• Home  
  • الممرات البحرية وجيوبوليتيك الاختناق: من السيطرة على البحار إلى إدارة التدفقات | سياسة
- أخر الأخبار - سياسة

الممرات البحرية وجيوبوليتيك الاختناق: من السيطرة على البحار إلى إدارة التدفقات | سياسة

لم تعد الممرات البحرية مجرد مسارات جغرافية تعبرها السفن لكنها أصبحت جزءا أساسيا من البنية الإستراتيجية للاقتصاد العالمي، فمن خلالها تنتقل الطاقة والسلع والمواد الخام،…

لم تعد الممرات البحرية مجرد مسارات جغرافية تعبرها السفن لكنها أصبحت جزءا أساسيا من البنية الإستراتيجية للاقتصاد العالمي، فمن خلالها تنتقل الطاقة والسلع والمواد الخام، وعليها تقوم سلاسل الإمداد التي تربط مراكز الإنتاج بالأسواق.

ولهذا فإن أي اضطراب يصيب مضيقا أو قناة لا يبقى محصورا في نطاقه الجغرافي بل يمتد أثره إلى أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وأمن الغذاء، واستقرار الأسواق الدولية.

تنبع أهمية الممرات البحرية من اجتماع ثلاثة عناصر: ضيق المجال الجغرافي، وكثافة التدفقات العابرة، وصعوبة إيجاد بدائل موازية بالكفاءة والكلفة نفسيهما.

ومن هنا يتشكل ما يمكن تسميته “جيوبوليتيك الاختناق”: أي انتقال جانب متزايد من القيمة الإستراتيجية من مجرد السيطرة على المساحات البحرية الواسعة، إلى امتلاك القدرة على حماية نقاط العبور الحرجة، أو تهديدها، أو إعادة توجيه التدفقات المارة عبرها.

القوة البحرية لم تعد تقاس بحجم الأسطول وحده، والقوة البرية لا تختزل في اتساع المجال، كما أن السيطرة على السواحل لا تكفي من دون القدرة على حماية التدفقات التي تعبرها

وتنطلق هذه المقالة من أطروحة مركزية مفادها أن امتلاك القدرة على تهديد ممر مائي محوري يمنح صاحبه قوة على إرباك التدفقات العالمية ورفع كلفتها وإعادة توجيهها، لكنه لا يمنحه من تلقاء ذاته سيطرة على الاقتصاد العالمي؛ إذ لا تتحول قدرة التعطيل إلى سيطرة شاملة إلا إذا اقترنت بالقدرة على الاستمرار، وتعطيل الممرات البديلة في آن واحد، وتحويل الاضطراب الاقتصادي إلى مكسب سياسي قابل للاستدامة.

وتختبر الحالات التالية -من ملقا إلى بنما مرورا بهرمز وباب المندب والسويس- هذه الأطروحة من زوايا مختلفة لا بوصفها مقارنة كمية بين الممرات إنما بوصفها استقراء لوظيفة كل ممر في اللحظة الكاشفة الأحدث المتاحة له.

قدمت النظريات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية تصورات مختلفة لمصادر القوة؛ رأى ألفريد ماهان أن السيطرة البحرية أساس صعود الدول، وربط القوة العالمية بامتلاك الأساطيل والقواعد والموانئ والقدرة على حماية خطوط الملاحة.

أما هالفورد ماكيندر فنقل مركز الاهتمام إلى اليابسة ورأى أن التحكم في قلب أوراسيا يمنح صاحبه قدرة على التأثير في نيوز عربي العالمية. ثم جاء نيكولاس سبيكمان ليمنح الأطراف الساحلية المحيطة بالقلب أو “الريملاند” أهمية تفوق قلب اليابسة نفسه.

وعلى الرغم من اختلاف هذه النظريات فقد انطلقت جميعها من أولوية التحكم في المجالات الجغرافية الكبرى: البحر لدى ماهان، والقلب القاري لدى ماكيندر، والأطراف الساحلية لدى سبيكمان، غير أن الاقتصاد العالمي المعاصر أضاف إلى هذه المجالات مستوى أكثر تركيزا، يتمثل في نقاط الاختناق التي تتكثف عبرها التدفقات العالمية.

وهذا التحول لا يلغي أفكار ماهان وماكيندر وسبيكمان لكنه يعيد تركيبها في إطار أكثر ملاءمة للقرن الـ21.

فالقوة البحرية لم تعد تقاس بحجم الأسطول وحده، والقوة البرية لا تختزل في اتساع المجال، كما أن السيطرة على السواحل لا تكفي من دون القدرة على حماية التدفقات التي تعبرها.

وهكذا أصبحت نقطة الاختناق مكانا تتقاطع فيه الجغرافيا بالقوة العسكرية والاقتصاد والقانون والتكنولوجيا.

ويقدم مضيق ملقا (Strait of Malacca) نموذجا واضحا لهذا الترابط: فهو يصل المحيط الهندي ببحر جنوبي الصين والمحيط الهادئ، ويعد وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أحد أكبر اختناقات عبور النفط والمنتجات البترولية عالميا، إذ بلغ إجمالي التدفقات النفطية عبره نحو 24 مليون برميل يوميا عام 2023، وتكمن أهميته في ارتباطه الوثيق باقتصادات شرق آسيا، ولا سيما الصين واليابان، ما يجعل أمنه جزءا من التنافس الإستراتيجي الأمريكي الصيني.

ولذلك لا تنظر بكين إلى المضيق باعتباره طريقا تجاريا فحسب بل بوصفه موطن هشاشة محتملا لأمنها الاقتصادي والطاقوي.

أما مضيق هرمز فيجمع بين حجم التدفق وحساسية البيئة الأمنية المحيطة به، إذ عبره وفق التقديرات نفسها نحو 21 مليون برميل يوميا في النصف الأول من عام 2025، وهو ما يجعله أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.

يكشف السلوك الإيراني في هذه الأزمة أن قيمة هرمز لا تنبع فقط من القدرة النظرية على إغلاقه، بل من تحويل عدم اليقين ذاته إلى أداة ضغط؛ فمجرد احتمال استهداف السفن أو زرع الألغام أو تعطيل مسارات العبور يدفع السوق إلى تسعير الخطر مسبقا من دون حاجة إلى إغلاق قانوني أو مادي كامل، غير أن هذه الورقة ترتد أيضا على إيران نفسها

وتنبع خطورته من أن التهديد بتعطيله قد يكون مؤثرا حتى من دون إغلاقه فعليا؛ فقد أثبتت حرب الناقلات خلال الحرب العراقية الإيرانية أن استهداف السفن ورفع مخاطر العبور يكفيان لزيادة تكاليف التأمين والنقل والطاقة، وإجبار القوى الدولية على تكثيف حضورها العسكري.

والدليل الأدق على أن أثر الاختناق يبدأ قبل إغلاقه الكامل ليس في أرقام التدفق ذاتها بل فيما يسبقها: ارتفاع أقساط مخاطر الحرب التي فرضتها شركات التأمين البحري على بعض السفن العابرة، وتوقف شركات ملاحة طوعا عن الدخول إلى المنطقة، وتسعير الأسواق للخطر قبل وقوع أي تعطيل فعلي.

وتكرر هذا النمط بصورة أشد وضوحا خلال الأزمة التي أعقبت اندلاع الحرب الإيرانية الأمريكية عام 2026: فقد أدى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز -وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- إلى انخفاض تدفقات النفط عبره من نحو 21.6 مليون برميل يوميا في الربع الأخير من 2025 إلى 4.9 ملايين فقط في الربع الثاني من 2026، وهو رقم يعكس مرحلة متقدمة من التعطيل الفعلي لا مجرد تهديد باحتمال وقوعه.

وفي بعض مراحل الأزمة تراوحت أقساط مخاطر الحرب المفروضة على بعض السفن بين 3% و10% من قيمة هيكل السفينة تبعا لنوعها ومسارها وتقدير مستوى الخطر، وتعرضت أسواق النفط والغاز لتقلبات حادة.

وهكذا تؤكد الأزمتان -رغم اختلاف درجتيهما ورغم أن كلا منهما تكشف وجها مختلفا لعمل الاختناق: تسعيرا مسبقا في الأولى وتعطيلا فعليا متقدما في الثانية- أن وظيفة المضيق الإستراتيجية لا تبدأ لحظة إغلاقه الكامل بل منذ اللحظة التي ترتفع فيها احتمالات التعرض للسفن العابرة.

وهنا يتحول التهديد ذاته إلى أداة ضغط؛ لأن الأسواق لا تنتظر تحقق الخطر بل تسعره مسبقا، ولذلك يمكن لطرف إقليمي أن يرفع كلفة التدفقات العالمية من دون أن يمتلك القدرة أو الرغبة في وقفها بصورة كاملة.

ويكشف السلوك الإيراني في هذه الأزمة أن قيمة هرمز لا تنبع فقط من القدرة النظرية على إغلاقه، بل من تحويل عدم اليقين ذاته إلى أداة ضغط؛ فمجرد احتمال استهداف السفن أو زرع الألغام أو تعطيل مسارات العبور يدفع السوق إلى تسعير الخطر مسبقا من دون حاجة إلى إغلاق قانوني أو مادي كامل.

غير أن هذه الورقة ترتد أيضا على إيران نفسها لاعتماد جزء مؤثر من صادراتها النفطية وحركة موانئها على المضيق ذاته، ولذلك يظل الاستخدام الإيراني له محكوما بموازنة دقيقة بين تعظيم كلفة الخصوم وتجنب خنق اقتصادها الوطني.

وهنا يظهر الفارق البنيوي بين حالتي إيران والحوثيين في إدارة أداة التهديد نفسها: فالحوثيون يعطلون ممرا لا يعتمد اقتصادهم الرسمي عليه بالدرجة نفسها، بينما تهدد إيران ممرا تحتاج إليه هي أيضا ما يجعل حسابها أكثر تعقيدا، وأقل قابلية للاستدامة من حساب فاعل لا يتحمل كلفة إغلاق الممر الذي يهدده.

ويمثل باب المندب الحلقة المركزية في منظومة الاختناق الممتدة من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط، فهو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر ولا تكتمل القيمة الإستراتيجية لقناة السويس من دونه.

وقد بلغ حجم التدفقات النفطية عبره نحو 9.3 ملايين برميل يوميا عام 2023 قبل أن ينخفض إلى نحو 4.1 ملايين في عام 2024 بفعل الهجمات الحوثية على الملاحة.

قناة السويس رغم بعدها الجغرافي عن مسرح الهجمات جنوب البحر الأحمر، تحملت جزءا كبيرا من آثارها؛ إذ تراجع عدد السفن العابرة -وفق بيانات هيئة قناة السويس- من نحو 25.9 ألف سفينة في العام المالي 2022-2023 إلى 20.1 ألف سفينة في العام التالي، وانخفضت الإيرادات من 9.4 مليارات إلى 7.2 مليارات دولار

وفي المقابل ارتفعت التدفقات عبر رأس الرجاء الصالح من 6.2 ملايين برميل يوميا عام 2023 إلى 9.3 ملايين في عام 2024.

ويقدم هذا التحول دليلا عمليا على قوة الموقع لكنه يكشف في الوقت نفسه حدودها، فقد استطاعت الهجمات إرباك الملاحة وإعادة توجيهها لكنها لم توقف التجارة الدولية، أو تمنح الحوثيين سيطرة على الاقتصاد العالمي.

فالاقتصاد امتص جزءا من الصدمة عبر المسارات البديلة، وإن كان ذلك مقابل رحلات أطول وتكاليف أعلى، واضطراب أكبر في مواعيد التسليم.

وتكشف العلاقة بين باب المندب وقناة السويس أن الممرات لا تعمل بصورة منفصلة إنما داخل منظومات اختناق مترابطة.

فقناة السويس رغم بعدها الجغرافي عن مسرح الهجمات جنوب البحر الأحمر، تحملت جزءا كبيرا من آثارها؛ إذ تراجع عدد السفن العابرة -وفق بيانات هيئة قناة السويس- من نحو 25.9 ألف سفينة في العام المالي 2022-2023 إلى 20.1 ألف سفينة في العام التالي، وانخفضت الإيرادات من 9.4 مليارات إلى 7.2 مليارات دولار.

وبذلك يمكن وصف قناة السويس بأنها تعرضت لـ”اختناق عن بعد”؛ فلم تتعرض القناة ذاتها للإغلاق لكن اضطراب بوابتها الجنوبية أعاد توجيه السفن بعيدا عنها.

وهذا يؤكد أن أمن الممرات لا يمكن تجزئته وفق الحدود السياسية؛ لأن الضغط على حلقة واحدة ينتقل إلى بقية حلقات السلسلة.

وتقدم قناة بنما مثالا آخر على تداخل نقطة الاختناق بالبنية اللوجيستية المحيطة بها لا بإدارتها وحدها، فهي تمرر نحو 5% من التجارة العالمية وتعبرها قرابة 14 ألف سفينة سنويا، وحققت في العام المالي 2024 إيرادات تقارب أربعة مليارات دولار.

ولم يعد التنافس حولها متعلقا بإدارة القناة ذاتها بل امتد إلى الموانئ والمنشآت اللوجيستية الواقعة عند مدخليها، في ظل قلق أمريكي متصاعد إزاء تنامي الحضور الاستثماري الصيني هناك، وتصريحات أمريكية متكررة تطالب باستعادة نفوذ أوسع على القناة.

وهذا يؤكد أن السيطرة الحديثة على الممر قد تمارس عبر البنية اللوجيستية المحيطة به بقدر ما تمارس عبر إدارته المباشرة، لا عبر احتلاله عسكريا فحسب.

ويقدم مضيقا البوسفور والدردنيل نموذجا مختلفا لا يجوز قياس مضيق هرمز عليه؛ إذ تستند سلطة تركيا في تنظيم مرور السفن الحربية إلى نظام قانوني تعاهدي خاص أرسته اتفاقية مونترو لعام 1936، ولا تمتد هذه السلطة إلى تعطيل الملاحة التجارية الدولية.

أما مضيق هرمز فيخضع لنظام المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية ولا تملك أي دولة مشاطئة الانفراد بتعليقه أو تحويله إلى مجال سيطرة خاصة.

وبذلك تكشف المقارنة الفارق بين صلاحية قانونية مقيدة تستند إلى اتفاق دولي، ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة بالمخالفة للقانون الدولي.

وتقود هذه الأمثلة مجتمعة إلى مراجعة الفرضية القائلة إن “من يسيطر على باب المندب يسيطر على ممر النفط والتجارة العالمي، ومن يسيطر على هذا الممر يسيطر على الاقتصاد العالمي”.

مصالح الدول العربية لا تكمن في تحويل مواقعها إلى أدوات تعطيل وإنما في تطويرها إلى أدوات ضبط وتنظيم. ومن هنا يبرز مفهوم “القوة الضابطة” الذي يقوم على حماية تدفق الملاحة ومنع تحول الممرات إلى ساحات صراع مفتوحة

فالشق الأول صحيح جزئيا: امتلاك القدرة على التأثير في باب المندب يمنح صاحبه قدرة كبيرة على إرباك أحد أهم مسارات التجارة العالمية، لكنه تأثير توجيهي لا احتكاري؛ إذ تنحرف التجارة إلى طرق أخرى ولا تتوقف بصورة كاملة.

أما الشق الثاني فلا يثبت بصيغته الحرفية، لأن الأسواق تملك قدرا من المرونة تشمل أدواتها المخزونات الإستراتيجية والمسارات البديلة وخطوط الأنابيب وإعادة توزيع الشحنات وتعديل الأسعار. لكن هذه المرونة ليست مجانية؛ إذ تدفع كلفتها في صورة تضخم وتأخر في الإمدادات وزيادة في أقساط التأمين وضغط على الدول المستوردة.

وبذلك تتأكد الأطروحة المركزية التي انطلقت منها هذه المقالة: أن القدرة على التهديد أداة ضغط إستراتيجية لا سيطرة شاملة، وأن السيطرة الكاملة على الاقتصاد العالمي تظل مشروطة بتعطيل عدة ممرات مترابطة وبدائلها في وقت واحد، وهو شرط بالغ الصعوبة ونادر التحقق فعليا.

ومن هنا يظهر مفهوم “حرب المضائق” بوصفه استخدام التهديد أو التعطيل، أو رفع مخاطر العبور، أو إعادة توجيه التدفقات لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، من دون اشتراط احتلال المضيق أو إغلاقه الكامل.

ويتقاطع هذا المفهوم مع أدبيات الحصار البحري والردع البحري، والاعتماد المتبادل المسلح، لكنه يختلف عنها في ثلاث نقاط جوهرية.

فالحصار التقليدي يستهدف منع وصول طرف معين إلى موانئ أو سواحل خصمه، والردع البحري يهدف إلى منع سلوك بعينه بالتهديد بالعقاب أو الحرمان، بينما تركز حرب المضائق على توظيف نقطة الاختناق ذاتها لإعادة تسعير العبور وإعادة توجيه التدفقات العالمية، بحيث يبدأ أثرها قبل الإغلاق المادي للمضيق ويمتد -خلافا للحصار الذي يفترض غالبا مشاركة الطرف المستهدف في النزاع- إلى أطراف ثالثة لا تشارك مباشرة في الصراع، عبر آلية غير مباشرة تمر بالتأمين والزمن وتسعير المخاطرة لا بالمنع المباشر.

لكن مصالح الدول العربية لا تكمن في تحويل مواقعها إلى أدوات تعطيل وإنما في تطويرها إلى أدوات ضبط وتنظيم. ومن هنا يبرز مفهوم “القوة الضابطة” الذي يقوم على حماية تدفق الملاحة، ومنع تحول الممرات إلى ساحات صراع مفتوحة.

فالقوة الضابطة لا تسعى إلى احتكار الطريق البحري وإنما تعمل على جعل استقراره مرتبطا بحضورها السياسي والأمني والاقتصادي، وتحويل قدرتها العسكرية من أداة للهيمنة إلى ضمانة لحرية العبور.

ولم يبق هذا التصور في نطاق الدعوة النظرية؛ فقد نقلته المملكة العربية السعودية إلى نموذج مؤسسي من خلال تأسيسها وقيادتها “التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات” بمشاركة 14 دولة واتخاذ الرياض مقرا دائما له.

ويستهدف التحالف حماية الملاحة الدولية وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، من خلال العمليات البحرية المشتركة وتبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة للتهديدات مع احتفاظ كل دولة بحقها السيادي في تحديد مستوى مشاركتها.

ولا تقوم أهلية المملكة لقيادة هذا الإطار على مكانتها السياسية وحدها، بل على اجتماع الموقع والقدرة والمصلحة:

فهي تطل على القسم الأكبر من الساحل الشرقي للبحر الأحمر وتشرف جغرافيا على جزء مركزي من الممر الممتد بين باب المندب والسويس، وتعد من كبرى الدول المصدرة للطاقة والمتضررة المباشرة من أي اضطراب في هرمز أو باب المندب معا، وتملك منظومة من الموانئ وخطوط الأنابيب -وفي مقدمتها خط الشرق الغرب- تربط أمن البر بأمن البحر.

ينبغي أن يمتد الدور العربي من حماية الممر إلى امتلاك القدرة على تصنيف التهديد؛ لأن من يعرف الحدث بوصفه “تهديدا للملاحة الدولية” يؤثر في طبيعة الاستجابة والتحالفات التي تتشكل حوله. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مرصد عربي دائم لأمن الممرات يعمل بوصفه ذراعا تحليلية للتحالف البحري، ويراقب المخاطر ويصدر تقديرات مستقلة بما يزاوج بين القوة التنفيذية في البحر والقدرة المعرفية على تفسير التهديد وتحديد مستواه

فضلا عن قدرتها السياسية والعسكرية على جمع دول عربية وإسلامية وأفريقية داخل إطار مؤسسي واحد وتحملها مسؤولية تأسيسه واستضافة مقره.

ولا ينتقص ذلك من مركزية الدور المصري في أمن البحر الأحمر وقناة السويس بل يؤسس لتكامل القيادة السعودية مع الثقل المصري وخبرته البحرية والمؤسسية، وأدوار بقية الدول المشاطئة في بناء منظومة إقليمية متماسكة لأمن الملاحة.

غير أن الانتقال من تحالف ذي عضوية سياسية واسعة إلى قوة تنفيذية فاعلة على الأرض يظل مرهونا بعوامل منها: وحدة القيادة، وانتظام التدريبات المشتركة، وتبادل المعلومات في الزمن الحقيقي، وتوافق قواعد الاشتباك.

وهذا النموذج للقوة الضابطة لا يهدف إلى احتكار الممر أو عسكرة البحر الأحمر بل إلى بناء إطار دفاعي جماعي يحول دون إخضاع الملاحة الدولية لإرادة الجماعات المسلحة أو استخدامها ورقة ابتزاز سياسي واقتصادي.

وتتجاوز أهمية التحالف مواجهة التهديد الآني؛ إذ يؤسس لانتقال نوعي من الاعتماد على التحالفات الدولية المؤقتة إلى المشاركة العربية الفاعلة في إنتاج الأمن البحري، بما يجعل التحالف تطبيقا عمليا لفكرة أن أمن الممرات مسؤولية مشتركة، وأن الدول العربية ليست مجرد مستفيد من الحماية الدولية بل شريك في صياغتها وقيادتها.

كما ينبغي أن يمتد الدور العربي من حماية الممر إلى امتلاك القدرة على تصنيف التهديد؛ لأن من يعرف الحدث بوصفه “تهديدا للملاحة الدولية” يؤثر في طبيعة الاستجابة والتحالفات التي تتشكل حوله.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مرصد عربي دائم لأمن الممرات يعمل بوصفه ذراعا تحليلية للتحالف البحري، ويراقب المخاطر ويصدر تقديرات مستقلة بما يزاوج بين القوة التنفيذية في البحر والقدرة المعرفية على تفسير التهديد وتحديد مستواه.

وبذلك يكتمل هذا النموذج: قيادة للتحرك البحري، ومأسسة للأمن الجماعي، وانتقال بالعرب من موقع المتلقي للحماية إلى موقع الشريك في تعريف الأمن وإنتاجه.

وهنا يتصل “جيوبوليتيك الاختناق” بقانون ثبات الوظيفة الجيوسياسية: فالموقع يحتفظ بوظيفته الإستراتيجية الأساسية بينما يتغير الفاعلون الذين يستثمرونه والأدوات التي يستخدمونها.

فلم تتغير وظيفة هرمز وباب المندب والسويس بوصفها عقدا للتحكم في التدفقات؛ الذي تغير هو انتقال أدوات التأثير من الأساطيل والحصار التقليدي إلى الصواريخ والمسيرات والألغام والتأمين والعقوبات وإدارة المعلومات.

إن القيمة الحقيقية للممرات العربية لا تكمن في القدرة على إغلاقها بل في القدرة على إبقائها مفتوحة وآمنة وتحويلها إلى أصول اقتصادية وسياسية مستدامة.

فالجغرافيا تمنح الموقع وقانون ثبات الوظيفة يحفظ قيمته الإستراتيجية عبر الزمن، لكن النفوذ لا ينتجه الموقع بمفرده؛ بل تصنعه القدرة على تحويل الوظيفة الجغرافية من مصدر هشاشة إلى أداة تنظيم، ومن ورقة تهديد عابرة إلى حضور مؤسسي وتنظيمي مستدام.

وبذلك يصبح الوطن العربي قوة ضابطة لتدفقات الاقتصاد العالمي، لا مجرد ساحة تعبرها هذه التدفقات أو تتصارع فوقها القوى الدولية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة نيوز عربي.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678