيد بأن مليونا و546 ألفا و317 شخصا عادوا إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 وحتى مارس/ آذار 2026.
وفي محاولة لتقدير خطر الحرب على حياة المدنيين بلغة الأرقام، يذكر القرار أن 698 شخصا على الأقل قُتلوا وأُصيب 1193 آخرون في سوريا بين ديسمبر/ كانون الأول 2024 وأبريل/ نيسان 2026، ويقسم المكتب هذه الأرقام على عدد سكان يبلغ 24.4 مليون نسمة، ليخلص إلى أن خطر فقدان الحياة لا يتجاوز 0.017 بالمئة.
ولا ينكر المكتب صعوبة الأوضاع المعيشية في سوريا، إذ يتحدث القرار عن نقص في الغذاء وارتفاع في تكاليف المعيشة وأزمة سكن ومشكلات في إمدادات الكهرباء، ويقدر تكاليف معيشة أسرة من 5 أفراد خارج العاصمة بنحو 554 يورو شهريا، ورغم ذلك يعتبر أن العودة الدائمة إلى سوريا ممكنة من حيث المبدأ، ويخلص إلى أنه “لا توجد حالة ضائقة وجودية”.
ويستند المكتب كذلك إلى برامج العودة الطوعية التي تمولها ألمانيا، فهي تقدم للبالغ 200 يورو بدل سفر و1000 يورو مساعدة لبدء الحياة، وللقاصر 100 يورو بدل سفر و500 يورو مساعدة، على ألا يتجاوز ما تحصل عليه الأسرة الواحدة 4000 يورو.
غير أن الفقرة الأخيرة من القرار تحمل تفصيلا لافتا، إذ تنص على عدم صدور إنذار بالترحيل “لعدم توفر الأساس القانوني اللازم لذلك لدى المكتب الاتحادي”.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه رسائل سحب الحماية، يلجأ كثير من المتضررين إلى القضاء للطعن فيها، وفي هذا السياق أكد المحامي المختص بقضايا اللجوء فيليب بروي للصحيفة أن مكتبه يلاحظ منذ بضعة أسابيع ارتفاعا حادا في إجراءات سحب الحماية من السوريين، مضيفا أن “موجة ضخمة من الدعاوى تتجه نتيجة لذلك نحو المحاكم الإدارية”.
670 ألفا تحت المجهر
لا تقتصر القضية على القرارات التي بدأت تصل إلى أصحابها، فبحسب موقع قناة “إن تي في” الألمانية، يعتزم وزير الداخلية ألكسندر دوبرينت تقديم مشروع قانون خلال الخريف الحالي، يتيح رفع الحماية عن السوريين المقيمين في ألمانيا وتسريع عودتهم إلى بلادهم.
ويطال المشروع قرابة 670 ألف سوري يحملون صفة “الحماية الفرعية”، وينص القانون على إمكانية رفع هذه الحماية إذا لم تعد شروط منحها قائمة، كأن يزول سبب اللجوء بسقوط الأسد، أو تتغير الأوضاع في البلاد وتتحسن بشكل عام.
ويأتي ذلك امتدادا لموقف المستشار فريدريش ميرتس، الذي قال في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025: “الحرب الأهلية في سوريا انتهت، ولم تعد هناك أي أسباب للجوء في ألمانيا، ولهذا يمكننا البدء بعمليات الإعادة”، ومنذ ذلك الحين تجري حكومته محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع رغم الاحتجاجات، علماً أن ميرتس قد حدد في الربيع الماضي هدفا بعودة 80 بالمئة من السوريين المقيمين في ألمانيا، البالغ عددهم أكثر من 900 ألف، بحسب “بيلد”.
وتنقل الصحيفة عن اتحاد دافعي الضرائب تقديره أن الأمر ينطوي على إمكانية توفير 6 مليارات يورو سنويا، كما تشير استنادا لبيانات الوكالة الاتحادية للعمل إلى أن نحو 415 ألف سوري في ألمانيا يتلقون مساعدات اجتماعية.
فرص كبيرة أمام القضاء
يشير موقع “إن تي في” إلى أن وزارة الداخلية وجهت المكتب الاتحادي إلى مراجعة الحالات على نطاق واسع، لكن المكتب لا يستطيع اتخاذ قرارات جماعية، ويتعين عليه دراسة كل حالة على حدة، وإبلاغ كل واحد من الـ 670 ألفا كتابيا أو شفهيا، وهو ما يرى فيه خبراء قانونيون عبئا بيروقراطيا هائلا، في حين يحق لمن تُرفع عنه الحماية الاعتراض على القرار والطعن فيه أمام المحاكم الإدارية.
ويرجح موقع القناة أن تكون فرص نجاح هذه الطعون مرتفعة، إذ يمكن للسوريين الاستناد إلى تقييم وزارة الخارجية الألمانية نفسها، فالوزارة ما تزال تصدر تحذيرا صريحا من السفر إلى سوريا، وتتحدث عن تزايد الهجمات بالعبوات الناسفة منذ مايو/أيار 2026.
ومن هذه الهجمات تفجير استهدف مقهى في دمشق في يوليو/تموز الماضي وأوقع عددا كبيرا من القتلى والجرحى، وتفجيران آخران قرب فندق يرتاده الأجانب في العاصمة، بل إن الوزارة تنصح من يقرر السفر رغم ذلك بترك توكيلات لشؤونه الخاصة والمهنية، وكتابة وصيته، وترتيب مسائل حضانة أطفاله.
ويمكن للمتضررين أيضا الاستناد إلى التقارير الأسبوعية للمكتب الاتحادي ذاته، فتقريره الأخير يرصد عدة هجمات واشتباكات تُظهر بوضوح أن البلاد ما تزال خطرة على المدنيين، وهو ما يتناقض مع الصورة التي ترسمها وزارة الداخلية.
وكان وزير الخارجية يوهان فاديفول قد أقر أواخر عام 2025 بأن كثيرا من السوريين في ألمانيا لن يعودوا طوعا على المدى القصير، وقال بعد زيارته دمشق إن حجم الدمار يذكّر بصور ألمانيا بعد عام 1945.
فوضى تلوح في الأفق
قبل الكشف عن مشروع القانون، بدأت منظمات وجمعيات تحذر من تكرار الفوضى الإدارية التي شهدتها ألمانيا بعد حرب العراق، فعقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، رفعت السلطات الألمانية الحماية عن عشرات آلاف العراقيين، ثم سُمح لهم في النهاية بالبقاء لأن العراق لم يستقر.
وتنقل “إن تي في” عن صحيفة “نويه تسورشر تسايتونغ ” السويسرية الناطقة بالألمانية أن وزارة الداخلية الألمانية تتجه على ما يبدو إلى رفع المنحة المقدمة للعائدين طوعا إلى ما يصل إلى 7000 يورو للشخص، بعد أن كانت 1000 يورو للفرد البالغ، وتفيد بيانات الوزارة بأن ما يزيد قليلا على 7700 سوري حصلوا على هذه المنحة وغادروا البلاد منذ عام 2024.
وخصصت الحكومة في موازنة العام المقبل 125 مليون يورو لهذا الغرض، أي أكثر من 3 أضعاف ما كان مرصودا سابقا، وتقول إن الهدف الأساسي هو تحفيز الشبان على المغادرة.
وانتقد حزب الخضر هذا التوجه بشدة، وقالت المتحدثة باسم الحزب لشؤون الهجرة فيليز بولات إن دوبرينت يثير “حالة كبيرة من القلق في أوساط الجالية السورية”، ودعت الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك في الائتلاف الحاكم، إلى تحديد موقفه، ولم يعلق المتحدثون المختصون في الحزب على خطط السحب الواسعة حتى الآن، واكتفوا بالتأكيد على أن دراسة كل حالة على حدة تبقى أمرا لا غنى عنه.
ويعيش في ألمانيا أكثر من 912 ألف سوري، ووفق منصة خدمة الإعلام للاندماج يقل عدد الملزمين بمغادرة البلاد منهم عن 15 ألفا، يحمل معظمهم وثيقة “تسامح” تعلّق ترحيلهم، في حين فقد 1900 سوري صفة الحماية خلال العام الجاري، لكن وزارة الداخلية أكدت لـ “إن تي في” أن من رُحّلوا فعليا منذ عام 2025 وحتى نهاية يوليو/تموز الماضي لم يتجاوزوا 5 أشخاص.
وبحسب “بيلد” فقد غادر 6947 سوريا ألمانيا منذ انتهاء الحرب، فيما يشير موقع “إن تي في” إلى أن أكثر من 260 ألف سوري يحملون تصاريح إقامة أخرى للدراسة أو العمل، وفق معهد الاقتصاد الألماني في كولونيا، كما حصل نحو 300 ألف آخرين على الجنسية الألمانية منذ موجة اللجوء عام 2015، ولم يعودوا يُحتسبون في الإحصاءات بحسب الوكالة الاتحادية للعمل.



