لكن القصف دمر الاستوديو، وتوقف معه عملها، لتجد نفسها أمام واقع جديد فرضته الحرب والنزوح وصعوبة الحركة بين مناطق القطاع.
وتقول تالا للجزيرة “لما شفت الاستوديوهات تدمرت حسيت هويتي انطمست”.
ولم يكن فقدان المكان وحده ما يؤلمها، إذ اضطرت خلال النزوح إلى ترك كثير من مقتنياتها ومعدات عملها.
وفي إحدى مراحل النزوح، انتشلت جزءا من معداتها من تحت الأنقاض، وحاولت إصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم اشترت جزءا آخر بمبالغ باهظة، حتى تتمكن من العودة إلى عملها.
كانت عودتها الأولى متواضعة جدا، إذ بدأت من خيمة تفتقر إلى أبسط تجهيزات الاستوديو، فلا إضاءة احترافية ولا عزل للصوت. وهناك، صورت برنامج البودكاست “ع بلاطة” مع الصحفي الشهيد صالح الجعفراوي، لتبدأ من جديد رغم الظروف.
البداية من خيمة
لكن تالا لم تُرِد أن تبقى الخيمة حلا مؤقتا، فقد أرادت أن تصنع لنفسها مساحة تشبهها وتعيد إليها إحساسها بهويتها المهنية، ومن هنا جاءت فكرة استخدام أخشاب صناديق البضائع التي تصل إلى غزة محملة بالمساعدات.
بدأت تالا بجمع الخشب من أماكن مختلفة، إذ لم تكن تجد الكمية والقطع المناسبة في مكان واحد، كانت تجمع قطعا وتكدسها تدريجيا حتى تمكنت من توفير ما يكفي لبناء كوخ صغير، وبعد إعادة تدويره وتجهيزه، تحوّل الخشب إلى جدران وسقف لاستوديو جديد.
لكن جمع الخشب لم يكن سهلا، وتأمينه كان أمرا غاية في الصعوبة بالنسبة لتالا، خاصة بعد ارتفاع ثمنه كثيرا، بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة، وصعوبة توفر مواد البناء وارتفاع أسعارها، مما جعل جمعه وإعادة استخدامه تحديا آخر، لكنه كان بالنسبة لها خيارا ممكنا للاستمرار.
عاشت تالا لحظات من اليأس، وتعرضت للنزوح أكثر من مرة، ونجت من الموت في ظروف مختلفة، لكنها تقول إن رؤية أماكن جديدة تتعرض للقصف كانت تمنحها أحيانا قوة أكبر لمواجهة واقعها: “مهما كان واقعنا سيئ، بنحاول نجمّله، لكن أنا بحاول بأقل الإمكانات أصنع هويتي”.
بالنسبة لها، لم يكن بناء الاستوديو مجرد مشروع لإعادة العمل، بل محاولة لاستعادة جزء من حياتها التي تغيرت بفعل الحرب، كما تقول “لما عملت الاستوديو حسيت عندي شغف أكمل وأشتغل وأوصل الرسالة”.
وهكذا، من بين الدمار والخسارة، أعادت تالا بناء مساحتها الخاصة؛ استوديو صغير من خشب المساعدات، يحمل في تفاصيله قصة امرأة شابة تحاول أن تستعيد صوتها ومهنتها، وتثبت أن الإبداع يمكن أن يجد طريقه حتى وسط الحرب.



