فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن مسؤولية بناء الوطن لا تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع. ومن الطبيعي أن تختلف الأحزاب والفاعلون السياسيون في البرامج والتصورات، وأن تكون هناك أغلبية تدبر الحكومة ومعارضة تراقب وتحاسب وتقترح البدائل. لكن الاختلاف السياسي شيء، وتحويل كل مبادرة إلى مناسبة للهدم والتبخيس شيء آخر.
المغرب خلال السنوات الخمس المقبلة سيكون أمام تحديات كبيرة، داخلية وخارجية، وسيحتاج إلى الاستقرار السياسي، والثقة المؤسساتية، والوضوح في الرؤية، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذ الإصلاحات. ولذلك فإن المطلوب ليس حكومة تُصفق لها الجميع، فهذا غير ممكن في الديمقراطية، وإنما حكومة تُحاسب بجدية، وتُنصح بموضوعية، وتُنتقد حين تخطئ، وتُساند حين تصيب.
المعارضة الحقيقية ليست أن تتمنى فشل الحكومة حتى تثبت أنها كانت على حق، وإنما أن تساعد على منع الخطأ، وأن تقترح البديل، وأن تجعل من الرقابة وسيلة لتحسين الأداء لا وسيلة لتعطيل المؤسسات.
كما أن دعم الحكومة لا يعني منحها شيكاً على بياض، ولا يعني الصمت عن الاختلالات. بل إن النصيحة الصادقة والنقد المسؤول هما جزء من حماية التجربة الحكومية نفسها. فالحكومة التي لا تسمع إلا المديح معرضة للأخطاء، والمعارضة التي لا ترى إلا الأخطاء قد تفقد مصداقيتها.
ومن له حجج وأدلة على الفساد أو النهب أو أي اختلالات، فعليه أن يضعها أمام الجهات المختصة، وعلى الدولة أن تفتح أبواب المحاكم أمام كل من يتوفر على معطيات جدية، حتى تُعرض على القضاء ويُحسم فيها وفق القانون، بعيداً عن التشهير أو إطلاق الاتهامات دون دليل.
لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة “إما أن أفوز أنا أو أتمنى أن يفشل الآخر” إلى ثقافة أرقى: قد نختلف حول من يقود، لكننا نتفق على ضرورة أن ينجح المغرب.
فالبلد ليس شركة حزبية، والحكومة ليست ملكاً للحزب الذي يقودها، والبرلمان ليس ساحة لتصفية الحسابات الشخصية. إنها مؤسسات دستورية وجدت لخدمة المواطنين وحماية المصلحة العامة.
ومن واجب الجميع، أغلبية ومعارضة، أحزاباً ونخباً وإعلاماً ومجتمعاً مدنياً، أن يساهموا في زرع الثقة بدل نشر الإحباط، وفي تقديم الحلول بدل الاكتفاء بتعداد المشاكل، وفي تهدئة الأجواء بدل تأجيجها، وفي تقوية المؤسسات بدل إضعافها.
نحن لا نحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى من يزعزع البناية كلما اختلف مع أحد داخلها، بل إلى من يساعد على تقويتها، وإلى من ينبه إلى الشقوق قبل أن تتسع، وإلى من يساهم في إصلاح الخلل بدل انتظار انهيار البناء.
وإذا كان من حق كل طرف أن يطمح إلى الفوز في الاستحقاقات المقبلة، فمن واجبه أيضاً أن يتذكر أن المغرب أكبر من الحكومة، وأكبر من المعارضة، وأكبر من أي حزب أو شخص.
لذلك، أياً كان رئيس الحكومة المقبل، فلنمنحه فرصة العمل، ولنراقبه بصرامة، ولنحاسبه بموضوعية، ولننصحه بصدق، ولنختلف معه حين نختلف، ولكن دون أن يتحول الاختلاف إلى رغبة في إفشاله.
نريد حكومة تنجح، ومعارضة قوية، وإعلاماً مسؤولاً، ومؤسسات مستقرة، وثقة متبادلة… لأن نجاح أي حكومة في نهاية المطاف ليس انتصاراً لحزب، وإنما مكسب للمغرب والمغاربة.
ففي السنوات الخمس المقبلة، المغرب في حاجة إلى من يزرع الثقة، ويجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويختلف دون أن يخاصم الوطن.
قد تتغير الحكومات والأحزاب والأشخاص، لكن المغرب يجب أن يبقى هو الثابت الذي يجتمع حوله الجميع.
نورالدين البركاني



