1. ملامح تشكل ثقافة سياحية مغربية حديثة
يمكن الدفع بأن المغربي أصبح يمتلك ثقافة سياحية، لكن هذه الثقافة ما زالت في طور التشكل والتحول ولم تصبح بعد ثقافة سياحية مكتملة ومشتركة لدى مختلف فئات المجتمع. وبالتالي فالأدق هو التمييز بين وجود سلوك سياحي مغربي ووجود ثقافة سياحية بالمعنى الحديث.
فالمغربي لديه منذ زمن قديم ممارسات مرتبطة بالسفر والتنزه والضيافة، مثل زيارة المدن والمناطق خلال العطل والمواسم، والقيام بالرحلات العائلية إلى الشواطئ والجبال والغابات، أو زيارة الأقارب في مدن ومناطق أخرى، والسفر في المناسبات الدينية والوطنية، بالإضافة إلى ترسخ ثقافة الضيافة وإكرام الضيف، والبحث عن الأكل المحلي والأسواق والمواقع الطبيعية. وهذه كلها تشكل أرضية ثقافية لسياحة وفق المفهوم الحديث.
فالثقافة السياحية الحديثة تفترض أن السائح المغربي لا يكون مجرد مستهلك للخدمة السياحية، وإنما يمتلك وعياً بمجموعة من القواعد والقيم، منها احترام المكان الذي يزوره، والمحافظة على البيئة والشواطئ والمواقع التاريخية، واحترام السكان المحليين وخصوصياتهم، واحترام النظام العام والنظافة، بالإضافة إلى التعامل الحضاري مع العاملين في السياحة، وكذا التخطيط للرحلة واختيار الإقامة والنقل والأنشطة، إلى جانب اكتشاف الثقافة المحلية وليس فقط البحث عن الاستهلاك والترفيه.
لكن السلوك السياحي لدى غالبية المغاربة ما زال يغلب عليه الاهتمام والبحث عن الراحة والأكل. فالسياحة من أجل الاستجمام هي الأقوى غالباً: البحر، الطبيعة، الترفيه، تغيير الجو، وقضاء الوقت مع الأسرة. كما أن السياحة العائلية لها وزن كبير، حيث تكون زيارة الأقارب أو قضاء العطلة مع الأسرة جزءاً من الرحلة.
في حين أن سياحة الاكتشاف آخذة في النمو، خصوصاً لدى الشباب والطبقة المتعلمة وسكان المدن، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد الاهتمام بالمدن العتيقة والمواقع الطبيعية والثقافية.
فالسياحة التاريخية موجودة، لكن زيارة المآثر لا تكون دائماً مدفوعة برغبة واعية في دراسة التاريخ؛ فقد تكون المعلمة مجرد جزء من تجربة سياحية أو فضاء للتصوير والترفيه.
لكن هناك تحول مهم يستحق الانتباه إليه، هو أن السائح المغربي بدأ ينتقل تدريجياً من “زيارة المكان” إلى “اكتشاف المكان”. فزيارة وليلي، مثلاً، يمكن أن تكون مجرد نزهة، لكنها يمكن أن تتحول إلى رغبة في معرفة الحضارة الرومانية بالمغرب.
وزيارة فاس أو مكناس أو مراكش يمكن أن تنتقل من التجول في المدينة العتيقة إلى محاولة فهم تاريخ الدولة والمجتمع والعمران والحرف. وهنا يمكن أن نتحدث عن نشوء وعي سياحي تاريخي مغربي، لكنه لم يتحول بعد إلى سلوك جماهيري راسخ.
في الوقت الذي يمتلك المغرب رصيداً تاريخياً استثنائياً: فالأدارسة، والمرابطون، والموحدون، والمرينيون، والسعديون، والعلويون خلفوا تراثاً معمارياً هائلاً يتمثل في المدن العتيقة، والقصبات، والقصور، والزوايا، والمساجد، والمدارس العتيقة، والمواقع الأثرية.
لكن امتلاك هذا الرصيد لا يعني تلقائياً أن المواطن المغربي يتعامل معه باعتباره منتجاً سياحياً وثقافياً.
فهنا توجد فجوة بين التاريخ الذي يعرفه المغربي من خلال المدرسة والخطاب الوطني والتاريخ الذي يكتشفه المغربي بنفسه من خلال السفر والسياحة.
وهذه النقطة بالذات يمكن أن تكون أساساً لسياسة جديدة في السياحة الداخلية وتحويل الرحلة العائلية من مجرد “قضاء العطلة” إلى “رحلة اكتشاف المغرب”.
فلو أصبح الطفل والشاب المغربي يزور موقعاً تاريخياً، ويتلقى في عين المكان شرحاً مبسطاً لتاريخه، ويشاهد إعادة تقديم للحياة التي كانت فيه، ويشارك في نشاط ثقافي أو تفاعلي، فإن السياحة الداخلية ستصبح أيضاً أداة لبناء الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية.
ومن هنا يمكن طرح سؤال أعمق: هل فشلت المدرسة والإعلام ووزارة السياحة إلى حد ما في تحويل التاريخ المغربي من مادة معرفية إلى تجربة سياحية يعيشها المواطن؟ ولعل هذا قد يكون أحد مفاتيح فهم محدودية السياحة الثقافية الداخلية بالمغرب.
ووفق هذا المنظور، فإن الثقافة السياحية المغربية غير متوازنة: فهناك تطور كبير في الرغبة في السفر والاكتشاف، لكن تطور السلوك السياحي لم يواكب دائماً هذا التحول.
2- مميزات الثقافة السياحية المغربية
يمكن الحديث عن «ثقافة سياحية مغربية» تتشكل من عدة عناصر:
* ثقافة الضيافة: وهي من أقوى عناصر الصورة السياحية المغربية، حيث يُنظر إلى إكرام الضيف باعتباره قيمة اجتماعية.
* السياحة العائلية: فالعطلة غالباً ما تعتبر لدى السائح المغربي نشاطاً جماعياً تشارك فيه الأسرة الممتدة، وليس بالضرورة تجربة فردية أو زوجية كما هو شائع في بعض المجتمعات الغربية.
* السياحة الموسمية: فالصيف، والأعياد والمناسبات الدينية والوطنية والعطل المدرسية تشكل موجات قوية من التنقل نحو الشواطئ والمدن السياحية، مما يؤدي إلى التركز والاكتظاظ في مناطق محددة بشمال المغرب أو بأكادير ومراكش أو الجديدة في شكل يشبه ظاهرة الانتجاع.
إذ يمكن تشبيه جزء مهم من السلوك السياحي لدى المغاربة بـ«الانتجاع». فالسلوك السياحي المغربي التقليدي والمعاصر يتجه كثيراً إلى: البحر صيفاً؛ والجبل والطبيعة خلال فترات معينة؛ والمدن والمناطق ذات المناخ المعتدل؛ وقضاء أيام مع الأسرة؛ والبحث عن الراحة والترفيه؛ وتغيير البيئة اليومية أكثر من البحث عن المعرفة التاريخية.
وبالتالي فإن الغاية الأساسية من الرحلة قد تكون “الاستراحة” أكثر من “الاكتشاف”. وهذا يفسر مثلاً لماذا يمكن أن يزور السائح المغربي مدينة تاريخية غنية بالمآثر، لكنه يقضي معظم وقته في المطاعم والمقاهي والأسواق أو في مكان الإقامة، دون أن تكون زيارة المعالم التاريخية هي محور الرحلة.
* التوجه إلى البحر والشاطئ: استعمال الشاطئ المغربي له خصوصياته؛ فهو ليس فقط مكاناً للسباحة، وإنما فضاء للنزهة واللقاء العائلي والأكل والرياضة والتجمع الاجتماعي.
* التسوق السياحي: حيث يمكن اعتبار الاقتناء وارتياد الأسواق أحد مكونات السلوك السياحي لدى المغاربة، وبصورة ملحوظة لدى النساء المغربيات.
ففي السياق المغربي، توجد علاقة قديمة بين السفر والسوق. فالرحلة إلى مدينة أو منطقة أخرى قد تتضمن شراء: الملابس والأحذية؛ والمنتوجات التقليدية؛ والمصنوعات الجلدية؛ والزرابي والمنسوجات؛ والتوابل والمنتوجات الغذائية المحلية؛ والهدايا والتذكارات؛ ومستحضرات التجميل والمنتوجات المحلية.
والمرأة قد تكون فاعلاً مهماً في هذا النمط، ليس فقط باعتبارها مستهلكة، وإنما أيضاً باعتبارها منظمة لعملية الاقتناء العائلي.
لكن هناك فرق بين «التسوق» و«اكتشاف السوق»: فقد يذهب السائح إلى السوق من أجل شراء شيء يحتاجه، لكن السوق نفسه يمكن أن يصبح جزءاً من التجربة السياحية.
فزيارة سوق الصويرة أو فاس أو مراكش، مثلاً، ليست مجرد عملية شراء؛ إنها أيضاً مشاهدة الحرف، والتفاوض، والتعرف على المنتجات المحلية، وتذوق الطعام، والتفاعل مع الناس.
وهنا يتحول السوق من فضاء اقتصادي إلى فضاء سياحي وثقافي.
وبالنسبة للمغربيات تحديداً يمكن ملاحظة أن الرحلة النسائية أو العائلية قد تجمع بين عدة وظائف: التنزه والتواصل الاجتماعي، والتسوق واكتشاف المنتجات المحلية، والترفيه.
ولذلك قد يكون التسوق جزءاً من المتعة السياحية نفسها، وليس نشاطاً منفصلاً عن السياحة.
لكن لا ينبغي الجزم بأن المغربيات يسافرن أساساً من أجل التسوق؛ فهذا يختلف كثيراً حسب العمر، والدخل، والمستوى التعليمي، والمدينة، ونوع الرحلة، ووجود الأسرة والأطفال.
ومن خلال رصد كل هذه المميزات التي تطبع السلوك السياحي للمغاربة، يمكن طرح سؤال أعمق: هل توجد بالفعل ثقافة سياحية مغربية حديثة، أم أن جزءاً كبيراً من سلوك المغاربة في الفضاءات السياحية ما زال امتداداً للثقافة الاجتماعية اليومية؟
3- محددات تحول السلوك السياحي المغربي
في الماضي كان الخطاب السياحي المغربي موجهاً أساساً إلى السائح الأجنبي. أما اليوم، فقد أصبح المغربي نفسه فاعلاً رئيسياً في السياحة الداخلية: الأسرة، الشباب، المتقاعدون، مغاربة المدن، وسكان العالم القروي.
وهذا خلق ما يمكن تسميته “السائح المغربي الجديد”، الذي يبحث عن: الشاطئ، والطبيعة، وزيارة المدن التاريخية، والمطاعم، والترفيه،…. أي أن السياحة أصبحت جزءاً من أسلوب الحياة والاستهلاك الاجتماعي لغالبية المغاربة، وليس مجرد سفر اضطراري أو زيارة عائلية.
لكن الإشكال هو أن العرض السياحي لم يواكب دائماً هذا التحول. إذ هنا تظهر المفارقة: الثقافة السياحية لدى المغاربة تطورت أسرع من بعض السياسات والتجهيزات والخدمات الموجهة إليهم.
فالأسرة المغربية تحتاج إلى سياحة مختلفة عن السياحة الأجنبية: إقامة عائلية، أسعار مناسبة، فضاءات للأطفال، شواطئ منظمة، مرافق صحية ونظافة، نقل ملائم، أمن، ومجالات ترفيهية بأسعار يمكن تحملها.
لذلك يمكن القول إن المغرب انتقل تدريجياً من: “السياحة بالمغرب” إلى “السياحة المغربية”.
وهذا تحول مفاهيمي مهم: الأولى تنظر إلى المغرب باعتباره وجهة للسائح، بينما الثانية تعترف بالمغربي نفسه باعتباره سائحاً وصاحب حاجات سياحية وثقافة سياحية خاصة به.
لكن هل استطاعت الدولة ووزارة السياحة والجماعات المحلية أن تكتشف هذه الثقافة السياحية المغربية الجديدة وتبني لها سياسة سياحية خاصة، ولا سيما السياحة العائلية؟
وهذا يقود مباشرة إلى التساؤل حول هل توجد اليوم “سياسة عمومية للسائح المغربي” أم أن السائح الداخلي ما زال يأتي في المرتبة الثانية بعد السائح الأجنبي؟
فالتحول الأساسي هو أن المغربي لم يعد ينظر إلى السياحة فقط باعتبارها سفراً لزيارة الأقارب أو موسمياً نحو الشاطئ، بل بدأت تظهر السياحة باعتبارها حقاً في الترفيه وتجربةً شخصية واستهلاكاً ثقافياً واجتماعياً.
ويمكن رصد هذه الثقافة الحديثة في عدة مظاهر: تحول معنى العطلة، حيث أصبحت العطلة عند فئات متزايدة من المغاربة وقتاً للراحة وتغيير نمط الحياة، وليس مجرد زيارة عائلية، مما رفع من مستوى ووتيرة السياحة الداخلية.
فهناك اكتشاف متزايد لمدن ومناطق مغربية باعتبارها وجهات سياحية في حد ذاتها: مراكش، أكادير، طنجة، شفشاون، الصويرة، ورزازات، الداخلة وغيرها.
كما أن الشباب أصبح أكثر ميلاً إلى السفر مع الأصدقاء، واكتشاف أماكن جديدة، والبحث عن التجارب، والتخييم والرحلات القصيرة، والتأثر بما يشاهدونه على شبكات التواصل الاجتماعي.
فالفندق والمطعم والمقهى والشاطئ والمنتجع لم تعد موجهة فقط إلى السائح الأجنبي؛ بل أصبحت أيضاً فضاءات للاستهلاك والترفيه بالنسبة إلى الطبقة الوسطى المغربية.
خاصة مع تزايد استعمال الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً من التجربة السياحية في اختيار الفندق والمطعم، وقراءة التقييمات، وتصوير الرحلة، ونشر التجربة.
وقد ساهمت الرحلات المنظمة في تحول السلوك السياحي لدى المغاربة، وإن كان تأثيرها متفاوتاً حسب الفئات والأجيال والمناطق.
والأهم أنها ساعدت على الانتقال من سياحة تقوم على الزيارة العائلية والانتجاع إلى سياحة تقوم بدرجة أكبر على الرحلة الجماعية المبرمجة واكتشاف أماكن جديدة.
ويمكن فهم هذا التحول في عدة مستويات:
– من «السفر إلى الأقارب» إلى «السفر من أجل السفر»: حيث في السابق كانت الرحلة الداخلية كثيراً ما ترتبط بزيارة الأسرة والأقارب أو بقضاء العطلة الصيفية في مدينة ساحلية.
أما الرحلات المنظمة فقد قدمت منطقاً مختلفاً: المكان هو الذي يحدد الرحلة، وليس وجود قريب في المكان. وهذا تحول مهم في الثقافة السياحية.
– وسعت الرحلات المنظمة خريطة المغرب السياحية لدى المواطن، فعندما تنظم رحلة جماعية إلى منطقة جبلية أو واحة أو مدينة تاريخية أو قرية بعيدة، يصبح المكان قابلاً للسياحة في ذهن المواطن.
وهكذا ساهمت الرحلات المنظمة في تعريف المغاربة بمناطق ربما لم تكن ضمن خريطة سفرهم التقليدية.
– ساهمت هذه الرحلات في ظهور «السائح المكتشف»، فالرحلة المنظمة يمكن أن تجعل المواطن لا يذهب فقط إلى البحر للاستجمام، وإنما إلى: المدن العتيقة؛ والمواقع التاريخية والأثرية؛ والجبال والواحات؛ والمتاحف؛ والمناطق الطبيعية؛ والمهرجانات والمواسم الثقافية.
أي أنها تفتح المجال أمام السياحة الثقافية والاستكشافية.
– كما أتاحت الرحلات الجماعية لشرائح واسعة من النساء، خصوصاً في إطار مجموعات الصديقات أو الجمعيات أو الرحلات العائلية، السفر إلى أماكن لم يكن السفر إليها متاحاً لهن بسهولة بشكل فردي.
وهذا ساهم في جعل السياحة نشاطاً اجتماعياً وليس مجرد نشاط عائلي.
– كما غيرت الرحلات المنظمة مفهوم «المسافة»، فعندما تكون الرحلة منظمة، يتكفل المنظم بالنقل والإقامة والبرنامج، وبالتالي يصبح السفر إلى منطقة بعيدة أقل تعقيداً بالنسبة للمشارك.
غير أن الرحلات المنظمة لم تُحدث وحدها هذا التحول. فقد ساهمت فيها أيضاً استعمال السيارة الخاصة، وتحسن الطرق، ووسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار التصوير، وارتفاع الرغبة في الترفيه، وتطور الإقامة السياحية، وتغير أنماط الأسرة المغربية.
لكن مع ذلك يمكن القول إن الرحلات المنظمة كانت أحد مختبرات التحول في السلوك السياحي المغربي.
إذ يمكن صياغة هذا التحول في سلوك المغربي الذي كان يسافر لأنه مضطر إلى السفر، أو لزيارة قريب، أو لقضاء الصيف، إلى المغربي الذي يسافر لأنه يريد أن يعيش تجربة سياحية.
وهذا بالضبط ما يجعل دراسة الرحلات المنظمة مهمة لفهم نشوء ثقافة سياحية مغربية حديثة، خصوصاً إذا انتقلت من تنظيم «رحلات استجمام وتسوق» إلى تنظيم رحلات لاكتشاف تاريخ وجغرافية وثقافة المغرب.
4- عدم مواكبة السياسة الرسمية تطور السياحة الداخلية
واكبت السياسة السياحية الرسمية هذا التطور، لكن بصورة جزئية وغير متوازنة.
والأهم أن هناك تحولاً واضحاً في الخطاب الرسمي: فالسياحة الداخلية لم تعد غائبة عن السياسة السياحية كما كانت في مراحل سابقة، لكنها ما زالت أقل حضوراً من السياحة الدولية من حيث الأهداف، والتسويق، والمنتجات، والقياس.
وقد تمثل من خلال:
الاعتراف بالسائح المغربي كسوق سياحية، فقد خصصت خارطة الطريق السياحية 2023–2026 لأول مرة بشكل صريح سلسلتين للسياحة الداخلية: السياحة الداخلية – الشاطئ والسياحة الداخلية – الطبيعة والاستكشاف.
وهذا يعني أن الدولة بدأت تنظر إلى المغربي ليس فقط باعتباره مواطناً يسافر لقضاء عطلة، وإنما باعتباره مستهلكاً لمنتج سياحي داخلي له حاجات وتوقعات خاصة.
لكن رغم هذا التطور، فإن الثقل الاستراتيجي والمالي والتسويقي لا يزال موجهاً بدرجة كبيرة نحو السائح الدولي.
فالهدف الرسمي لخارطة الطريق هو الوصول إلى 17.5 مليون سائح في أفق 2026، ثم 26 مليوناً في أفق 2030، مع تركيز قوي على الربط الجوي، والأسواق المصدرة للسياح، والترويج الدولي والاستثمار الفندقي.
وهذا مفهوم اقتصادياً، لأن السائح الأجنبي يجلب العملة الصعبة. لكن من زاوية السياسة الاجتماعية للسياحة، يطرح ذلك سؤالاً مختلفاً: هل تطورت السياسة السياحية بالسرعة نفسها التي تطورت بها رغبة المغاربة في السياحة الداخلية؟
وهكذا، فالمشكلة ليست في الاعتراف بالسياحة الداخلية، وإنما في طبيعة العرض السياحي.
فالمغربي اليوم يبحث عن أسعار يمكن أن تتحملها الأسرة المتوسطة؛ وعروض قصيرة في نهاية الأسبوع؛ ومنتجعات وشواطئ منظمة؛ وتخييم وإقامات طبيعية؛ وسياحة جبلية وإيكولوجية؛ وعروض عائلية؛ ونقل سياحي داخلي؛ وحجوزات رقمية سهلة؛ وعروض خارج موسم الصيف.
بينما لا يزال جزء كبير من العرض السياحي المغربي مصمماً وفق منطق السائح الأجنبي القادم إلى المغرب من الخارج.
وهنا تظهر فجوة بين تطور الطلب الاجتماعي المغربي على السياحة وبين تطور المنتج السياحي الموجه للمغاربة.
لكن يبدو أن هناك مؤشراً إيجابياً مهماً في السياسة السياحية الجديدة. فالدولة بدأت أيضاً تنتقل من التركيز على الفندق والبنية المادية إلى مفهوم «تجربة السائح».
ففي 2026 أطلقت وزارة السياحة نظام الزيارات السرية لتقييم 2500 مؤسسة للإيواء السياحي، وأصبح التقييم يشمل تجربة الزبون وجودة الخدمة وليس فقط التجهيزات.
وهذا تطور مهم؛ لأن المغربي الذي أصبح أكثر سفراً ومقارنةً بين الوجهات أصبح أكثر حساسية لجودة الخدمة والسعر والنظافة والتنظيم.
لكن ما ينقص هو «سياسة اجتماعية للسياحة»، فإذا كانت الدولة تعترف بأن السياحة الداخلية قطاع قائم بذاته، فإنها تحتاج إلى سياسة تجعل السياحة حقاً اجتماعياً متاحاً لشرائح أوسع، وليس مجرد نشاط استهلاكي للطبقة الميسورة.
وهذا يمكن أن يتم عبر تقديم عروض سياحية وطنية بأسعار مدروسة، وتطوير الإيواء منخفض ومتوسط التكلفة، وتوسيع السياحة خارج موسم الصيف، وربط السياحة بالنقل العمومي، وتطوير المخيمات، وتشجيع السياحة القروية والجبلية، وربط العطل المدرسية بالطلب السياحي الداخلي.
وهذه ليست مجرد فكرة نظرية؛ فوثيقة رسمية حول نموذج التنمية تشير صراحة إلى ضرورة تنشيط السياحة الداخلية، وتطوير عروض تتلاءم مع انتظارات المواطنين وقدرتهم الشرائية، بل وتقترح استخدام توزيع العطل المدرسية إقليمياً كأداة لتوزيع الطلب السياحي على مدار السنة.
كما ينبغي التركيز على «السياحة العائلية» كسلسلة مستقلة بذاتها. فالسياحة العائلية ليست نوعاً من الوجهات فقط، وإنما نمط استهلاك سياحي له خصائصه.
فالأسرة المغربية لا تسافر بالطريقة نفسها التي يسافر بها فرد أو زوجان أو مجموعة من الشباب. إذ تحتاج العائلة مثلاً إلى غرف أو شقق عائلية بأسعار مناسبة؛ ومطاعم مناسبة للأطفال؛ ومساحات للعب والترفيه؛ وشواطئ آمنة ومنظمة؛ ووسائل نقل مناسبة؛ وأسعار عائلية؛ وعروض للإقامة لعدة أيام؛ وأنشطة مشتركة للآباء والأطفال؛ وخدمات صحية وأمنية قريبة.
وبالتالي، فإن تصميم المنتج السياحي وفق حاجات الأسرة يختلف عن مجرد توفير فندق وشاطئ.
وهذا بالطبع يتطلب تحولاً في كل الاستراتيجيات السياحية التي كانت تقوم على أن «السياحة من أجل الأجنبي» إلى «السياحة من أجل الأجنبي والمغربي»، وكذا «سياسة سياحية وطنية تراعي المغربي كسائح له حقوق وحاجات وثقافة سياحية خاصة».
فالمفارقة أن المجتمع المغربي ربما تطور سياحياً أسرع من تطور السياسة السياحية الموجهة إليه.
كما يحتاج الأمر إلى الانتقال من مجرد زيادة عدد السياح إلى بناء «المواطن السائح»: أي المواطن الذي يستطيع السفر داخل بلده، ويجد عرضاً مناسباً لدخله، ويتلقى خدمة جيدة، وفي الوقت نفسه يكتسب ثقافة احترام البيئة والمكان والفضاء السياحي.
وهنا تصبح السياحة الداخلية سياسة اقتصادية واجتماعية وثقافية في آن واحد، وليست مجرد فرع من فروع وزارة السياحة.
كما أن نجاح السياحة الداخلية لا يتوقف فقط على بناء الفنادق والشواطئ والمنتجعات، بل يحتاج أيضاً إلى تربية سياحية؛ أي أن يتعلم المواطن كيف يكون سائحاً داخل بلده، وكيف يحافظ على المكان الذي يزوره كما يحافظ على بيته.



