وهذا التشابه في استخدام نفس المرجعيات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية من قبل جميع الأحزاب المغربية أفقدها رونقها الإيديولوجي وطابعها التنافسي، مما يدفعنا للقول إن الحملة الانتخابية بالمغرب لم تصل بعد للمستوى المطلوب، ذلك أنها لا تطرح إلا أهدافا دعائية تقليدية ذات مضمون سياسي ذي مستوى تقليدي هزيل. وغياب التنافس السياسي مرده انعدام برامج حزبية وانتخابية حقيقية، إذ اعتادت أغلب الأحزاب السياسية في مختلف الاستحقاقات على رفع شعارات عامة وفضفاضة مثل التغيير الديمقراطي، ومحاربة الرشوة والفساد، تحقيق الرفاه الاقتصادي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، والرفع من نجاعة الإدارة العمومية، بالإضافة لكون الانتخابات تتخذ طابعا شخصانيا وغالبا ما تتحول المنافسة السياسية والانتخابية لمنافسة بين أشخاص تكون فيها لعبة الشخصيات السياسية أهم من لعبة البرامج الانتخابية والحزبية.
هذه الخاصية التي تتميز بها البرامج الانتخابية والحزبية، ما تزال حاضرة وبقوة حتى وقتنا الحالي، ومن غير المستبعد أن تنطبق حتى على الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 23 شتنبر 2026، فرغم أن هذه الانتخابات هي رابع انتخابات سيتم تنظيمها في ظل دستور 2011 وفي إطار مواصلة مسلسل الإصلاح والتخليق الانتخابي، فإذا ما نحن حاولنا إجراء مسح بخصوص الخطوط العريضة التي من المحتمل أن تؤتث الحملة الانتخابية مستقبلا، سنجدها لا محالة ستعرف توظيف نفس العبارات السابقة، مثل تقوية الاقتصاد التضامني والاجتماعي، محاربة الفقر والهشاشة، وتقوية متطلبات الدولة الاجتماعية…، وتعميم التغطية الصحية وتحسين أداء المرافق العمومية …، فبرنامج أي حزب يكاد لا يخلو مستقبلا من استعمال هذه المفاهيم والشعارات السياسية، الشيء الذي يدل بأن البرامج الحزبية لم تشهد أية تغييرات. بحيث ستتضمن نفس المواضيع، باختلاف في التعبيرات المفاهيمية والدلالية، فإذا أخذنا مثلا البُعد الحقوقي في البرامج الانتخابية السابقة منذ 2011 على الأقل، فإننا نجدها تذهب في اتجاه واحد يتمثل في سمو الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان على القوانين الداخلية، وضمان المساواة أمام القانون لجميع المواطنين والمواطنات، وإقرار مبدأ قرينة البراءة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وإصلاح القضاء وتوسيع صلاحيات البرلمان في مجالي الرقابة والتشريع والمجال الدبلوماسي، وهو ما يجعل الأحزاب تتبنى نفس الأفكار والمطالب، رغم كونها تؤكد في مرجعياتها السياسية على تبنيها إيديولوجيات سياسية متباينة.
أما في ما يتعلق بالسلوك الانتخابي خصوصا في أوساط الفئات الفقيرة المنحدرة من أحياء هامشية بالمجال الحضري وفي العالم القروي خاصة، فبدوره ما زالت تؤطره وتحدده العديد من العوامل التقليدية، من قبيل العلاقات الشخصية وعلاقات القرابة، أو العلاقات القبلية، أي أن الناخب هنا لا يختار برنامجا انتخابيا أو “بروفايلا” سياسا بقدر ما يختار مترشحا أو منتخبا بناء على المعايير السابقة، وهو ما أنتج لنا علاقات “زبائنية وشبكات نفوذ سياسي” ذات أبعاد وتأثيرات انتخابية خاضعة وتابعة لمراكز التأثير والنفوذ التي تحكمها الولاءات وشبكات النفوذ التابعة للمترشحين في الدوائر الانتخابية المحلية، صحيح أنه حصل تطور وتقدم على مستوى الممارسة الانتخابية بالمغرب بفضل الترسانة القانونية وتضييق الخناق في مواجهة شراء الأصوات وتوظيف المال السياسي، وصحيح أن وسائل الاعلام والمنصات الرقمية أصبحت تلعب دورا شبه موجه للسلوك الانتخابي بمناسبة الاستحقاقات التشريعية، بيد أنه رغم كل التحولات الرقمية والسوسيوثقافية والسياسية والقانونية التي شهدها الفضاء السياسي العمومي بالمغرب، فإن السلوك الانتخابي ما زالت تؤطره وتحكمه العديد من المظاهر التقليدية التي يبقى لها دور جد حاسم في الاختيارات الانتخابية مثل الأبعاد القبلية والقروية والشخصية والعائلية، والزبائنية الانتخابية وما شابهها من الولاءات التقليدية، ولعل ما يبرر ذلك هو شيوع ظاهرة الترحال السياسي بمناسبة كل استحقاق انتخابي وتشريعي، ذلك أنه قبل أسابيع عن استحقاقات 23 شتنبر 2026، برزت من جديد هذه الآفة السياسية القديمة، على خلفية تغيير حوالي 37 نائبا برلمانيا لانتماءاتهم الحزبية التي فازوا بلونها بالمقعد البرلماني برسم انتخابات 2021، وهذا يكشف أن عملية التصويت في العملية الانتخابية تتحكم فيها العلاقات الشخصية والقبلية والزبائية أكثر مما تتحكم فيها الانتماءات الحزبية أو السياسية.



