تتعدد طرق الجذب والصيد، لتنتقل الطيور المغردة من السماء إلى أطباق بلاستيكية، يجتمع المائة منها في طبق واحد، لتباع بأرقام فلكية لهواة المذاق المختلف. ويشمل ذلك الأنواع غير التقليدية من الطيور، حتى وإن كان محرم قتلها كالصرد والهدهد، أو كانت مهددة بالانقراض كالقمري والشحيم وغيرها من الأنواع.
قصص مقترحة
أرقام مقلقة وأساليب صيد قاسية
بحسب ورقة حقائق أصدرتها مؤسسة “بيرد لايف” والجمعية المصرية لحماية الطبيعة في مايو/أيار 2026، يُصاد أكثر من 5.5 ملايين طائر بصورة غير قانونية في مصر سنويا، لتحتل البلاد المرتبة الثانية بين دول حوض المتوسط في الصيد الجائر للطيور.
وتشير الورقة إلى تراجع أعداد الطيور التي تقضي الشتاء في بحيرة ناصر بنسبة 60% خلال العشرين عاما الماضية. ولا تقتصر آثار هذا التراجع على فقدان الطيور، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية أقل ظهورا، منها ارتفاع تكاليف تعويض دورها في نشر البذور ومكافحة الآفات، فضلا عن انخفاض العائد من أنشطة مراقبة الطيور مع تناقص أعدادها.
وتتنوع أساليب الصيد الجائر للطيور المهاجرة، ويعرّض بعضها الطيور للألم والإصابة قبل نفوقها. ومن أبرز هذه الأساليب:
- الشباك الساحلية والداخلية: تنتشر على طول الساحل الشمالي، وفي شمال سيناء والبرلس والواحات.
- اللزيق أو المخيط: مادة لاصقة تقليدية تُدهن بها عيدان خشبية لصيد الطيور المهاجرة الصغيرة. وما إن يقف الطائر عليها حتى تلتصق بها أجنحته وأرجله، فيعجز عن الطيران.
- البرك الصناعية: تُستخدم لجذب الطيور إلى مواقع الصيد، وتنتشر في مناطق البحيرات الطبيعية ومحطات الصرف وبحيرة ناصر.
- أجهزة الصوت الإلكترونية: تُستخدم لاستدراج الطيور في مختلف أساليب الصيد، وقد تزيد أعداد الطيور المصيدة بالشباك إلى أكثر من خمسة أضعاف، بحسب الورقة.
حصيلة أحد الصيادين وتضم بعض الأنواع المحرم صيدها (نيوز عربي)
طيور ميتة وأخرى مهددة بالانقراض!
قد لا تتوافر للمستهلك معلومات واضحة عن أنواع الطيور المهاجرة المعروضة للبيع، أو طريقة صيدها ومدى صلاحيتها للأكل. وبحسب خالد النوبي، المدير التنفيذي للجمعية المصرية لحماية الطبيعة، تُباع بعض الطيور بأسماء متداولة لا تكشف هويتها، بينما تصل أنواع أخرى إلى الأسواق رغم نفوقها في الشباك قبل ذبحها.
ويقول النوبي إن الهدهد، حين يقع في شباك الصيد بالخطأ، قد يُباع للمستهلكين باسم “صفير”، وإن طائر الصرد يُعرض أحيانا باسم “دقناش”، دون أن يعرف المشترون أنه الطائر الذي ورد النهي عن قتله في حديث نبوي.
ويشير إلى أن الأنواع المتداولة تشمل أيضا طائر الوروار، المعروف بالإنجليزية باسم “بي إيتر”، والقمري، وهو نوع من اليمام يواجه خطر الانقراض ويحظى بطلب مرتفع. ورغم أن حجمه أصغر من الحمام المعتاد، فإن سعر الزوج منه يصل، بحسب النوبي، إلى 1600 جنيه مصري. كما يذكر وجود طلب على أنواع أقل شيوعا على الموائد، مثل غراب البحر واللقلق الأبيض والبلشون والكركي.
ومن بين المشكلات التي يرصدها النوبي بيع طيور نفقت في الشباك قبل ذبحها، دون توضيح ذلك للمستهلك. ويقول إن حصيلة الصيد تُسوّق عبر قنوات مختلفة، تشمل التصدير إلى دول عربية والبيع لزبائن يفضلون تناول هذه الطيور، وقد تضم الكميات المبيعة طيورا صالحة وأخرى غير صالحة للأكل.
وتُعد العصفوريات من أكثر الطيور استهدافا بالشباك والمواد اللاصقة. ويبرز بينها الطائر المعروف محليا باسم «الشحيم»، الذي يزداد الإقبال عليه بسبب الدهون التي يختزنها خلال الهجرة. وبحسب النوبي، قد يضم الطبق الواحد نحو 100 طائر، بسعر إجمالي بلغ 600 جنيه مصري في الموسم الأخير، ويُقدَّم في بعض المنازل والمطاعم ضمن أطباق الطيور المهاجرة.

متعة الصيد وحماية الحياة البرية
لا تقتصر آثار شباك الصيد على الطيور المستهدفة؛ فقد تعلق بها كائنات أخرى، مما يوسع نطاق الضرر الذي تلحقه بالحياة البرية.
ويقول خالد النوبي إن الشباك قد تحتجز حيوانات مثل الثعالب، وزواحف كالثعابين والسحالي، فضلا عن بعض الحشرات. ويضيف أن فريق الجمعية عثر، خلال زيارة أخيرة إلى منطقة البرلس، على شباك تضم بقايا ثعابين نافقة تحللت أجسادها.
في المقابل، ينظر أحمد عيسى، أحد الصيادين الهواة، إلى وقوع كائنات أخرى في الشباك باعتباره من الأعراض الجانبية للصيد. وينتظر عيسى شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول كل عام للانطلاق في رحلاته، التي يصفها بأنها هواية ووسيلة للتخفيف من ضغوط الحياة.
ويقول للجزيرة نت إن تكلفة يوم الصيد قد تصل إلى أربعة آلاف جنيه مصري، تشمل الانتقالات والأدوات ونفقات الإقامة والمعيشة. ويتساءل عن أسباب منع صيد أنواع بعينها، ومنها “الشحيم”، موضحا أنه يصطاد منه ما يكفي لاستهلاكه الشخصي. ويستند في موقفه إلى إباحة الصيد، متسائلا عن مبررات القيود المفروضة على هذه الأنواع.
فريق مصري لمطاردة الصيد الجائر
أعلنت الجمعية المصرية لحماية الطبيعة، في سبتمبر/أيلول 2026، إطلاق فريق وصفته بأنه الأول في مصر لمكافحة الصيد الجائر وغير القانوني للطيور. ويضم الفريق أساتذة من جامعات مصرية، ومديري محميات، وممثلين عن مجلس النواب.
وتهدف المبادرة إلى تنسيق جهود حماية الطيور المهاجرة ضمن إطار وطني يجمع الجهات الحكومية والخبراء والباحثين والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية، بما يدعم حماية الطيور والحفاظ على التوازن البيئي.



