ولطول ما جثم الاعتقال على مصائر السوريين، تحوّل إلى المعلم الأكثر وضوحاً لدولة القمع; فتغلغل في الرواية والشعر والمذكرات، حتى كاد لا يخلو عمل أدبي معاصر من ظلال هذا الوحش.
حين نقرأ ما كتبه السوريون عن السجون، فإننا لا نطالع تفاصيل الزنزانة المظلمة فحسب، بل ندخل إلى سوريا نفسها؛ حيث تتحول الكتابة من مجرد تدوين للوجع، إلى فعل استرداد لذاكرة حاول النظام احتكارها، وإعادة لأصوات وأجساد حُرمت حق الحياة في الضوء.
السجون مرآة للحياة اليومية في ظلّ البعث
أبرز ما يلمسه قارئ الأدب السجني السوري، هو ذلك الخيط الرفيع الممتد بين قسوة الزنزانة وقسوة الحياة خارجها؛ فالخوف الذي يسكن الشارع يتفوق أحيانا على خوف المعتقل خلف القضبان.
في روايتها “الخائفون “، تلامس الأديبة ديمة ونوس هذا الوجدان الخفي؛ فالخوف في الشارع يترصد الإنسان حتى يغدو السجن نفسه خلاصاً من جحيم الانتظار. تكتب ونوس على لسان بطلتها سليمى:
“انتظار الخوف أصعب من الخوف ذاته. السجن أسهل من الخوف منه ” بهذه المعادلة النفسية، نجحت السلطة في تعميم منطق السجن؛ ليصبح كل مواطن رقيبا على ذاته، محاصرا بأسوار وهمية قبل أن تمتد إليه يد السجان
وفي رواية “سمر الليالي ” لنبيل سليمان، التي تتناول حكايا معتقلات سياسيات في مدينة بحرية، لا يبدو السجن مكاناً معزولاً، بل هو نموذج مكثف لما تجرعه البلاد بأسرها.
وتكتسب “سمر الليالي ” أهمية خاصة في قراءة العلاقة بين السجن والحياة في ظل نظام الأسد؛ فالسجن في الرواية يبدو تكثيفا لمنطق أوسع يحكم الحياة خارجه بما في ذلك العنف والإذلال والرقابة واستعمال القوّة لإخضاع الفرد. وما يحدث داخل الزنزانة مع ريّا أو لبيبة (سجينتان) يجد أصداءه في البيت والشارع والعلاقات الاجتماعية، حتى تتسع حدود السجن من المكان المغلق إلى المدينة والبلاد نفسها.
أما القاص إبراهيم صموئيل، فيزاوج في قصته “المقبرة ” ببراعة رمزيّة بين ضيق زنزانته والمدينة التي ينتظر فيها محبوبته “عناد “، متسائلا بمرارة عن الفرق بين السجّان والشارع: “بدت المدينة في تلك اللحظة كئيبة إلى حدّ رهيب، وكان سكونها موحشا ومفزعا.. تفصل بينها ممرات سوداء ضيقة تتسع لأقدام الأشباح التي تجوبها “. فما أشبه البيوت بالزنازين، وأقدام الأشباح بأقدام المخبرين!
تتيح هذه الأعمال كما تقترح الناقدة آن-ماري مكمنوس في دراستها “شبكات سرد السجن ، رؤية السجن كعدسة نطل عبرها على الروابط الاجتماعية والسياسية التي أنتجها الاستبداد؛ حيث العنف لا يمارس بالضرب المباشر في المعتقل فحسب، بل يتجسد بصور الرقيب على حوائط الشوارع، وبامتهان الكرامة وتعطيل المصالح داخل المؤسسات الرسمية.
فنون المقاومة في الزنزانة
وإذا كان السجن مصمما لسلب الإنسان حرّيته عقابا على سلوكه المخالف للقانون، فإن السجون السورية، على عهد نظام حرب البعث، صمّمت لأغراض مختلفة؛ فالمُعتقل في هذه السجون يتحوَّل إلى “كائن يتمنى الموت ” على حدّ وصف إحدى المعتقلات في سجن صيدنايا.
فعقوبات كالشَبْح (تعليق الإنسان من يديه)، واقتلاع الأظافر، وتقديم الطعام والمياه الملوّثة، والزنزانة الانفرادية التي لا يصلها الضوء، وحفلات التعذيب التي يصفها أحد المعتقلين بــ “البرزخ ما بين الحياة والموت ” لشدّة ما يتعرَّض فيها المعتقل لضرب مبرح وعشوائي قد يؤدي إلى وفاته، وغيرها من الممارسات الوحشية تجعل من الحياة عبئا على صاحبها.
وهنا تبدو إحدى المفارقات الكبرى في أدب السجون السوري؛ إذ أن المعتقلين، الذين تصوّرهم الروايات والشهادات والمذكرات، كثيرا ما حوّلوا ما بقي لهم من أدوات محدودة إلى وسائل لحماية ذواتهم في وجه هذا الطوفان من العنف المادّي والرمزي.
تتجسد هذه الملحمة الإنسانية في رواية “أوتار خلف القضبان ” لأسعد شلاش. بطل الرواية “فرح “، الموسيقي المحروم من آلته، يرفض أن تموت الموسيقى في يديه؛ فينتزع قطعة خشب من صندوق طعام، ويرسم عليها مواضع العلامات، ويمرر أصابعه فوق الخشب الصامت مستعيداً الألحان في مخيلته: «تزداد سرعة أصابعي مؤدية ألحاناً خرساء تختلط في مخيلتي دون أن يسمعها أحد». لا تقف الموسيقى عند عزلة فرح، بل تتحول إلى مساحة حياة مشتركة حين يبدأ بتعليم رفاقه قراءة النوتة على علب الدخان.
ويبلغ هذا التحدي ذروته في ليلة رأس السنة، حين يدخر المعتقلون الحلاوة البيضاء والفواكه، ويصنعون منها شراباً دافئاً، يرقصون بكتف إلى كتف لضيق المكان، يغنون لفيروز وهم يهتفون: “مصرون على الحياة، رافضون للموت “.
يكسب الاحتفال معناه من هشاشته؛ فقليل من الحلاوة، وأغنية قديمة، وأجساد متعبة، كانت كافية لتحدي طغيان السجان
وفي ديوان “أغنيات سجينة ” لجورج صبرة، نرى المقاومة بالفكر والذاكرة. حين شعر صبرة بأن العزلة في الانفرادي تأكل أسماء أحبائه وتدمر ذاكرته، قرر أن يكتب الشعر في رأسه، يبني البيت ويحفظه، ويكرر القصيدة في ذهنه شطراً بشطر.
ويبلغ هذا التحدّي ذروته حين يضبطه أحد السجّانين يحرّك رأسه ويديه داخل الزنزانة، فيسأله عمّا يفعل، فيجيب صبرة بأنه يكتب الشعر، فيندفع السجّان إلى الداخل مفتشا البطّانيات والفراش والحذاء بحثا عن ورقة أو قلم، وحين يعجز عن إيجاد شيء، يشير صبرة إلى رأسه ويقول للسجّان: “لا تعذّب نفسك بالتفتيش فأنا أكتب هنا “. وفي تلك اللحظة تبدو منظومة الاعتقال بكل ما فيها عاجزة عن بلوغ هذا المكان الوحيد العصي على التفتيش.
تمنح هذه التفاصيل السجين بطولته الحقيقية؛ فهو ليس مجرد ضحية معذبة، بل إنسان يمتلك إرادة العيش، ويصنع لنفسه سيرة لا تقتصر على الألم وحدها.

ذاكرة أخرى عن السجن
تُقدم شهادات الأديبات السوريات بعداً أشد عمقاً وإيلاماً؛ حيث ينال القهر من أكثر تفاصيل المرأة حميمية، ممتداً من تعذيب الجسد إلى حرمانه من الأمومة والاطمئنان، وصولاً إلى مواجهة الأحكام المجتمعية الظالمة بعد الخروج.
وتبدو خصوصية التجربة النسائية مع الاعتقال واضحة in كتاب “نيغاتيف: من ذاكرة المعتقلات السياسيات ” لروزا ياسين حسن، الذي تجمع فيه حكايات سجينات جئن من تجارب وأجيال وانتماءات سياسية مختلفة، فتحفظ لكل واحدة منهن صوتها وسيرتها الخاصة.
وتتوزّع هذه الحكايات على أقسام تحمل عناوين مثل “أنثى الكهف العارية ” و “الدخول إلى مملكة الجنون: أمهات في المعتقل ” و “حبّ من وراء القضبان: تفاصيل الأنوثة والعشق “، وتنتقل في الكتاب بين المعاناة الجسدية للمعتقلات، والغياب القسري عن أطفالهن أو الأمومة المعاشة بين جدران الزنازين، ورغبتهن المتقدّة بالحبّ والحياة، لتشكّل تاريخا سجنيا من سير نساء كانت محدودة الحضور ضمن أدبيات السجون في سوريا.
ويبدأ هذا التاريخ من الجسد النسائي، الذي يتحوّل في حكاية لينا (معتقلة) إلى رفيق تخاطبه كي لا تنهار تحت التعذيب، فتستحضر في ذهنها بطل الرواية التركية الشهيرة “أنت جريح “، وتناجي جسدها بين ضربة وأخرى قائلة “اصمد يا جسدي “، وحين ينتهي التعذيب تشكر جسدها على احتماله الألم.
وتدخل الأمومة بدورها إلى سردية السجن في تجربة بثينة (معتقلة) التي يأخذ الفقد فيها وجها قاسيا بعد حرمانها من طفلتها راما التي لم تبلغ شهرها العاشر، فيمتدّ أثر الاعتقال من سلب حرية بثينة إلى السنوات الأولى من حياة الابنة التي تكبر في غياب والدتها.
لكن النص ينطوي أيضاً على التوق الشديد للحب والتفجُر المباغت للأنوثة، كما تعبر إحدى السجينات: “كنت أمتلئ أنوثة وأنا في المزدوجات في فرع الأمن “، في استعادة شجاعة للكرامة والآدمية.

أما رواية “الوشم ” لمنهل السراج، فتسلط الضوء على ما بعد الأسوار؛ فالاعتقال لا ينتهي بمغادرة السجن، بل يترك أثرا يشبه “الوشم ” الأبدي على الذاكرة والجسد، تطارد صاحباته نظرات الأسئلة الشاخصة في الخارج.
لقد حررت الأقلام النسائية عبر أعمال مثل «الآن هنا» لحسيبة عبد الرحمن و«أصل الفصول الأربعة» لسمر يزبك… أدب السجون من المباشرة السياسية، ونزعت عنه التنميط الجاهز للبطلة أو الضحية، لتمنح العواطف والأمومة المفقودة حقها في كتابة التاريخ السوري.
من سراديب الماضي إلى عقد سوريا الجديدة
لم تعد ذاكرة السجون بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 مجرد همس بين الخائفين؛ فما كان مكتوبا بالحبر والمخاوف خرج اليوم إلى الضوء.
وتشير الباحثة الأرجنتينية إليزابيث جيلين في كتابها “قمع الدولة وأعمال الذاكرة ” إلى أن الحكاية المهيمنة في المجال العام حول الماضي، غالبا ما تكون حكاية المنتصرين، فيما تظلّ الحكايات الأخرى قابعة ضمن ما تطلق عليه “سراديب التاريخ “. وفي سوريا، في ظلّ نظام سياسي امتلك سلطة اعتقال وتغييب معارضيه وإنكار وجودهم وتشويه سيرهم، كان السجن السياسي واحدا من هذه السراديب بالمعنى الحرفي للكلمة.
إن أدب السجون السوري ليس مجرد مرثية لزمن مضى، بل هو الأرشيف الإنساني والوجداني الأهم لبناء سوريا الجديدة. إنه يمد المؤرخين والقانونيين والناس بحقيقة ما حدث، ليس كأرقام أو وثائق جافة، بل كقصص إنسانية حية تستعيد للضحايا كرامتهم وأصواتهم.
ومن خلال الاستماع لهذه الحكايات والاعتراف بوجعها، يتشكل العقد الاجتماعي الحقيقي لسوريا المستقبل: عقد لا يقوم على الانتقام، بل على صون كرامة الإنسان، وضمان ألا تعود البلاد يوما محكومة بأسوار الخوف وعتمة الأقبية.



