• Home  
  • من قندهار إلى كابل.. كيف مهدت أخطاء ما بعد عام 2001 لعودة طالبان؟ | وثائقية
- أخر الأخبار

من قندهار إلى كابل.. كيف مهدت أخطاء ما بعد عام 2001 لعودة طالبان؟ | وثائقية

من استبعاد طالبان من تسوية بون، إلى الاعتماد على أمراء الحرب، ثم الرهان على القوة الجوية وبناء جيش هش؛ يرصد الوثائقي شهادات مسؤولين أفغان وأمريكيين…

من استبعاد طالبان من تسوية بون، إلى الاعتماد على أمراء الحرب، ثم الرهان على القوة الجوية وبناء جيش هش؛ يرصد الوثائقي شهادات مسؤولين أفغان وأمريكيين وأمميين تكشف كيف انتهى مشروع ما بعد 2001 بعودتها.

في 15 أغسطس/آب 2021، دخلت حركة طالبان العاصمة الأفغانية كابل فيما كانت صور مطار العاصمة تختصر نهاية متسارعة لعقدين من التدخل الدولي. لكنّ مشهد الانهيار لم يبدأ مع الانسحاب الأمريكي، ولا مع اتفاق الدوحة وحده؛ إذ يعيد الوثائقي مسار الحكاية إلى خيارات اتُخذت بعد إسقاط حكم طالبان عام 2001، حين بدا الانتصار العسكري كافيا لبناء نظام جديد.

بين قندهار، حيث خرجت الحركة من فوضى التسعينيات، وكابل التي عادت إليها بعد عقدين، تتقاطع شهادات لمسؤولين أمميين وأمريكيين وأفغان مع روايات مدنيين دفعوا ثمن الحرب. والنتيجة التي يرسمها الفيلم ليست أن طالبان انتصرت بقوتها وحدها، بل إن خصومها أخفقوا في تحويل تفوقهم العسكري والمالي إلى تسوية سياسية ودولة تحظى بالثقة.

وُلدت طالبان في قندهار عام 1994، في بلد أنهكته الحروب وتنازعته الفصائل المسلحة. بعد سنوات من الاقتتال والانفلات، قدمت الحركة نفسها قوة قادرة على فرض الأمن وكبح سلطة أمراء الحرب، وهو وعد وجد صدى في مناطق واسعة عانت الخوف والابتزاز.

ولا يلغي ذلك طبيعة حكم طالبان الأول ولا القيود الشديدة التي فرضتها، خصوصا على النساء والحريات وفق شهادات الفيلم. لكنه يفسر لماذا لم يكن صعودها مجرد نتيجة للسلاح أو التعبئة الدينية؛ فالحركة خاطبت، منذ البداية، حاجة أساسية في مجتمع أنهكته الفوضى: الأمن والنظام.

وعندما أطاحت الولايات المتحدة حكم طالبان في أواخر عام 2001، لم يكن السؤال فقط كيف تُهزم الحركة، بل كيف تُمنع من العودة.

مشهد من أحد شوارع كابل المزدحمة، حيث تداخلت حياة المدينة اليومية مع آثار عقدين من الحرب والتدخل الدولي، قبل أن تعود طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021 (لقطة من الفيلم الوثائقي – نيوز عربي 360)

تسوية استبعدت الخصم

بعد الغزو، تعاملت واشنطن مع طالبان بوصفها قوة هُزمت وانتهى دورها. لكنّ سفير طالبان السابق لدى باكستان عبد السلام ضعيف يقول في الفيلم إن الحركة كانت مستعدة لـ”التفاوض والتعاون ” و”حل هذه المشكلة بطريقة منطقية”، مضيفا أن الأمريكيين “لم يكونوا وقتها يصغون”.

ولا تكفي شهادة ضعيف وحدها لإثبات أن التسوية كانت ممكنة أو مضمونة؛ فهي صادرة عن أحد ممثلي الحركة. لكنها تلتقي مع رواية أرتورو مونوز، الذي عمل في مركز مكافحة الإرهاب التابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بين 1980 و2009، والذي يشير إلى أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ألقى، بعد أيام من تلك الاتصالات، خطابا هدفه “إلغاء اتفاق السلام”.

وتُظهر اللقطة الأرشيفية لرامسفيلد الموقف بعبارة أكثر صراحة: “لا أعتقد بإمكانية وجود نهاية متفاوض عليها للوضع، هذا غير مقبول لدى الولايات المتحدة”.

كان الرهان الأمريكي يومها واضحا: إكمال النصر العسكري، لا اختبار إمكانية تسوية. لكنّ ذلك أغلق بحسب مجريات الأحداث الباب أمام معالجة سياسية مبكرة لصراع لم تكن طالبان قد اختفت منه.

ويصف الأخضر الإبراهيمي، الممثل الخاص السابق للأمين العام للأمم المتحدة في أفغانستان، هذا المسار بأنه “الخطأ الأصلي”. ويقول إن طالبان كانت تسيطر على نحو 90% من الأراضي الأفغانية قبل سقوطها، ولم توقع “اتفاقية استسلام”. ثم يطرح السؤال الذي تجاهله مؤتمر بون: “أين ذهبوا؟”.

بالنسبة للإبراهيمي، كان الأجدى إدراك أن هؤلاء ما زالوا موجودين، وأنهم “يمثلون شيئا ما “، وأن الحديث إليهم ربما كان يفتح طريقا لإدخالهم في “الإجماع الوطني”. لا يبرئ هذا الكلام طالبان من مسؤوليتها عن حكمها وسياساتها، لكنه يسلط الضوء على خطأ افتراض أن إسقاطها من السلطة يعني زوالها من المعادلة الأفغانية.

(لمشاهدة الفيلم كاملا – أفغانستان.. السنوات الصعبة – الجزء 1)

(لمشاهدة الفيلم كاملا – أفغانستان.. السنوات الصعبة – الجزء 2)

دمار في إحدى القرى الأفغانية؛ تكشف شهادات الفيلم كيف جعلت الغارات والمداهمات حياة المدنيين جزءا من معركة لم تُحسم
دمار في إحدى القرى الأفغانية؛ تكشف شهادات الفيلم كيف جعلت الغارات والمداهمات حياة المدنيين جزءا من معركة لم تُحسم (لقطة من الفيلم الوثائقي – نيوز عربي 360)

دولة جديدة على أكتاف قديمة

لم يكن الإقصاء السياسي وحده ما أثقل مشروع ما بعد عام 2001. فواشنطن احتاجت، في الحرب ضد طالبان وعلى الأرض، إلى تحالفات أفغانية مسلحة. ومع بناء النظام الجديد، عاد قادة وفصائل من حقبة الاقتتال إلى مواقع مؤثرة في السياسة والأمن والاقتصاد.

وهنا ظهرت المفارقة، لقد أُسقطت طالبان باسم تحرير الأفغان من حكمها، لكنّ الدولة الجديدة نشأت في مناطق واسعة فوق شبكات سلطة ارتبطت في الذاكرة الشعبية بسنوات الفوضى التي ساعدت أصلا في صعود الحركة.

ومع تدفق الأموال الدولية، لم يتحول الإنفاق الضخم بالضرورة إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار. إذ يشرح دوغلاس لوت، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق لشؤون العراق وأفغانستان، أن الولايات المتحدة أنفقت بين 80 و90 مليار دولار لبناء قوات الأمن الأفغانية، لكنها ارتكبت “أخطاء فادحة” خلال ذلك.

ويقول لوت إن واشنطن حاولت بناء جيش أفغاني “مطابق لجيشنا إلى حد كبير”، وبسرعة كبيرة، قبل أن تضخ الموارد في نظام امتد من وزارة الدفاع إلى المستويات الدنيا “وهو ما عكس الفساد المستشري في المجتمع الأفغاني”.

تكشف هذه الشهادة أن المشكلة لم تكن نقصا في الإنفاق؛ بل طبيعة النموذج الذي بُني عليه الجيش والدولة. فجيش يعتمد على التمويل والتقنية والإسناد الأجنبيين لا يمكنه أن يعوض هشاشة السياسة أو شبكات الفساد، ولا أن يصمد طويلا عندما تنسحب المظلة الخارجية.

بعد سقوط حكم طالبان عام 2001، يوثق الفيلم أعمال انتقام بحق مقاتلين من الحركة، بينها مقتل سجناء في صحراء دشت ليلي ونقل آخرين إلى سجون سرية وغوانتانامو
بعد سقوط حكم طالبان عام 2001، يوثق الفيلم أعمال انتقام بحق مقاتلين من الحركة، بينها مقتل سجناء في صحراء دشت ليلي ونقل آخرين إلى سجون سرية وغوانتانامو (لقطة من الفيلم الوثائقي – نيوز عربي 360)

حرب لا تعرف إلا المطرقة

في عام 2009، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان، مبررا ذلك بأنه من “مصالحنا الوطنية الحيوية “. مثّل القرار ذروة الرهان الأمريكي على تعزيز الوجود العسكري لتحسين الوضع الميداني، قبل أن يفرض تعثر الحرب البحث عن مسار تفاوضي

لكنّ لوت يلخص بعد سنوات مأزق تلك المقاربة بمثل أمريكي: “إن كان كل ما تملكه هو المطرقة، وهي الجيش في حالتنا، فإن أي مشكلة ستبدو لك كمسمار ينبغي ضربه بالمطرقة”.

لم يكن انتقادا نظريا فقط. فمع غياب قوة جوية لطالبان، يقول لوت إن القوات الأمريكية شعرت بالأمان واعتمدت بكثافة على الطائرات المأهولة والمسيّرات. لكنّ هذا التفوق كانت له كلفة: “إذا لم يكن لديك أشخاص على الأرض ولم تفهم الظروف المحلية جيدا، فسوف ترتكب أخطاء”.

وفي الفيلم، تظهر شهادات مدنيين من ولاية هلمند عن المعاناة التي خلّفها الوجود العسكري، والخوف من القصف، والضغوط التي واجهها السكان عند نقاط التفتيش. وتكشف هذه الشهادات كيف يمكن لحرب تُرفع فيها شعارات “كسب السكان” أن تقوّض ثقتهم حين تصبح البيوت والقرى جزءا من كلفتها اليومية.

لا تعني تلك الشهادات أن كل عملية عسكرية أفضت إلى النتيجة نفسها، لكنها تبيّن فجوة جوهرية، فالحرب التي تقول إنها تسعى إلى “كسب السكان” قد تخسرهم حين يصبح البيت والقرية ساحة للخطأ العسكري.

قوات أمريكية في أفغانستان خلال فترة تعزيز الوجود العسكري؛ لم يفضِ التفوق الناري إلى حسم الحرب أو إلى تسوية سياسية مستقرة
قوات أمريكية في أفغانستان خلال فترة تعزيز الوجود العسكري؛ لم يفضِ التفوق الناري إلى حسم الحرب أو إلى تسوية سياسية مستقرة (نيوز عربي – أرشيف)

حين اعترف مفاوضو الحرب بحدودها

داخل الإدارة الأمريكية نفسها، لم يكن الجميع مقتنعا بجدوى الحسم العسكري. يقول جون دمبسي، الذي عمل مفاوضا في وزارة الخارجية الأمريكية منذ عام 2010، إن “الحل العسكري الذي كنا نحاول تطبيقه لم يكن ناجحا”، وإن الحاجة برزت إلى بديل.

لكنّ دمبسي يروي أن المسار الدبلوماسي واجه معارضة من البنتاغون ومن شخصيات عسكرية اعتبرت أن الوقت لم يحن للكلام، وأن المطلوب “قتل المزيد من طالبان ” لتغيير موازين التفاوض قبل الجلوس معهم.

ويعترف لوت بأن الولايات المتحدة “لم تكتسب قط ذاك المركز العسكري المتفوق”، مضيفا: “خدعنا أنفسنا لكي نصدق أنه قد يكون هناك حل عسكري لهذا الأمر”.

أما دمبسي فيلخص جانبا آخر من المأزق، حيث كانت حركة طالبان تملك قدرة على التجدد وملاذا آمنا في باكستان، ولذلك قال “كان بإمكاننا الاستمرار في قتلهم، لكننا كنا نعلم أنهم سيستمرون في العودة إلى القتال”.

هكذا تحولت الحرب إلى دورة، من قوة نارية أكبر، وخسائر متبادلة، إلى قدرة مستمرة لطالبان على إعادة التنظيم، من دون تقدم حاسم نحو سلام قابل للحياة.

لم تكن عودة طالبان حدثا مفاجئا، بل حصيلة مسار طويل من الاستبعاد السياسي، والحرب، وضعف الدولة المدعومة خارجيا
لم تكن عودة طالبان حدثا مفاجئا، بل حصيلة مسار طويل من الاستبعاد السياسي، والحرب، وضعف الدولة المدعومة خارجيا (نيوز عربي)

أزمة الشرعية قبل الانهيار

لم تكن أزمة الدولة الأفغانية عسكرية فقط. ففي انتخابات عام 2014 الرئاسية، دخل أشرف غني وعبد الله عبد الله نزاعا حادا على النتائج، قبل أن تتدخل واشنطن عبر وزير خارجيتها جون كيري لاحتواء الأزمة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

أنقذت التسوية النظام من الانقسام المباشر، لكنها كرست في الوقت نفسه هشاشته. فقد بدا أن أبرز خلافاته لا تُحسم عبر مؤسساته، بل بتدخل خارجي. وبين النخب السياسية في كابل والمجتمعات التي تعيش الحرب في الأطراف، ازدادت فجوة الثقة.

وعندما وقّعت الولايات المتحدة اتفاق الدوحة مع طالبان عام 2020، لم تكن الدولة الأفغانية تبدأ من موقع متماسك. كانت الحركة قد استعادت حضورها، وكان الجيش الذي استثمرت فيه واشنطن مليارات الدولارات يعتمد على دعم خارجي، وكانت الشرعية السياسية تعاني الانقسام والتآكل.

اتفاق في الدوحة بعد حرب دامت 20 عاما.. التاريخ الدبلوماسي للدوحة في رعاية الملفات الدولية المعقدة يعزز دورها كوسيط موثوق
اتفاق في الدوحة بعد حرب دامت 20 عاما.. التاريخ الدبلوماسي للدوحة في رعاية الملفات الدولية المعقدة يعزز دورها كوسيط موثوق (نيوز عربي)

كابل.. لحظة انكشاف لا بداية قصة

مع انسحاب القوات الأمريكية عام 2021، سقطت المدن الأفغانية تباعا، ثم دخلت طالبان كابل في 15 أغسطس/آب. بدا الانهيار سريعا، لكنه كان، في قراءة الفيلم، لحظة انكشاف لقوة دولة بدت كبيرة على الورق وأكثر هشاشة على الأرض.

فالانسحاب لم يخلق من الصفر فساد النظام، أو ضعف مؤسساته، أو آثار الحرب على المدنيين، أو فشل التسوية السياسية. لكنه رفع الغطاء عن كل ذلك دفعة واحدة.

من قندهار عام 1994 إلى كابل عام 2021، لا يروي الفيلم قصة حركة عادت لأنها صبرت فقط. إنه يرصد أيضا قصة خصوم أخطؤوا حين ظنوا أن التفوق العسكري يعوض السياسة، وأن ضخ المال يبني دولة، وأن استبعاد خصم مهزوم ينهي الحرب.

وقد تكون عبارة الإبراهيمي عن “الغلطة الأولى” مفتاحا لقراءة العقدين: فسلام يستبعد أطراف الصراع، ودولة لا تكسب ثقة مجتمعها، وحرب لا تعرف إلا أدوات القوة، يمكن أن تؤجل النهاية، لكنها لا تمنعها.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

من نحن

“نحن في موقع نيوز عربي نولي اهتمامًا كبيرًا بتجربة المستخدم، حيث يتم تحسين المحتوى والعروض الترويجية بناءً على تحليلات دقيقة لاحتياجات الزوار، مما يسهم في تقديم تجربة تصفح سلسة ومخصصة.”

البريد الالكتروني: izi@newarab.blog

رقم الهاتف: +5-784-8894-678